العنصرية الجوهرية لليسار

حجم الخط
1

اعلان ضخم يواجه المسافرين في خط أيلون القادمين من شارع «هلخاه» حتى جسر صحيفة «معاريف»: مع بيبي – بينيت سنبقى عالقين مع الفلسطينيين إلى الأبد. ليس هناك صيغة تصور بشكل أفضل العنصرية الجوهرية والخطأ الاساسي لليسار ـ نفس اليسار ـ الذي يريد «التخلص من الفلسطينيين» وفي الاساس «عدم البقاء عالقين معهم».
ماذا يقول هذا الاعلان في الحقيقة، وعن أي مشاعر واحاسيس يريد أن يتحدث؟ بداية الاعلان يريد تفصيل احتقار العرب بصورة عامة. «الفلسطينيون» في هذا السياق هو الاسم السري المغسول للعرب بشكل عام. وأكثر من ذلك: جزء كبير من عرب اسرائيل (ليس لوسي أهريش المدهشة وفخر دولة اسرائيل) يعتبرون أنفسهم فلسطينيين في دولة اسرائيل. هل وجهت اللافتة لهم ايضا، بيقين نعم، في اطار الكذب العام، وكأن بالامكان التخلص من الفلسطينيين ـ الامر الذي سنوضح إلى أي درجة هو عكس ما يبدو: السلام مع الفلسطينيين يعني عدد أكبر من الفلسطينيين في اسرائيل وليس عدد أقل، كما تتعهد ظاهرا اللافتة الغبية والمثيرة للاشمئزاز.
لكن الاهانة في كل الحالات واضحة: ما الذي يشعر به عربي مواطن في دولة اسرائيل، الذي يعتبر نفسه فلسطينيا عندما تعرض عليه لافتة ضخمة من قبل معسكر اليسار عالما لا يوجد فيه فلسطينيون. أو أنهم بعيدون خارج الحدود، هناك بعيدا عن العين. عالما ليس فيه بتاتا أمر كهذا، هو شيء آخر ألطف وأكثر تعقيدا. لا للافتات قبل الانتخابات، أي أن هذه اللافتة تستهدف قبل أي شيء آخر كارهي العرب على أنواعهم، على الأقل من يكرهونهم من اعماق قلوبهم. اولئك الذين يريدون «نحن هنا» و»هم هناك». صوّت «إيميت» أو ميرتس وعندها سيختفي العرب عن الأعين، لن تراهم على شاطيء البحر، في البرك، في الحدائق العامة وفي المستشفيات. فقط مع بيبي ـ بينيت «نحن عالقون مع الفلسطينيين إلى الأبد». من غيرهما سيختفوا من أمام أعيننا. مسكين من يصدق ذلك.
وهنا إسمحوا لي أن أقطع للحظة السياق، قبل أن نواصل إلى مسألة ماذا سيحدث بالفعل اذا حاولنا حقا الانفصال في حدود كهذه أو تلك عن الفلسطينيين، في شارع 6، لنفرض (اشارة: سنكون عالقين معهم أكثر).
قبل ذلك أرغب في التحدث قليلا عن تجربتي في الاربع سنوات ونصف الاخيرة كمستوطن في المناطق، في مستوطنة نوفيم، على بعد ربع ساعة من اريئيل باتجاه كدوميم بين التلال. توجد لي في الحقيقة علاقة بالحد الادنى مع السكان الفلسطينيين الذين يسكنون في القرى المجاورة، ولكن في نقاط الاحتكاك القليلة بيننا كل شيء جيد، وأكثر من جيد. أنا أشتري من بعض البقالات العربية الرخيصة لدى الدخول إلى اريئيل وفي الطريق إلى برقان. أنا آكل الحمص العربي الفاخر. أنا، أو أكثر دقة زوجتي، تستعين بالعمال العرب في كل الاعمال، وأندهش من أهليتهم العمالية، ومن حين إلى آخر أرى عربيا على حماره يتمايل ببطء في الطرق المحيطة بنا، أو أرى شبابا يقطعون الشارع مع قطعان أغنامهم وقلبي يذوب من المحبة ليس فقط لأن المشهد ساحر بل ايضا لأنه يحافظ على مشاهد التوراة المحببة لنفسي، وعلى الوعد المسيحاني: «فقيرا ومُخلصا هو فقيرا يركب على حمار». وأيضا أحب أن أسمع المؤذن في الفجر من القرى المجاورة يقول «الله أكبر». صحيح إن الله كبير ايضا في عيني.
من غير هذه المشاهد ماذا كنا سنكون؟ هل كنا سنكون ساكني ناطحات سحاب لا يشاهدون الحمار إلا في حديقة الحيوانات؟ يأكلون طعاما صناعيا ـ بامبا وبيسلي الخ ـ والذين علاقتهم مع الخضار والفواكه آخذة في التناقص؟ هنا الفواكه والخضار والخبز العربي والحمص العربي (ليس «أحلى» ولا «تسبار») هي الأساس.
من حين إلى آخر أسافر مع الفلسطينيين في الحافلات الاشكالية لشركة اوفكيم. عمال مستقيمون يقومون بعملهم الجسماني الشاق باخلاص يثير الانفعال ويعودون مغبري العيون من كثرة العمل. أنا أحب العرب، ليس المخربين من بينهم، كما هو مفهوم (خلافا لليبرمان أنا مع الاعدام لكل قاتل عمدا وليس فقط للمخربين)، بل المثقفين الذين يسعون إلى السلام والفريدين من نوع سري نسيبة الرائع، أين هو.
لو كنا جميعا لطيفين مثله، اسرائيليين وفلسطينيين، لكان بالامكان فتح كل الحدود. فهو عرض ذلك في حينه وعارض تقسيم البلاد.
وهكذا أنا بالتأكيد أعزو جزء من الاحتكاك بين الاسرائيليين والفلسطينيين في المناطق إلى التعالي المقيت لجزء من المستوطنين على العرب، لا أريد الحديث عن مجانين كهانا على أنواعهم، أو «شارة الثمن»، فهم والمخربون في نظري سواء.
لكن أن نعيش مع الفلسطينيين، ونتعلم قدرتهم على العيش، ونتمتع من القدرة على العمل، وأن نحب تدينهم المستقيم والطبيعي (ليس الرعب الإسلامي) وأن نرى سلوك نسائهم المتواضعات والجميلات والتأثر من الجمال الكامن في البساطة والتواضع ـ هو أمر موصى به بالتأكيد. مع هؤلاء الفلسطينيين أريد أن أبقى عالقة إلى الأبد، وليس مع أي شخص أو غيتو اشكنازي ـ شرقي ـ يهودي. ما هي تل ابيب مثلا من غير يافا؟ مكان أقل سحرا بكثير، أليس كذلك؟.
لن أدخل الآن إلى كل اقتراحاتي السياسية التي أساسها كلنا معا وكل بمفرده (اذا كان هذا ممكنا في القدس حسب اقتراح كل الاطراف، فلماذا لا يكون ذلك في كل هذه الارض الصغيرة؟). لكن من الجدير أن نفهم ـ واليسار لا يفهم ذلك مثله مثل اليمين الذي يصم أذنيه ـ أن كل وضع من الانفصال من اجل السلام الآن كما يبدو بيننا وبين الفلسطينيين سيجلب لنا ليس فقط الكثير من الحروب ولكن ايضا الكثير من الفلسطينيين إلى داخل دولة اسرائيل نفسها. طالما أنا اؤيد أن يكون الفلسطينيون في اماكن سكنهم (الى جانب المستوطنين) فانني بالتأكيد ضد اغراق دولة اسرائيل نفسها بالفلسطينيين تماما مثل أن أي قرية فلسطينية وبشكل عام ايضا أي قرية عربية اسرائيلية لا تريد اسرائيليين أكثر من اللازم داخلها، إلا اذا جاءوا للشراء والذهاب.
لكن ليس هناك شك: في ظروف السلام سيكون هنا الكثير جدا من الفلسطينيين. يكفي أن نفكر مثلا في اتفاق التهدئة الذي نتحدث عنه (كلنا معه) بيننا وبين حماس في غزة، حيث أن معناه الفوري هو الكثير من العمال من غزة الذين سيسمح لهم العمل في اسرائيل تماما مثل أن كل «سلام الآن» بيننا وبين الفلسطينيين في يهودا والسامرة معناه مرونة اكثر لدخول الفلسطينيين إلى اسرائيل، ولا نريد الحديث عن مرور حر للفلسطينيين بين الضفة وغزة. تماما مثل أن اتفاق السلام مع الاردن جلب الكثير من العمال الاردنيين إلى اسرائيل الذين بقي عدد منهم كماكثين غير شرعيين في القرى العربية. أي، كل من تعهد لنا بأنه عن طريق التصويت لليسار سنحصل على عدد أقل من الفلسطينيين الذين سيكون مكان سكنهم خلف الخط الاخضر، داخل دولة اسرائيل ـ لا يعرف عما يتحدث (أو يعرف ويكذب). سنحصل على عدد أكبر كثيرا. حتى أن موجة السياحة العربية في ظل السلام (تخيلوا أن اسرائيل فتحت السياحة أمام مئات الملايين من العرب المحيطين بنا) يمكنها أن تهدد الهوية الاسرائيلية. الوقت غير ناضج هنا لحدود مفتوحة على صيغة اوروبا. في الوقت الحاضر علينا الحفاظ على تأشيرة مراقبة وسلام مراقب. لقد سبق وكان هنا بعد 1967 حدود مفتوحة على صيغة موشيه ديان، وقد انتهى ذلك في الانتفاضة. ايضا الآن سينتهي ذلك بصورة سيئة.
لهذا علينا الذهاب رويدا رويدا وأن نرى الجيد ايضا في الحدود الحالية الفاصلة بيننا وبين الفلسطينيين وكذلك في الحياة معهم معا، بما في ذلك السيادة الفلسطينية المعينة، التي بفضلها لسنا في الحقيقة عالقين مع الفلسطينيين كما كنا قبل اتفاق اوسلو واقامة السلطة الفلسطينية. كل ذلك تحسينا متواصلا لشروط الحياة: لماذا على سبيل المثال علينا أن نفتح فقط معبرا واحدا يكتظ فيه آلاف الفلسطينيين لبضع ساعات في طريقهم إلى العمل في اسرائيل بدلا من فتح عشرة معابر أمنية؟ أليس ذلك مفضلا للطرفين، كم يكلف ذلك بالمقارنة مع المرارة التي يوفرها؟.
اذا ماذا اقترح في السطر الاخير؟ في الاساس أن نرى في التواجد المشترك لنا مع الفلسطينيين ومع عرب اسرائيل ـ حيث أن هذه الارض اصبحت مرقطة بالقرى العربية والعبرية، وليس هناك أي تواصل جغرافي من العرب أو العبريين ـ سواء كان ذلك نعمة أو نقمة، وأن نتقاسم معهم الارض على صيغة سلام القدس، لكن بالتأكيد ألا نقسمها. وفي الاساس أن نتصرف بعقلانية، بحذر وبمحبة. وألا نطرد، لا سمح الله، أي شخص من بيته.

هآرتس 17/3/2015

مناحيم بن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية