في كتابه «العقد الاجتماعي» يدعو جان جاك روسو إلى تجاوز أفكار منظري السياسة كهوبز وغرتيوس وبوفيندوف كونها تنادي بمقولة الحق الطبيعي القائم على القوة، التي تتمتع بها السلطة أو القائمين عليها، بوصفهم ينتمون إلى جنس أرقى، وبذلك فهم الرعاة، والشعوب قطعان ينبغي أن تتخلى عن حريتها مقابل أن تحظى برعاية الدولة، بل عليها أن تؤمن برؤيتها، على الرغم من أنها لم تستشر بهذه الرؤية.
وبينما تسعى جميع الأمم للتخلي عن هذه النزعة، وتجاوزها إلا إن العالم العربي ما زال يمارسها؛ ما يعني أن ثمة إشكالية في هذا السّياق نتيجة عدم الإيمان بفكرة «الأخلاق»، التي تعني سمواً في النظر للعالم والوجود، حيث ما زالت تستوطن في عالمنا العربي نزعات مصادرة الحقوق والاضطهاد، علاوة على مركزية فكرة التفوق السلطوي، في حين أن المجتمع لا يمكن أن يتطور من وجهة نظر روسو- أو يتجاوز هذا النهج- إلا بالمعرفة.
إن المتأمل في واقع العالم العربي سيلاحظ أن ثمة اتفاقاً على أن الحضارة العربية في مرحلة انحدار، بحيث تكاد تتصدر أمم العالم في تحقيق أسوأ النتائج على مستوى الأمن والتعليم والصّحة، فضلاً عن انتشار الفساد، وما أنتجته الحروب من قتلى ومهجرين. لقد أمسى العالم العربي مضرب مثل للتنازع والدموية، كما تصدير أكبر نسبة من المهاجرين إلى العالم، وهكذا فنحن نسهم في تحقيق مطابقة التمثيلات الكامنة في متخيل أمم أخرى تجاه العرب، بل إننا بتنا نشكل قيمة مرادفة للتّشوه، أو القبح على مختلف المجالات. ولعل هذا ما يدفعنا لإطلاق سؤال عن مكامن الخلل في تعطل التقدم الحضاري، وهنا لا يمكن أن نتمكن من مناقشة كافة الخيارات الممكنة، ولكن على الأقل ثمة اتصال مع مشكلة يمكن أن تتعالق مع كافة المستويات، وأعني آلية أو مصدر إنتاج المعرفة، لاسيما من حيث إحداث تغيير في بنية العقل العربي، والفعل الممارس.
في التاريخ العربي القديم كانت ثمة عقول تعتمد التفكير، مع محاولة استخلاص قيم معرفية بهدف تقديم تصور شمولي للعالم الذي يوجدون فيه، لاسيما مع البعثة النبوية. غير أن هذا النهج تعطل مع الاستعمار، مع الإشارة إلى أن المؤسسة الثقافية أو المعرفية التي نشأت مع الدول العربية المستقلة، أخذت على عاتقها هذا الفعل، بيد أنها لم تفلح للآن في خلق منظومة معرفية حقيقية، مع أن مخاضات الواقع السياسي والتاريخي والاقتصادي بالغة السوء والرداءة، فكان لا بد من مجال الاعتماد على الآخر الذي قدم لنا صورة عن العالم كما يراه هو، لا نحن، وهذا يأتي مشفوعاً بنظام علمي ومفاهيمي. هذا التصور حال دون خلق رؤية جديدة للعالم تتناسب مع التحولات الجديدة، بيد أن إنتاج المعرفة في حدود الرؤية يجب أن يتحقق بوصفه فعلاً متصلاً بالحياة من منظور جديد، فأدوات المنجز التاريخي باتت قاصرة، كما تجاوزها الزمن، وأي أدوات أخرى معاصرة ستعاني من مجال الارتهان للمنظور الذي يتصل بفلسفة الآخر، أو الذات في تكوينها التاريخي، خاصة إذا ما نظرنا في قوانين (المدنية) التي ما زالت في عالمنا العربي شبه معطلة، كونها لا تمتلك منظورا رؤيوياً للعالم الجديد، إنما هناك فقط، فعل تكديس لمعارف بل رؤية، وهذا تسبب بنوع من التشويش للذهنية العربية.
لعل أبرز مشكلة حضارية تواجه العقل العربي فعل تحديد المنظور، أو الرؤية، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مفهوم الأيديولوجية، التي تعني شكلاً إثنياً، أي أنها ليست عرقية بالكامل، أو لا تتصل بالجنسية. كون هذه المفاهيم تتغاير.
إن مشكلة العقل العربي تتمثل بأننا مازلنا نصوغ وعينا الكلي في إطار الإثنية الضيقة – وتحديداً- تجاه ذاتنا، وتجاه حتى الشّعوب، والدول الأخرى، ولكن غالباً ما يكون ذلك عبر منظور السلطة، وهنا نستعين بأفكار مايك كرانغ في حديثه عن الجغرافيا الثقافية. فالإثنية الضيقة تتعالق بنيوياً مع التنميط المبني – أحياناً – على خصائص بيولوجية في إحدى صورها، ما يعني وعياً مركباً من حيث تحديد قيم الولاء والنقاء، على الرّغم من أن أهم مستويات التحضر، محاولة التخلص من هذه النزعات كونها لا يمكن أن تتسق مع القيم الجديدة لمجتمعات ما بعد الحداثة، ومع أن ثمة خطابات ناشئة في جميع أنحاء العالم بدأت تستند إلى نزعات الشعبوية التي وصلت أوجها مع خطابات دونالد ترامب، الذي اشتهر بمقولته الشهيرة «أنت مطرود» في برنامج كان يقدمه على التلفزيون. هذه العبارة تم تصديرها بوصفها ثقافة في العالم العربي، حيث بات رفض الآخر، كما نفيه أو ترحيله، أو تهجيره نموذجاً جديداً تبعاً لمقولات «المصلحة الوطنية»، ما يعني أن منظورنا لم يعد إنسانياً كونياً، بل ضيقا، لقد أمست ثقافة الإقصاء متموضعة في العقل العربي القائم على إثنيات – متعددة الوجوه – أو منجزة تنزع إلى صفــات عوامل مشتركة من أجــل نفي الآخر، وتأمين مقولة الاختلاف بتمايز مجموعة على مجموعة أخرى. إن هذا الادعاء في العقل العربي جرى تقديمه وإعادة إنتاجه كي يتحول إلى نزعة قائمة، وشديدة العمق، ولهذا باتت المعرفة متمحورة، هذه الإثنية بوصف كل دولة عربية تبحث عن هويتها المتغايرة، لاسيما بعد مرحلة الاستعمار استناداً إلى مقولة نقاء مكونها (الدين- الطائفة – القبيلة) في حين إن ادعاءات الوحدة القائمة على معطيات دينية وقومية، كما التاريخ، واللغة ما هي إلا زيف لغوي خطابي تستهلكه المؤسسة، في حين أن كافة خطاباتها ذات نزعة شعبوية حتى على مستوى الدولة الواحدة.
كلمة «إثنيكوس» في معناها المعجمي تحيل إلى جماعة من الناس، أو البشر، وبذلك فهي تنهض على خصائص متمايزة بغض النظر عن المشترك، وبذلك فإننا نحاول اختلاق إثنيات محددة تنهض على تمثيلات جغرافية، أو عرقية، أو دينية، أو شيطانية، وبهذا فإن فعل الإقصاء ينطلق من هيمنة إثنية على إثنية- مجموعة على مجموعة- ما يعني أننا في الواقع لا نقفز على حواجز الجغرافيات والتمثيلات القبلية، من أجل تمكين قواعد أكبر، وبهذا فإن رؤيتنا للعالم تبقى محصورة في أفق التجاور المبني على الخصائص المتمايزة، وهذا يؤدي بالضرورة إلى فعل معرفي مشوّه لدى المؤسسات التي تحاول أن تستجيب لمتطلبات الإثنيات المهيمنة.
لا خلاف على أن البقعة العربية من أشد بقاع العالم عنصرية انطلاقاً من وقائع واضحة، فبالنظر إلى مستوى الاضطهاد الممارس على الإثنيات المختلفة أو العنصر المفارق في جميع بقاع العالم العربي، فسنجد أن الشعوب العربية من أكثر الشعوب التي تسعى لفعل الإقصاء لكل ما هو غير متجانس مع إثنية مهيمنة، وبهذا فإن العقل العربي لا يطور تشكيلاً معرفياً متقدماً، أو أكثر وعياً بحدود العالم واختلافه، وهكذا نبقى نستعيد وعينا أمام وعي المختلف، فلا نقبل بمعنى المشاركة بالقرار، أو الهوية، كون الأخيرة قائمة على مكونات متخيلة مقدسة، لا يمكن أن تتعرض للتّشويه، أو التلويث، وبهذا فإن العقل العربي لا يقبل روافد جديدة في التفكير، إنما يقبل إملاءات الآخر المتفوق، ولا يقبل أن يلجأ إلى فعل توليد داخلي عبر فعل التثاقف، ثمة فقط قبول للآخر المستعلي (الغربي) بوصفه خبيراً، أو الآخر التابع (الشّعوب الفقيرة) بوصفه خادماً.
إن التوجهات الجديدة في عوالم ما بعد البنيوية، وما بعد الحداثة لا تؤمن بالحدود الإثنية الضيقة، فمعظم القوى العالمية تقبل الاختلاف، والإفادة من الجهود بغض النظر عن تموضعها الإثني، وما الدعوات التي تشهدها أوروبا نحو المزيد من إطلاق طاقات الشّعبوية والنزعات اليمينية المحافظة إلا ردة فعل نتيجة النمط المتزايد من الهجرات، التي أفرزتها نزاعات الشّرق الأوسط هرباً من الحروب، بحثاً عن ملاذ آمن، وبذلك فإن النزعات الإثنية في العالم العربي هي التي أنتجت هذا التشكيل المضاد لدى دول غربية عرف عنها الإيمان بقضايا أو حقوق اللاجئين، غير أن الأمور بدأت تتخذ منحى خطيراً في العالم العربي، حيث نرفض ذاتنا العربية (الأخرى) التي ندعي وجودها، ونقدم عليها ذاتنا الضيقة القائمة على تميزنا، بوصفنا مجموعة ما، وهذا ينطبق على داخل الدولة الواحدة، فثمة إقصاء دائم، وبهذا فإننا ما زلنا نعمل (عقلياً) ضمن سياق الحدود الضيقة للرؤية، على الرغم من أننا ندعي إطلاق رؤية عام كذا وكذا، ولكن هذا النهج لا يمكن أن ينشئ وعياً معرفياً وسلوكياً جديدا للنهوض في الإنسان العربي الذي بات نصفه متسولاً على أبواب سفارات دول غربية تؤمن بمقولة حق اللجوء والاختلاف، كما الإفادة من الآخر بلا شروط، ومنها فكرة النقاء الإثني.
٭ كاتب فلسطيني أردني
رامي أبو شهاب