العنف الرياضي… ظاهرة مستفحلة تؤرق مضاجع التونسيين!

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: أصبح العنف في الملاعب ظاهرة لافتة في تونس، انتشرت في السنوات الأخيرة إلى درجة مثيرة للقلق في الوسط الرياضي و خارجه. فلا يكاد يخلو أسبوع من حصول كوارث وخسائر مادية وبشرية في هذا الملعب الرياضي أو ذاك، وفي شتى مناطق الجمهورية بدون استثناء، ولدى جماهير مختلف الأندية سواء تلك التي تصنف على أنها كبرى أو لدى غيرها من الجماهير.
ولا يقتصر الأمر على المتفرجين، أو بينهم و بين رجال الامن، بل يتجاوزهم إلى اللاعبين داخل الملاعب في علاقة بالمنافس وبالتحكيم وحتى بالإعلاميين. فأينما وليت وجهك في الملاعب التونسية إلا وطالعك العنف المستشري الذي أرق المضاجع ولفت انتباه مراكز الدراسات بحثا عن الحلول. ولعل حادثة الطفل عمر الذي ينتمي إلى جماهير النادي الإفريقي، والذي فارق الحياة في الآونة الأخيرة غرقا بوادي مليان المجاور لأكبر الملاعب التونسية، ملعب رادس، تبقى الحادثة الأكثر إيلاما لعشاق الرياضة في تونس. فقد حصلت أحداث شغب في مدرجات ملعب رادس بمناسبة إحدى مباريات النادي الإفريقي، ولاحقت قوات الأمن مشجعي الإفريقي بدون تمحيص بما في ذلك الطفل عمر الذي فر إلى الوادي المذكور وغرق، واتهم أمنيون بالتخاذل وعدم مد العون له لإنقاذه.

موروث قديم

الحقيقة أن العنف في الرياضة التونسية ظاهرة قديمة تعود إلى ما قبل سنة 2011، لكنها زادت بعد هذا التاريخ. ففي سنة 1971 حصلت أحداث عنف كبيرة في ملعب المنزه بالعاصمة، بمناسبة لقاء الدور النهائي لكأس تونس الذي جمع الترجي الرياضي بالنادي الصفاقسي. وعوقب الترجي بالحل بسبب أحداث العنف التي تسببت فيها جماهيره، ما اضطرها إلى التظاهر استنجادا بالرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي كان يتداوى خارج الديار وأعاد الأمور إلى سيرتها الأولى عند عودته. وفي هذا الإطار يقول الطاهر بلخوجة وزير الشباب والرياضة في ذلك الوقت في كتابه الحبيب بورقيبة سيرة زعيم شهادة على العصر: «في 13 يونيو/ حزيران 1971 وقع حادث خطير أثناء مباراة بين الترجي بالعاصمة والنادي الصفاقسي. و كالعادة أثارت المقابلة العواطف الجهوية و الحساسيات المحلية، وكان أنصار كلا الفريقين متحمسين لدرجة عدوانية. فجاء خلاف في التحكيم على حساب الترجي فاندلعت المعركة وتحول غضب أنصاره ضد المنصة الرسمية، حيث كنت حاضرا إلى جانب الوزير الأول. فأخذوا يصيحون و يقذفوننا بالحجارة و شقف القوارير، وأوشكت أن تصيب وجه الوزير الأول وجرحت يد أحد الحراس. فهاج وماج الملعب وعمت الفوضى. فلذنا بالفرار تحت حماية رجال الأمن. واندفع الشبان الخارجون من الملعب وأخذوا يخربون كل شيء في جنون. وإثر ذلك تم حل الترجي الذي كان يرأسه علي الزواوي صديق الوزير الأول الحميم».
وفي زمن بن علي حصلت أحداث عنف رياضية كثيرة لعل أشهرها تلك المعركة التي حصلت بين جماهير الترجي والنجم الساحلي في الطريق السيارة (الأوتوستراد) الرابط بين مدينتي تونس وسوسة، وتحديدا في إحدى محطات الإستخلاص لمعاليم الطريق السيارة. والغريب أن المعركة اندلعت رغم أن الفريقين لا يتباريان ضد بعضهما بعضا، فجماهير الترجي كانت في المنستير القريبة من سوسة لمواكبة مباراة فريقها مع الإتحاد المنستيري، وكانت عائدة من جهة الساحل التي تقع فيها سوسة، معقل النجم، باتجاه العاصمة، والنجم كان يتبارى في العاصمة مع نادي حمام الأنف وجماهيره عائدة من العاصمة إلى سوسة. والتقى الطرفان عند تلك النقطة وحصل ما لم يكن في الحسبان من رعب وترويع لمستعملي الطريق من العائلات، نتيجة للمعارك الطاحنة بين جماهير الفريقين. وتسببت المعركة في خسائر بالجملة في الممتلكات العامة والخاصة وفي أضرار بشرية تفوق الخيال والوصف، الأمر الذي استدعى تدخل السلطات التي ضربت بقوة على أيدي العابثين من جماهير الفريقين.

حاضر أليم

بعد «ثورة» 14 يناير/كانون الثاني 2011 استفحلت ظاهرة العنف في الملاعب أكثر فأكثر، حتى أصبح هذا العنف ملازما لمباريات البطولة التونسية (الدوري) في أغلب ملاعب الجمهورية، بعدما كسر التونسيون حاجز الرهبة والخوف من السلطة. ولعل بروز ظاهرة المجموعات داخل جماهير النادي الواحد ساهمت بدورها في تزايد العنف، فأصبحنا نرى اشتباكات بين مشجعي الفريق ذاته فيها الكثير من الحقد والكراهية والشر الذي لا يضمره حتى العدو لعدوه. فكثيرا ما يتم تهشيم كراسي الملاعب والتجهيزات والبنى التحتية الرياضية من قبل الجماهير، حتى أن المشرفين على أكبر الملاعب التونسية، ملعب رادس، قرروا عدم تركيب الكراسي في المدارج الخلفية بعدما تم اقتلاعها مرات عدة من جماهير النادي الإفريقي. وفي هذا الإطار يرى الباحث والأكاديمي التونسي مروان السراي في حديثه لـ«القدس العربي» أن فساد المنظومة الرياضية التونسية ساهم بدوره في استشراء العنف في الملاعب بسبب الإحساس بالظلم المسلط، ما يعرف بالأندية الكبيرة على بقية الأندية التي تعمل وتجتهد ليتحكم بمصيرها بالنهاية قرار تحكيمي ظالم أو غير مسؤول ينحاز للاندية «الكبرى». فالمنظومة الرياضية الحالية ترسخت بداية من سنة 1990، وفرضت أن تكون هناك أربعة أندية كبيرة دون غيرها، وسطروا لها قدرها وهو فوزها دون سواها ببطولة الدوري مستفيدة من ضخ أموال كبار رجال الأعمال ومن هدايا الاتحاد التونسي لكرة القدم ولجنة التحكيم. فكان الكأس في بداية إنشاء هذا النظام الرياضي الذي بقي يراوح بين الإحتراف والهواية، ملاذ ضعاف الحال والمتضررين من المنظومة الجديدة للانتشاء بطعم الفوز بالألقاب. فاستطاع الملعب التونسي مثلا والنادي البنزرتي ومستقبل المرسى والأولمبي الباجي وغيرهم الفوز بالكأس إلى حدود اندلاع شرارة «الثورة». ويضيف: «اما في هذه المنظومة الأفسد التي برزت بعد 14 يناير/كانون ثاني 2011 صار الكأس وعلى غرار الدوري، غاية لا تدرك خارج إطار الرباعي (الترجي والنجم الساحلي والإفريقي والصفاقسي). فلا يجوز لناد من خارج هذا المربع السياسي بالدرجة الأولى ان ينعم بالأميرة، كما يسمونها في تونس. لقد أصبحت الكأس وسيلة لترضية من حرموه أو من حرم نفسه من الفوز بالبطولة، أو من هو راغب في إنقاذ موسمه أمام جماهيره الغاضبة. فلا يتصور عاقل أن المنظومة القائمة ستترك أندية مثل البنزرتي والملعب التونسي تفوز بكأس تونس رغم عراقة هذين الناديين اللذين فازا بالألقاب الخارجية قبل الكل وحرموهما من حقهما في ان يكونا كبيرين بقرار سياسي في زمن كان فيه بعض ممن يحسب اليوم على الرباعي الكبير يلعب من أجل تفادي النزول، وألقابه لا تكاد تذكر بالمقارنة مع الملعب التونسي والنادي البنزرتي. فهذه المنظومة التي يعرف فيها قبل بداية الموسم من هو البطل ومن صاحب الكأس ومن سيشارك في المسابقات القارية ومن سينجو من النزول إلى الدرجة الأقل، هي التي تخلق الشعور بالظلم لدى المشجعين. وفي غياب الثقة ومع صافرة خاطئة من حكم، تلتهب المدرجات سباً وقذفاً وشتما ورميا للقوارير والحجارة وتحصل الإشتباكات بالأيدي وتتهشم التجهيزات الرياضية وتحصل المأساة».

الانتقال من المنظومة
الى الشبكات

من جانبه، اعتبر الكاتب التونسي المختص في علم الإجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ«القدس العربي» أنه نادرا ما يدرك المتابعون للشأن التونسي من الخارج الاهمية المحورية للرياضة في البناء السياسي والمجتمعي التونسي. فليست الرياضة عنصرا دخيلا على هذا البناء، لأنها مثلت مجالا من مجالات حركة التحرر الوطني بعدما جعل منها الاستعمار الفرنسي أداة من أدوات بسط الهيمنة. ذلك ان فرنسا الاستعمارية كانت، ، بحسب الحاجي، أمة رياضية بامتياز وليس من قبيل الصدفة ان تكون وراء ابتكار مسابقة كأس العالم في سياق الصراع المحتدم آنذاك مع انكلترا، واعادة احياء الالعاب الاولمبية تأكيدا على دور فرنسا في نشر القيم «الكونية» للحضارة الغربية. ويضيف: «لقد ادرك الحبيب بورقيبة ذلك فوظف الرياضة من اجل مواجهة المستعمر الفرنسي وأيضا لبناء «منظومة « دولة الاستقلال. وما لا يعرفه الكثيرون أن الحبيب بورقيبة أشرف بشكل مباشر على عملية اختيار رمز أول كأس لتونس بعد الاستقلال، على أن يعود به بنفسه من باريس. ونجحت دولة الاستقلال في ادماج الرياضة في منظومتها السياسية وجعلت منها أداة من أدوات تكريس «شرعيتها» وأيضا «مرآة» لتعثراتها وهو ما جعل العنف حدثا نادر الوقوع في ظل حكم بورقيبة (1956-1987)، لكنه ذو دلالة، اذ أشار الى التوتر بين الجهات وايضا الى بداية تنامي الشعور بخيبة الامل من دولة الاستقلال. وما قلص من العنف أن الجمهور كان يعتبر ارتياد الملاعب أداة من أدوات «التماهي» مع النموذج الاجتماعي الذي روجت له دولة الاستقلال. ولم تتغير الاوضاع كثيرا في بدايات حكم زين العابدين بن علي (1987-2011) اذ ادمجت الرياضة في منظومة السلطة و بنيتها الدامجة. لكن العنف في الملاعب أخذ يظهر في سياق ما عرفه المجتمع التونسي في سياق التحولات التي سبقت ومهدت لزلزال 14 يناير 2011، وهي تحولات وظفت «الشبكات» لتدمير «المنظومة». فقد فرضت العولمة تحولات لافتة من خلال الثورة التقنية زادت من أهمية التواصل الافتراضي وفتحت الباب امام دور اكبر «للقبلية الجديدة». وتزامنت هذه الثورة مع وصول النموذج التنموي في تونس الى مداه وهو ما تجلى في تنامي بطالة أصحاب الشهادات العليا وأيضا في ضعف قدرة الدولة على الادماج السياسي والثقافي».

تشبيك المجتمع

وأضاف الحاجي أن هذه الوضعية التي فرضها «تشبيك المجتمع» كانت وراء ظهور مشجعين من نوع جديد وجدوا ضالتهم في ثقافة «مجموعات المغالين» التي انتشرت في العالم والتي لا تقوم على التماهي بل على الرفض والاحتجاج وتتبنى تصورات فوضوية رافضة للسلطة ومناهضة لها. وتعمقت النزعة الرافضة للادماج بتنامي دور المال في الرياضة وخاصة في كرة القدم. ويضيف: «من هنا توفرت «المعطيات الهيكلية» المساعدة على نمو «بذرة العنف». ذلك أن المال يزداد سطوة و نفوذا في كرة القدم التونسية ونفوذ «المجموعات» يتنامى في ظل عجز الحكومات المتعاقبة منذ يناير 2011 على وضع سياسات تعيد مد جسور التواصل مع الشباب، علاوة على ان التجاذبات السياسية تزيد من حدة المراهنة على شباب الملاعب في «تكتيكات» ازعاج هذا الخصم السياسي او ذاك». ويرى الباحث التونسي في علم الاجتماع ان ثقافة «الشبكات» لا تنشر الا العنف و»تذرر الكيان المجتمعي» الى افراد معزولين أو «قبائل» من الرحل عبر المعاني، وهؤلاء يعتبرون أحيانا ان العنف هو شكل من اشكال اثبات الذات، علاوة على انهم يؤمنون بأن العولمة أفسدت الرياضة وأغرقتها في أسر المال وهو ما يدعو الى العمل من أجل «تحريرها»، على حد قوله. من جهته شدد مدير مرصد الشباب الباحث محمد الجويلي لـ«القدس العربي» على أهمية إنشاء ديناميكية معرفية في التعامل مع ظواهر العنف في الرياضة، من أجل إيجاد حلول لهذه الظواهر المعقدة والخطيرة. وقال ان العنف ليس فقط ما تنقله شاشات التلفزيون من تلاسن وضرب بين اللاعبين أو المشجعين، بل هو مسار متكامل. لذلك يركز على أهمية النظر في متطلبات هؤلاء الشباب، ولماذا سلكوا مسار العنف في التعبير عن اختلافاتهم وانفعالهم لحدث رياضي معين. وقال ان «الجانب السوسيولوجي مهم لفهم ظاهرة العنف في الملاعب، اذ تلعب الرغبة في التعبير عن القوة والتفوق على المنافس دورا كبيرا. وهنا أهمية الفهم العلمي لظاهرة العنف بكل مساراتها والاشكال الجديدة التي اتخذتها لدى جيل كامل».

العنف الرياضي… ظاهرة مستفحلة تؤرق مضاجع التونسيين!

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية