العملية التركية في إدلب وتراجع منظور العلاقات مع واشنطن

حجم الخط
0

في مقابلة مع الزميل الباحث في مجلس العلاقات الخارجية ستيفن كوك حول كتابه الأخير «الفجر الكاذب: الاحتجاج، الديمقراطية والعنف في الشرق الأوسط الجديد» براديو «كي كيو إي دي» الأمريكي (10/10/2017) سأله المذيع مايكل كرانسي عن هدف العملية التركية الجديدة في شمال غرب سوريا، فأجاب كوك إن دخول القوات التركية هي جزء من اتفاقيات أستانة التي تشرف عليها روسيا وإيران وتركيا فيما تعرف بمناطق خفض النزاع. وقال إن وجود القوات التركية جاء من أجل الإشراف على تطبيقه، مضيفا أن محافظة إدلب تسيطر عليها جماعات جهادية على رأسها هيئة تحرير الشام/ النصرة سابقا والمرتبطة بتنظيم القاعدة. وأضاف أن الحكومة التركية التي تغيرت أولويات سياساتها الخارجية خاصة في سوريا تريد تهيئة الأجواء لعودة المحافظة للحكومة «المركزية» في دمشق خاصة أن ما يشغل بال الأتراك هو الوجود الكردي على حدودها. وقال إن هذا التطور جاء نتاجا للتعاون الأمريكي- الكردي الذي دفع تركيا للتعاون مع إيران وروسيا من أجل حماية مصالحها وحدودها. وليست هذه المرة الأولى التي تدخل فيها القوات التركية سوريا ففي آب (اغسطس) 2016 دخل الجيش التركي ودعم جماعات معارضة موالية في «عملية درع الفرات» وأقام منطقة حدودية آمنة شملت جرابلس والباب والراعي ودابق وكان الهدف منه هو منع قوات حماية الشعب الكردي، الفرع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي من التقدم إلى غربي نهر الفرات وربط مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية ببقية الجيوب الكردية كوباني والقامشلي. وتنظر تركيا إلى الحزب الطامح لإقامة حكم ذاتي مستقل كجزء لا يتجزأ من حزب العمال الكردستاني (بي كا كا). وفشلت أنقرة في إقناع واشنطن بعدم تبني هذه القوات في المعركة لطرد مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» من الرقة إلا أنها فشلت وأرسلت مستشارين عسكريين ومعدات عسكرية وأقامت قواعد عسكرية في المنطقة. وأظهرت أمريكا أنها مع الأكراد في النزاع على مدينة منبج حيث ارتفع العلم الأمريكي جنبا إلى جنب مع علم الحزب.

هدف الانتشار

ومن هنا يفهم في السياق التوتر الأخير في العلاقات خاصة أن تركيا العضو في حلف الناتو شعرت أن حلفاءها المفترض أن يدعموها بحسب ميثاق الحلف فضلوا عليها جماعة إرهابية في محاولاتهم لهزيمة التنظيم الجهادي. لكل هذا فالانتشار الجديد في إدلب هو استمرار لمحاولات تركيا احتواء الخطر الكردي وإن جاء هذه المرة باسم منطقة خفض التوتر بإدلب. وتقتضي العملية انتشارا في المنطقة الممتدة بين إدلب وعفرين في محافظة حلب. وكانت القوات التركية التي عبرت الحدود مع سوريا من مدينة ريحانلي، ولاية هاتاي جنوبي تركيا بدأت الانتشار منذ الخميس قرب مدينة عفرين التي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني. ويأمل هذا الحزب بالسيطرة على أجزاء من إدلب لتأمين ممر يربط الحدود العراقية مع البحر المتوسط. ومن هنا تهدف العملية التركية إلى إنشاء جدار ضده وإقامة 10 نقاط في داخل إدلب فيما تنشئ القوات الروسية مواقع خارجها باعتبارها ضامنة لمنطقة خفض التوتر.

تطورات

وتتزامن العملية مع التطورات الأخيرة من ناحية الاستفتاء في كردستان العراق وتداعياته على تركيا والتوتر المستمر في العلاقات التركية – الأمريكية والتي وصلت لوقف منح التأشيرات ومطالب بإنهاء عمل السفير الأمريكي جون باس في أنقرة. وتعبر الأزمة الحالية كما يرى سميح إديز في «المونيتور» (11/10/2017) عن تضارب في المصالح بين الدولتين العضوين في حلف الناتو. فقد شهدت العلاقات بينها وعلى مدار نصف قرن توترا وأزمات تتعلق باعتبارات المصالح واعتماد الطرفين على بعضهما البعض إلا أن هذا لم يعد قائما حيث لم تعد الأولويات الإقليمية لكل من رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتلاقى. والساحة السورية هي أقرب مثال عن هذا التضارب. فقد دخلت واشنطن في تحالف مع حزب كردي مرتبط بجماعة مصنفة لديها كإرهابية بشكل أغضب الأتراك. وكانت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز (يوليو) 2016 التي تقول أنقرة إن رجل الدين التركي المقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية مسؤول عنها نقطة تحول في العلاقات. فرفض واشنطن ترحيله بسبب ما تقول إنها أدلة غير كافية وتعاونها في الوقت نفسه مع قوات حماية الشعب أقنع أردوغان وأركان حكومته بأن الولايات المتحدة تعمل على زعزعة استقرار بلادهم. وعبرت أنقرة عن غضبها عن دعم الولايات المتحدة من تطلق عليهم أعضاء منظمة فتح الله غولن الإرهابية. لكل هذا بدأ أنصار أردوغان وحزب العدالة ينظرون إلى أمريكا كتهديد وجودي. وبدا هذا واضحا في ما كتبه إبراهيم كرغول، محرر الصحيفة المرتبطة بالحكومة «يني شفق» حيث اعتبر التطورات الأخيرة واعتقال الحكومة عددا من العاملين في السفارة الأمريكية والتي كانت وراء الأزمة الجديدة جزء من الحرب غير المعلنة التي تقوم بها الولايات المتحدة ضد تركيا. واتهم كرغول السفير باس بالضلوع في المؤامرة الانقلابية الفاشلة العام الماضي. وزادت تعليقات أردوغان الغاضبة ضد السفير باس من شدة الموقف العام منه بحيث صار هناك من يؤمن بأنه فعلا متورط بالمحاولة الانقلابية. وجاءت تعليقات الرئيس التركي بعد أسابيع من لقائه مع ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي وصف فيها ترامب العلاقة بالوثيقة جدا. ويعلق دبلوماسي غربي في أنقرة أن محاولة أردوغان تحميل باس مسؤولية توتر العلاقات من أجل التقرب للرئيس ترامب «أنا صديقك فأظهر صداقتك». وعلى ما يبدو لن يفعل ترامب خاصة أن المتحدثة باسم الخارجية هيذر نوريت أكدت أن قرار تعليق منح التأشيرات اتخذ بشكل مشترك بين الخارجية ومجلس الأمن القومي ووقفت إلى جانب باس الذي سيغادر أنقرة لتسلم منصبه الجديد في كابول. ولن تعين واشنطن بديلا عنه على المدى القريب مما يعني تخفيضا في التمثيل الدبلوماسي.

نهاية

ويرى المحللون أن الأزمة غير مسبوقة وتساءلوا عن مصير «الشراكة الاستراتيجية». وفي مقال كتبه فيليب غوردون، المساعد السابق لوزير الخارجية فيليب غوردون قال فيه إن العلاقة بين البلدين أصبحت عصية على الإصلاح. وكتب في صحيفة «فايننشال تايمز» (10/10/2017) إن كلا البلدين يواجه منظور نهاية علاقة واعدة وأنهما «اكتشفا وبشكل رئيسي أن مصالحهما الأمنية تباعدت». ويرى محللون أتراك أنه طالما ظل فتح الله غولن في أمريكا فستظل العلاقات متوترة. ومن هنا تساءلت مجلة «بوليتكو» (9/10/2017) إن كانت المحاكمات التي تجريها أنقرة لصحافيين ومعارضين غير أتراك أو من حملة الجنسية المزدوجة محاولة للمقايضة أو كما أطلقت «رهائن» للمبادلة مع غولن أو جنرالات أتراك طلبوا اللجوء في الدول الأوروبية. وجاءت كلمة «رهينة» من الطريقة التي تعامل فيها الإعلام الألماني والساسة هناك مع المحاكمات.

عدو

ومن هنا فتضارب المصالح وتوقعات كل طرف من الآخر بالإضافة للخطاب الحاد تؤثر على مسار العلاقات أو العلاقة الاستراتيجية بين البلدين. ففريدا غيتس اتهمت أنقرة في مقال رأي بصحيفة «واشنطن بوست» (12/10/2017) بأنها باتت تتصرف كعدو للولايات المتحدة. وقالت إن واشنطن – أنقرة في أزمة بدأت تؤثر على حلف الناتو الذي تعتبر تركيا أحد أعضائه. وقالت إن أردوغان الذي أصبح أكثر ميلا للديكتاتورية لا يهاجم الولايات المتحدة فقط بل والتحالف الغربي في الوقت الذي يقترب من أعدائه ويقوم بتفكيك الديمقراطية التركية. وتقول إن حلف الناتو قد يتسامح مع تحولات أردوغان طالما حافظ على الشراكة الدبلوماسية والمبادئ التي يقوم عليها الناتو لا التحالف مع أطراف يعدون أعداء له مثل إيران وروسيا. واتهمت تركيا بالتحول نحو الديكتاتورية بعد الانقلاب الفاشل حيث تخلى أردوغان عن حلمه بالديمقراطية الذي بشر به عندما صعد للحكم وملأ السجون بالمعتقلين واختفى الإعلام الحر وتبنى خطابا معاديا للغرب لتعزيز موقفه بين ناخبيه. وتمضي الكاتبة في هجومها باتهام أردوغان بدعم حماس والإخوان المسلمين والجماعات المتشددة في سوريا «وفي الوقت الذي يقف الغرب مع الأكراد في سوريا تعتبرهم تركيا عدوا». وقدم ستيفن كوك الذي بدأنا بما قاله عن الحملة التركية في سوريا مقالا بمجلة «فورين بوليسي» (12/10/2017» تحليلا قال فيه إن الوقت قد حان للاعتراف أن تركيا لا تشترك مع أمريكا لا بالمصالح أو القيم ولن تعود العلاقات كما كانت أيام الحرب الباردة. وأشار إلى اعتقال متين توبوز العامل بالسفارة الأمريكية بتهمة الانتماء لمنظمة فتح الله غولن. ويعتبر اعتقاله جزءً من سلسلة من الأحداث التي وضعت العلاقة بين البلدين على المحك «فمن الواضح اليوم أن تركيا والولايات المتحدة حلفاء وشركاء أقل وأعداء ومتنافسين أكثر خاصة في الشرق الأوسط». ولكن ليس من العدل لوم أردوغان على انهيار العلاقات فهي مرشحة للتوتر منذ تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991. ويقول إن هناك أسبابا وراء هذا هي العداء للغرب وعدم التوافق في القيم والأفكار بين البلدين وحقيقة تغير العالم منذ التحالف الأمريكي – التركي قبل نصف قرن. وكانت العلاقة ستتدهور على أي حال إن كان حزب العدالة في الحكم أم غيره. بل ستزيد سوءا لو كان حزب الشعب الجمهوري في الحكم مثلا نظرا لموقفه من سوريا ومعاداته للأكراد. ويؤكد الكاتب أن المشكلة هي أن افتراضات السياسة الأمريكية لم تتغير عن تركيا وظلت مرتبطة بالتعاون في الحرب الباردة ولم تكتشف خطأ أفكارها سواء فيما يتعلق بالمصالح أو القيم. وقال إن العالم تغير بدرجة أن تركيا – عضو الناتو- باتت تتعاون في سوريا مع روسيا التي يعمل قادتها على إضعاف الغرب. وفي الوقت نفسه باتت أمريكا تتعاون مع جماعة كردية تعتقد أنقرة، وهي مصيبة في موقفها، إرهابية تشن حربا عليها منذ عام 1984. وانخفض مستوى الشراكة الاستراتيجية بين البلدين إلى السماح للطائرات الأمريكية استخدام قاعدة إنجرليك الجوية التي تهدد انقرة بين فترة وأخرى بمنع الطيران الأمريكي التحليق منها. والحقيقة لم تعد تتعلق بأردوغان وعالمه ولا تراجع باراك أوباما من المنطقة بل عن الطريقة التي تشكل فيها النظام الدولي في ربع القرن الأخير بعد نهاية الحرب الباردة.

العملية التركية في إدلب وتراجع منظور العلاقات مع واشنطن

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية