العميد نزار عبد القادر في «العصر الإيراني حكم الجغرافيا والتاريخ»: تأجيج الصراع المذهبي والمساهمة في ازدياد التطرف

حجم الخط
0

 

انتشرت مؤخراً ظاهرة لدى كبار الضباط المتقاعدين في الجيوش العربية، هي اتجاههم نحو التحليل السياسي والعسكري عبر الكتب أو وسائل الإعلام المرئية أو المكتوبة.
وبين هؤلاء من يَظهرُ في برامج تلفزيونية إخبارية ويحلل الأوضاع الميدانية في سوريا والعراق واليمن وأماكن أخرى، فيما يركز آخرون على تكريس أبحاثهم للكتب والصحف والتقارير الاستراتيجية.
آخر الكتب الصادرة في هذا المنحى كتاب للعميد الركن المتقاعد في الجيش اللبناني الدكتور نزار عبد القادر بعنوان: «العصر الإيراني، حكم الجغرافيا والتاريخ» يتطرق إلى دور إيران في منطقة الشرق الأوسط وعلاقتها بالدول الخليجية والحرب على الإرهاب في المنطقة.
الكتاب عموما متحفظ إزاء سياسة إيران في العالم العربي وتشاؤمي إلى حد ما، إذ يستبعد امكان حدوث ونجاح حوار إيراني ـ سعودي في المستقبل القريب يؤدي إلى نتائج مثمرة.
وأسباب ذلك في رأيه عديدة منها ان الرياض لا ترغب ان تخسر دورها كحليف أساسي لأمريكا في المنطقة، كما تخشى السعودية من الدعم الإيراني للمجموعات المذهبية الشيعية في السعودية والبحرين واليمني، مما قد يهدد استقرار الأنظمة الخليجية وغير الخليجية في العالم العربي.
وبالرغم من ان المؤلف يعتبر ان قلق دول الخليج من تغلغل الدور الإيراني في العالم العربي مبرر، إلى حد ما، فإنه يذكر في الجزء الأول من الكتاب ان إسرائيل بدورها تشعر بالتهديد الذي باتت تشكله إيران على المستوى الإقليمي وخصوصا بالنسبة لاقترابها من امتلاك القنبلة النووية وتطويرها للصواريخ الباليستية البعيدة والقصيرة المدى والدعم المالي والعسكري الذي تقدمه لحزب الله اللبناني ولحماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين. ويضيف: «تتجاهل الحكومة الإسرائيلية مسؤوليتها في إعطاء إيران الذرائع اللازمة للتدخل في لبنان وسوريا وغزة، وذلك من خلال احتلال الأراضي الفلسطينية منذ عام 1967 والجولان السوري ومزارع شبعا في لبنان». (ص44).
ويتحدث المؤلف عن التنافس بين المحافظين والإصلاحيين في النظام الإيراني مشيراً إلى ان الكلمة الأخيرة فيما يخص القرارات عموماً والسياسة الخارجية خصوصاً هي في يد مرشد الثورة آية الله علي خامنئي، الذي يحظى بدعم الحرس الثوري والقوات المسلحة، وهو الذي كلف رئيس الجمهورية المنتخب روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف القيام بمفاوضات حول التسليح النووي الإيراني ومستقبله مع أمريكا والدول الأوروبية ومحاولة الحوار مع الجيران الخليجيين.
ويفسر الكاتب ميل إيران إلى تطوير الصواريخ القصيرة والبعيدة المدى لعدم قدرتها على موازاة المواجهة الجوية (وإلى حد ما البرية) مع أمريكا وحليفتها إسرائيل. اذن، فاستمرار العقوبات الاقتصادية أو تصعيدها ضد إيران، مرتبط بقلق إسرائيلي ـ أمريكي إزاء تهديد صواريخ إيران المتطورة لأمن وبقاء إسرائيل ومساعدة كوريا الشمالية لإيران في عملية تطوير صواريخها الحربية. وهذا الأمر يقلق أيضا بعض دول الخليج المجاورة لإيران حسب المؤلف، وخصوصا تطوير الصواريخ القصيرة المدى التي بإمكانها تحقيق إصابات محددة في الدول الخليجية وإسرائيل والتي زودتها إيران لحلفائها في سوريا ولبنان وفلسطين كحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، والتي تشكل خطراً مباشراً على إسرائيل.
ويعتبر المؤلف ان المرشد خامنئي والحرس الثوري الإيراني هما المؤثران الأساسيان على سياسات ومبادرات حلفاء إيران في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق، رغم ان المرشد يضع روحاني وظريف في الصورة إزاء مواقفه ويتشاور معهما. ويقول ان إيران ربما ستستأنف العمل على امتلاك السلاح النووي، خصوصاً إذا لم تطبق أمريكا الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع القيادة الإيرانية وفي حال استمرت واشنطن بفرض العقوبات الاقتصادية على طهران، علماً ان طهران تطالب بإلغاء العقوبات ضدها، وليس فقط تعليقها.
وبالنسبة لتركيا، فالمؤلف لا يعتقد انها تريد الدخول في مواجهة عسكرية أو سياسية مع إيران رغم خلافات البلدين حول عدد من قضايا المنطقة. وهذا ينطبق على دول إقليمية أخرى لها مصالح اقتصادية مع إيران برغم خلافاتهما السياسية في قضايا أخرى محددة. وتسعى إيران إلى زيادة تجارتها مع تركيا والصين ومع الدول الآسيوية عموما.
ونفوذ إيران في العراق، حسب الكاتب، كبير وكذلك هو فاعل في سوريا ولبنان، ولكن طهران ليست اللاعب الوحيد في هذه البلدان.
وقد تكلف النظام الإيراني نفقات باهظة لمنع سقوط النظام في سوريا، ولكن من الصعب في رأي عبد القادر ان تهيمن طهران كلياً على النظام السوري بمفردها إذا توقف القتال هناك وإذا تم تنفيذ بنود الاتفاقية النووية وذلك بسبب وجود اللاعب الروسي الفاعل في تلك الساحة وغيره من اللاعبين.
المخاوف الرئيسية تأتي من إسرائيل، إذا تحسنت أوضاع إيران السياسية والاقتصادية بعد تنفيذ الاتفاقية مما سيسمح لطهران بتقديم المزيد من الدعم العسكري والمادي لحزب الله في لبنان وللمقاومة في فلسطين.
وبالتالي، فتصدي منظمة «ايباك» الصهيونية ـ الأمريكية ومعارضة الكونغرس الأمريكي المؤيد لإسرائيل للاتفاقية النووية الأمريكية مع إيران كانا في الدرجة الأولى نتيجة لخشيتهما على تهديد أمن إسرائيل، وخطأ الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. حسب المؤلف انه لم يطمئن قادة السعودية والدول الخليجية بما فيه الكفاية إزاء الانعكاسات المفيدة والممكن أن تهدئ الاجراء للاتفاق النووي الأمريكي ـ الأوروبي مع إيران، فشعر بعض قادة هذه الدول بالقلق إزاء تصاعد دور إيران على حسابهم وتشكيلها خطراً عليهم. وهذا كان أحد الأسباب التي أفشلت انطلاق أي حوار إيراني ـ خليجي، وساهمت إسرائيل في تصعيد هذا القلق وإفشال الحوار.
ويعتبر الكاتب أن السياستين الإيرانية والإسرائيلية تؤججان الصراع المذهبي السني ـ الشيعي وتساهمان في ازدياد التطرف لدى بعض الفئات المذهبية السنية والشيعية في العالم العربي والعالم عموماً.
وينتقد المؤلف الازدواجية في التعامل الأمريكي مع إيران، فهي تتعامل معها بطريقة مختلفة في العراق عنها في سوريا، كما قد ينتقل التنسيق الأمريكي ـ الأوروبي مع إيران في العراق إلى سوريا.
كما يلوم الرئيس أوباما لكونه ترك معالجة الوضع في سوريا للرئيس الذي سيخلفه، كما يشير إلى ان بنيامين نتنياهو رأى ان اعتماد أوباما الدبلوماسية مع إيران ومع دورها في المنطقة شكلا خطراً على إسرائيل.
وقد تحفظ المؤلف في الفصل (25) من الكتاب، الذي تطرق إلى قدرة لبنان على مواجهة الإرهاب في أرضه على الدورين الروسي والإيراني في سوريا، قائلاً ان سياسة النأي بالنفس التي أعلنتها الحكومة اللبنانية في عهد الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان لم تطبق بسبب تدخل حزب الله اللبناني في الحرب السورية وان المخطط لتدمير لبنان من الممكن ان ينطلق من الداخل اللبناني عبر احداث التفجيرات في المخيمات الفلسطينية في لبنان (عين الحلوة وغيره) والأمر نفسه في التجمعات السكنية للنازحين السوريين إلى لبنان. وحذر من إمكان استهداف المواقع العسكرية للجيش اللبناني لإثارة ردود فعل ومواجهات عسكرية معها كما حدث في الماضي في مخيم نهر البارد وادى إلى مواجهات دامية وخطيرة.
ودعا اللاعبين الأساسيين على الساحة اللبنانية إلى الحذر من هذا الخطر، أكانوا حلفاء لإيران أو غير ذلك. كما حذر من استمرار النزوح السوري إلى لبنان من دون ضوابط لكونه يشكل خطراً أمنياً يمكن تفجيره ونبه من مخاطر الانقسامات اللبنانية السياسية والمذهبية. وحض على التعاون والالتفاف حول الجيش اللبناني وخططه الأمنية وعلى مواجهة الخطاب التحريضي في المخيمات الفلسطينية والتجمعات السورية في لبنان. ونصح بعدم السماح للجهات الخارجية بتفجير الأوضاع الأمنية في لبنان.
وفي الفصل الأخير من الكتاب (الفصل 28) بعنوان «الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط» يشير إلى ان كبار المحللين الاستراتيجيين في الإدارات الامريكية كهنري كيسنجر وزبيغنيو بريجنسكي وانطوني كوردسمان وجدوا صعوبة في تحليل استراتيجية الإدارة في الشرق الأوسط خصوصاً في مجال تغيير الأولويات والانفتاح على إيران على حساب دول الخليج العربية وتبرير التدخل العسكري أو عدمه في العالم والمنطقة فأصبحت أمريكا في حالة صدام وأزمة مع معظم اللاعبين في المنطقة بسبب ذلك. وحسب الكاتب كل رئيس أمريكي جديد يريد التغيير ولكنه في معظم الأحيان يصطدم بعوائق وتعقيدات ويعود عن قراراته وبالتالي من الصعب جداً التنبؤ بما سيحدث، ما يخلق أجواء تردد وضياع وغموض لدى الجميع. هذا فضلاً عن ان منطقة الشرق الأوسط معقدة عموماً ويحدثُ فيها الكثير مما هو غير متوقع.
ويستخلص المؤلف ان حل القضية الفلسطينية بشكل عادل سيساهم في تأمين المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم، وفي مكافحة الإرهاب، وأن استراتيجية أمريكا التي قررت بنتيجتها غزو العراق عام 2003 كانت فاشلة، وكانت تكاليفها باهظة، وأتاحت مساحة واسعة لامتداد النفوذ الإيراني والإرهاب. والمطلوب «خطة مارشال» شرق أوسطية لمعالجة أخطار التيارات الإسلامية المتطرفة والصراعات المذهبية ولإفشال محاولات الهيمنة الأجنبية على العالم العربي.
وفي الصفحة الأخيرة، يقول: «لا بد من انتظار رئيس أمريكي جديد يرسم استراتيجية لتصحيح الوضع الراهن». وآنذاك لم يكن دونالد ترامب قد انتخب رئيساً، فالكتاب كُتب قبل انتخابه.
العميد الركن نزار عبد القادر: «العصر الإيراني: حكم الجغرافيا والتاريخ»
مطبعة شمص، بيروت، 2016
568 صفحة.

العميد نزار عبد القادر في «العصر الإيراني حكم الجغرافيا والتاريخ»: تأجيج الصراع المذهبي والمساهمة في ازدياد التطرف

سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية