منذ تحطم طائرة المسافرين الروسية في سيناء قبل أكثر من عشرة ايام، ظهر بوتين مرة واحدة في الإعلام الروسي. ففي تأبين قصير في التلفزيون أعرب عن تعازيه لموت 224 مسافرا، ومنذئذ لم يظهر في الإعلام. مثل هذا الصمت ليس صفة مميزة له.
مؤخرا أجريت مقابلة صحافية مع بوتين في مدينة سوتشي، حيث شارك في ندوة دولية ضمت ايضا شخصيات من العالم الاكاديمي. وسأل احد الاكاديميين الأمريكيين كيف قرر المعركة لاعادة شبه جزيرة القرم للسيطرة الروسية، واجاب بوتين بان هذا كان قرارا عفويا ـ فهو لم يتشاور في ذلك مع رجاله وأمر بالعملية بمراحلها. هو نفسه، كما ادعى، فوجيء جدا كم نجحت.
بوتين لا يتردد في اتخاذ القرارات وأخذ المخاطر. واذا كان يتلبث الان، بغير عادته، فدليل على أن جوانب معقدة تفترض به أن يفكر بخطواته قبل أن يقرر كيف يرد. وبيان رئيس الوزراء مدفديف، الذي اعترف أول أمس بانه يحتمل أن تكون هذه عملية إرهابية، أبرز فقط صمت الرئيس.
لقد علق الزعيم الروسي في وضع لا يسره أن يكون فيه. قبل كل شيء فقد فوجيء: فهو لم يتوقع ضربة كهذه. بوتين يفضل أن يفاجيء ـ فقد نقل على لسانه أنه قال انه تعلم من تجاربه في شوارع سانت بطرسبورغ بان من قيض له أن يقاتل جيدا فليظهر أولا في منطقة المعركة ويأخذ المبادرة. بالنسبة له، أثبت هذه الاستراتيجية نفسها في السنوات الاخيرة في الشرق الاوسط ايضا. في سوريا يبدو حتى الان ان روسيا نجحت في أن تقود، بينما اتخذت الولايات المتحدة صورة من يرد على ان يرد بخطوات مترددة.
في نظر بوتين فان مسيرة الزعماء الذين شقوا طريقهم إلى موسكو، من حلفائه الواضحين في إيران وحتى خصومه على أرض سوريا ـ مندوبي السعودية ـ جسدت التغيير الذي طرأ على مكانة روسيا في المنطقة. كما أنه توج بصفته الزعيم الاقوى في العالم في الاستطلاع الدولي الذي اجري مؤخرا، بينما دحر أوباما إلى الوراء.
وحيال صمت بوتين، أعلن أوباما وشخصيات اخرى في الغرب عن احتمال عال في أن يكون تحطم الطائرة حدثا إرهابيا نفذه داعش. وأفادت مصادر إعلامية غربية بأدلة تؤكد هذه الفرضية، في ظل الاستخدام المزعوم لمادة استخبارية سرية.
وحشرت المنشورات الروس في الزاوية، وبلا بديل أمر بوتين بوقف الطيران الروسي المدني إلى سيناء.
يبدو أن بوتين لا يزال يهضم معنى المصيبة، له ولسياسته، وهو يأخذ مهلة لتحقيق هذا الهدف. في روسيا لا توجد صدف. في 9 من الشهر أعلن سيرجيه كمزوف، رئيس كبرى شركات السلاح الروسية، بان عقد توريد صواريخ اس ـ 300 لإيران ليس فقط وقع بل وانتقل إلى مرحلة التنفيذ. وأدارت إسرائيل معركة قاسية على مدى السنين ضد الصفقة، ولا بد أن هذه الخطوة لا تروق لها.
كمزوف هو شخصية رفيعة المستوى في الدائرة الداخلية لبوتين وصديقه الشخصي منذ خدما معا في الكي.جي.بي في المانيا الشرقية. وهو يظهر في قائمة الشخصيات التي فرضت الولايات المتحدة عليهم عقوبات شخصية نظرا لدورهم في المسألة الاوكرانية. وتحدث كمزوف في أثناء زيارته للمعرض الجوي في دبي ونالت اقواله صدى في المنطقة الحساسة للخليج الفارسي. وكان هذا تصريح على نمط «نحن لا نزال هنا!».
ان الخيارات التي توجد لدى بوتين ليست سهلة. فاذا رد بقوة، في ظل تصعيد التدهور في سوريا، فانه يخاطر باضافة خسائر في القتال وبمعارضة الرأي العام في بلاده. إذا مر مرور الكرام، فانه خاطر بفقدان المكانة في الداخل وفي الخارج، والاثر الاولي، أثر القوة، في تكثيف التواجد الروسي في سوريا سيكون مهددا بالاختفاء. لقد كشفت مصيبة الطائرة الهشاشة في مجال لم تتصوره روسيا. وحل هذه المشكلة العملياتية ليس سهلا، والتهديد بكشف نقاط ضعف جديدة لا بد يقض مضاجع بوتين.
أفرايم هليفي
معاريف 11/11/2015
صحف عبرية