العودة… مطابقة المتخيل… والتحول القيمي في رواية «الميراث» لسحر خليفة

حجم الخط
0

■ تسعى رواية «الميراث» لسحر خليفة إلى مساءلة تحولات البنى الاجتماعية، والاقتصادية، والقيمية للداخل الفلسطيني، مع الإشارة إلى أن الشتات بات يشمل الكل، سواء من كان في الداخل أو الخارج، فالكل بات خاضعا لأنماط من تحولات القيم الجديدة، نتيجة عدم الثقة بالعالم، بالأرض، بكل ما لا يمكن أن يعول عليه، باستثناء المكون المادي الذي يبقي على الحياة، وربما الكرامة، ولتجاوز حكم الآخرين وإذلالهم، مع سعي لمطابقة المتخيل المثالي عن الوطن، مع الواقع الناشئ، ولاسيما بعد أوسلو.
في الجزء الأول الموسوم «بلا ميراث» تتحدد رؤية الوطن في المتخيل، وادي الريحان أو الوطن، مقابل نيويورك مدينة الشتات، حيث اجتماع مكونات الذاكرة، والعودة، والوطن. والمتخيل المثالي الذي ما هو إلا تمثيلات نتجت بفعل التجربة لا الحقيقة؛ ولهذا تتعرض للانتهاك على أرض الواقع.
«فرق كبير، مسافة طويلة، بين نيويورك وواشنطن ووادي الريحان. وادي الريحان كان أبداً في ذاكرتي عكس نيويورك. بلدة صغيرة، بلدة نقية، أهلها بسطاء يحبون الخير والطبيعة بعكس نيويورك، حين سمعته في ذاك المساء يذكر ذلك ركضت الدرجات وأنا اصرخ «راجعين للبلد، راجعين، راجعين».
يقوم متخيل سحر خليفة على فضاء سردي مؤثث بالتكوينات الغربية لدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، تتصل بموقف الفتاة ووجهة نظرها تجاه عالمها المتشظي بين أب فلسطيني، وأم أمريكية. تتعزز إشكالية الشتات بمنظور اجتماعي ـ ثقافي يتصل بالأنثى وتنشئتها في الغرب: البيئة الثقافية غير الملائمة لتربية البنات، نتيجة توفر هامش لتجاوز السلطة الذكورية الممثلة بالأب، وهنا نستشعر قيمة الشتات المركب، وأثره على الهوية واللغة، حيث نقرأ في سرد ذاتي مقولة، تتعلق بالضياع، الذي يتجاوز المستوى الذاتي إلى مستوى اللغة المهددة بالضياع، ونعني العربية، كما الهوية الثقافية، وهذا يتمحور حول الوجود الثقافي للأنا، وتعريفها لذاتها، فزينب أصبحت زينة من منطلق قلق تبلور مفهوم الأنا الثقافية، الهوية؛ ولهذا تنفي زينة الهوية الأمريكية حيث سألتني من أنا… أنا لست أمريكية، ولعل هذا يتعلق بمشاعر الغربة، وإدراك الانسجام مع الذات في فضاء مختلف، وحائر، وثنائي، وقلق، وهذا ينشأ عند رفض الأم الأمريكية العيش مع الأب؛ لتتشكل هوية زينب حائرة قلقة، فلا هي بالمسلمة ولا بالمسيحية . في الشتات يتولد الإحساس بالاقتلاع، واستثمار أو ابتكار آليات الحياة، فالأب في الولايات المتحدة يبيع بعض المنتوجات على أنها منتوجات مقدسة من القدس، كالماء الذي يستعمل للتعميد، وهكذا يتحول الشتات إلى نسق للحياة، إذ يطور الأب آليات للبقاء، واستثمار الضعف «الحنين» كي يكون مصدراً للقوة، وهذا لم يكن ليتأتى لولا صدمة الاقتلاع المفاجئة، التي أنتجت ذوات قلقة.
في حوار طريف بين زينب ووالدها الذي يقوم بدور المرشد حرصاً على ابنته من الغرب وانحرافاته، حيث يسارع إلى غرس القيم الدينية، كمخافة الله للحؤول دون السقوط القيمي. هذا الحوار عميق وطافح ببيان الانشقاق الداخلي في الذات المشتتة، التي تسعى إلى جمع عالمين، فبعد أن يذكّر الأب ابنته بمخافة الله، وبأن الحياة امتحان، وممر للحياة الآخرة، وللقاء النبي، وأصحابه، والمؤمنين والمؤمنات … ينهي خطابه قائلاً: «عظيم يا ابنتي عظيم، عظيم، الله يحميك من الدنيا ويسهل طريقك ويفرشها بالنوايا الطيبة والحسنات، تعالي جنبك وخدي هالحبة، ديري بالك عالمازة وأواعك العريق ينكب، مالك يا بنتي؟ أيش مالك؟».
يشكل الأب مصدراً لتكوين عالم الابنة التي سرعان ما تتجاوز حدود عوالمها في الولايات المتحدة كي تستعيد تراثها؛ ماضي والدها، وجدها. ثمة قيم رأسية في التعبير السردي تتمثل بسلسلة من الحوارات بين الأجيال للإبقاء على تسلسل المروية الفلسطينية العابرة للأجيال، تستمتع «زينب» لوالدها، يصوغ عالمها، بمفرداته، وشخصيته، يخلق فلسطينيتها، على الرغم من أنها عاشت جزءاً كبيراً من حياتها مع جدتها الأمريكية، لكن ميراثها من جهة الأب كان الأكثر تأثيراً على عالمها وذاتها، لقد تخلت عن شقها المعنوي المتصل بأرض الشتات في الولايات المتحدة، وهرعت إلى ماضيها، أو إلى ميراثها. ثمة إشارة إلى إشكالية الانسجام، أو الاندماج المتأتي من عائق اللغة للجيل الأول، ونعني «الأب»، غير أن الحلول كانت تتم عبر «الفهلوة» الشرق أوسطية التي مارسها الأب عبر توظيف قدرته على الكلام واختراع القصص حول الشرق، ومع ذلك فقد كان يهدد ويتوعد بأنه قرف من أمريكا خوفاً على ما يمكن أن يطال البنات نتيجة الانفتاح. إن إشكالية الهوية هاجس يضغط على المشتت، حيث الخوف من فقدان ذاته وهويته وحدود لغته.
تصف زينب تشتتها بين عالمين، ولغتين، بوصفها الكوى البينية القائمة حول الهوية والإزاحة الثقافية. «قبل ضياعي، لغتي ضاعت، هويتي ضاعت، وكذلك اسمي وعنواني، كان اسمي في الأصل زينب حمدان، ثم مع الوقت أصبح زينة، كان الوالد، محمد حمدان، ثم مع الوقت صرت بلا محمد او حمدان، أصل الوالد: وادي الريحان، وأنا ولدت في بروكلين. فزينة إذن بين البينين واللغتين، والمفعولين».
ومن الأحداث التي أسهمت في تطوير الحبكة السردية، بالتوازي مع إشارة ثقافية، ما يطرأ من حمل زينب عبر علاقة جنسية عابرة، نتجت بفعل المراهقة، وهذا يحمل والدها إلى محاولة قتلها، هذا المسلك يشي بإشكالية ثقافية تتصل بالهوية، وعدم القدرة على الاتصال بالفضاء الطارئ؛ إذ تنتهي المشكلة بترتيب الوضع من خلال جدتها الأمريكية، حيث يتم الاتفاق على أن يتخلى الأب عن ابنته، ويدعي بأنه قتلها أمام أقاربه، ومعارفه. لقد أراد الأب لابنته أن تتزوج عربياً، وأن تبقى نظيفة مثل الشمعة، وهكذا يفقد اتصاله بابنته نتيجة عالم الشتات، أو الكسر الثقافي، والعالم المختلط الذي ينتج هويات غير مكتملة مبتورة، وهكذا تضطر الفتاة نصف الفلسطينية ونصف الأمريكية للعيش في بيت الجدة الأمريكية، حيث نشهد بروز نسق من النظام مقابل النسق الفوضوي «بيت الأب الشرقي» كما نختبره من خلال منظور زينب. هذا المستوى من الخطاب السردي يبدو محملاً بمرجعيات من التعرية للقيم الشرقية الذكورية أو السلطوية، وتأثيرها على التكوين الفلسطيني الذاتي في الشتات حيث تتفقد الأسرة الفلسطينية الطبيعية المنسجمة مع تكوينها، ففقدان الوطن يعني أن ثمة انحرافاً عن قيم تبدو طبيعية ومنسجمة مع ذاتها، ولو كانت في بعض الأحيان غير منطقية. «وكانت نحن تؤلمني، فما معنى نحن؟ ومن نحن؟ نحن الأمريكان؟ أنا لست أمريكية، من أنت إذن؟» سألتني يوماً حين كررت ذاك القول. لم أقل إني عربية لأنني لست كذلك. من أنا إذن؟ على الرغم من جنسية أمي، شهادة ميلادي، شهادة مدرستي، كتبي، لهجتي، ملابسي، وكل حياتي، لست أمريكية حقاً، تلك الأعماق المسكونة برؤى وصور، بمواويل شوق تلح كنفح النسيم».
تأتي العودة إلى فلسطين نتيجة الإحساس بأثر الشتات ونفيه، عبر تمثيلات خطابية تستند إلى أثر البحث عن الذات التي تصدعت نتيجة النفي والشتات. تحتفي الرواية بالوطن بوصفه منظوراً موروثاً أو مستعاداً، ولكن التوقعات لم تكن كما ينبغي من منظور الفتاة المختلطة الثقافة، فقد بُني على تشكيل وعي بالشتات لفتاة نتجت من أب فلسطيني، وأم أمريكية، أي تلك الهجنة العرقية والثقافية للذات المتشظية. ومع ذلك، فإن الملاحظ بأن التكوين الجيني للأم، والحضور في فضاء ثقافي طارئ، حال دون تبلور وعي الذات، والهوية لدى الفتاة لم تتمكن من الانصهار في جزئها الآخر المنتمي إلى الأم، بل العكس فقد أرادت أن تبحث عن ذات أخرى نتيجة إحساسها بالتشظي، وضغط الهوية الهجينة، فتأتي العودة إلى فلسطين، لتجاوز مشكلة الاندماج نحو معنى أعمق يتصل بأهمية البحث عن الذات في الماضي، عن ذلك الإرث الذي تحمله وصاغ وعيها، وشخصيتها، أو ربما لفضول إنساني ما، أو لعلها من أجل الرغبة في اكتساب نموذج للمطابقة بين المتخيل والواقع في فلسطين، ولاسيما بعد أوسلو، حيث تجتمع في مدينة نابلس – على سبيل المثال- نماذج من الثراء والرغبة بالإثراء، مع تراجع بعض القيم من لدن ذوات تنتمي إلى خليط متنافر بيد أنها تتشارك البحث عن ذاتها أو مصلحتها.
«أتكون نابلس قاسية إلى هذا الحد؟ فهذا فلاح وذاك مدني وهذا لاجئ وذاك نازح، وهي مع من؟ مع النازحين؟ لكن النازح لا يملك، وهي تملك، تملك رصيدا بالدولارات، وآخر حولته إلى دينار وأرضاً في المخفية، وأخرى اشترتها في أريحا قبل أوسلو». هذه ظاهرة أفرزها تكوين مشوه لفلسطين التي بدأت تستجيب لإيقاع العولمة، والاقتصاد، وتداعيات ما بعد أوسلو، فالأهالي بدوا معنيين بالاستثمار، والحرص على قطف ثمار الاتفاق. لقد أدركت زينب أن حدود المتخيل لم يتطابق مع الواقع الذي أفرزته التحولات الجديدة، وبهذا فقد انتهك المتخيل، وخرج عن أنساق المثالية المفرطة نحو المبالغة والتهويل، التي تميز رواية الشتات نتيجة تشقق القيمة المتخيلة، فالبناء الذهني للوطن نهض على الذاكرة، والمروية، والحكايات، والأحلام… بمنظورها الإيجابي المثالي، وهذا ما فاقم أزمة المشتت حين يكتشف أن ما كان يسعى له ما هو إلا نتاج طبيعي، ولكن ينبغي التنبه إلى أنها ليست مشكلة الوطن، إنها مشكلة القيمة المتخيلة، ضغط الشتات، البحث عن وطن مثالي، نتج بفعل الأزمة التي نشأت في أوطان الآخرين، وهذا يتعاظم بتشظي الذات وتفسخها، حيث لم تعد قادرة على الاطمئنان إلى وطن، أو الاكتفاء بالوطن الطارئ غير الحقيقي، إنها إشكالية الانتماء كما في الأجزاء الأولى، في حين أن سائر الأجزاء تمثل قراءة لمعطيات واقع الفلسطينيين بعد مرحلة تاريخية معينة، فهي لا تخلو من فعل محاكمة لإشكالية نفسية عبر المتخيل الطوباوي للوطن في ذات المشتت. إنها عودة واقعية، ومع ذلك فهي بغية البحث عن الذات الجمعية المطابقة، فالميراث ما هو إلا منظومة من التحولات التي تطال معاني الوطن، الإنسان، والذاكرة، والتاريخ، إنه الإرث الذي انتقل إلى الأجيال الجديدة عبر الأسلاف.
يستدعي الوصول لأم الريحان تساؤلاً جدلياً. إنه تساؤل تحقق لا بقيمته المنطقية بمقدار ما تحقق بفعل الانطباع، والماضي، والمنفى، والشتات، وفقدان الوطن، وهذا يبدو عبر عن قراءة الفرق بين المنزل من الداخل والخارج؛ ولهذا تشرع زينب للبحث عن فلسطين انطلاقاً من غيابها عن الوعي المباشر في الشتات، ولكن فلسطين المركز تبدو غير مكتملة، مفارقة، وبهذا تبقى معلقة بذوات تسكن أوطان الآخرين. لقد وجبت العودة كي تكتشف زينب ميراثها بهدف ردم الفجوة الثقافية اللغوية تشرع زينة أو زينب (ثنائية الاسم) في تعلم العربية الفصحى أو العامية حتى تتمكن من فهم الناس، وكي تتمكن من معرفة ذاتها، وخلق تواصل مع جذورها الحقيقية، غير أن الفلسطينيين في فلسطين لم يسلموا أيضا من التشظي حتى في الوطن، حيث يشعر الكل بالحيرة والتعب، وتحديداً في قطاعات سردية طويلة تتمحور تحولات المجتمع، والتجارة، والأعمال ونقد المجتمع.
تنطوي العودة على انفتاح دلالي من جهة الخطاب، فهي تستأثر بنقد القيم، والتحولات والثقافة، إذ تختبر وعي الشتات في إطار محفوف بالأسئلة، ولعل هذا ما يميز الرواية التي تنتج خطاباً جدلياً في كيفية فهم الشتات وتداعياته، وهكذا تتبدى العودة بوصفها نموذجاً من أجل إنهاء الشتات من خلال فعل التغيير، أو أهمية التبدل أو التحول للثقافة، إذن ينبغي عدم النظر إلى الشتات بوصفه تمثيلاً ساكناً، بل إنه يخضع لتحولات الحدث، وهذا ما يدفعنا إلى الإقرار بأن الرواية تكاد تقترب من محاولة قلب النظام الخطابي المؤسس لتمثيلات الاستعمار، وتحاول أن تقيم قراءتها على أن الثقافة نتاج تحولات مستمرة، بحيث تتخطى محاولات الصوغ النهائي، فالمستعمر حجب عملية التطور الطبيعي للمستعمرة كما يقول أشكروفت.
في مستوى معين تسعى الرواية إلى تصوير حيوات الشخصيات في الوطن، مع نفي القيمة المثالية المتعالية عنها، فضلاً عن تحميلها طابعاً إنسانياً، حيث تتجلى قيم الحسد والغيرة والتباهي والجشع والخيانة، وكل ما يتعلق بالنمط الطبيعي للشخصية في تكوينها اليومي، إنها محاولة اقتلاع أثر الشتات، وأنسنة الظاهرة، كما نقد القيم السلبية في الذات عبر تمثيلات لشخصيات متعددة. تستمر الرواية بهذا الأداء في نقد التشكيل الفلسطيني، وتحديداً بعد اتفاقية أوسلو التي كان يفترض أن تنهي أزمة وجودية، غير أنها بدت جزءاً من المشكلة، حيث أخرجت الفلسطينيين من شتات الأرض، إلى شتات ذواتهم عن حقيقتها، وعن قضيتهم المركزية، وهو ما يندرج في نقد التجربة الوطنية الفلسطينية، ومع ذلك فإن العودة تتبدى عبر الرغبة بالاستماع للحكايات عن الوطن، عن القدس والرامة والطيرة وباب الخليل… فما هي إلا عودة للميراث بطابعه الرومانتيكي، وهنا تتعالى قيمة الوطن بوصفه ميراثاً حقاً لا مجال للتفريط فيه، والأهم من ذلك هو قيمة مكملة لترميم الذات التي تشظت، وانهزمت بفعل الاقتلاع، فهذا المستوى السردي يتخلل مدونات الشتات الفلسطيني، التي تنهض على بنى الشتات العالقة بين الوطن المستضيف والوطن المتروك الغائب غير المتشكل في الوعي.

٭ كاتب فلسطيني ـ أردني

العودة… مطابقة المتخيل… والتحول القيمي في رواية «الميراث» لسحر خليفة

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية