الناصرة ـ «القدس العربي»: الشيخ الفاضل يوسف فخر الدين (أبو كمال) ابن دالية الكرمل، حاز على الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة حيفا في عيد ميلاده الثمانين الأسبوع الماضي. وأعدت أسرته مفاجأة جميلة إذ نظمت احتفالية ظريفة أدارها صهره الكاتب فاضل علي وتحدثت فيها كريمته عن الأب الحنون المتنور والصديق الوفي بمشاركة أقرباء وأصدقاء تخللتها حفلة زجل وهو الفن الساكن في قلبه منذ عقود وكانت ليلة أنس ممتعة له ولأقربائه وأعزائه وبعض أصدقائه، كيف لا وهي ليلة عيدين، عيد الميلاد وعيد حيازة درجة الدكتوراه لاسيما أنها انطوت على عنصر المفاجأة. في كلمته ورغم إجادته لغة الضاد بدا أبو كمال منفعلا ومندهشا وهو يبحث عن الكلمات تعبيرا عن مشاعره وهو يتحدث لأحبائه المحيطين به وقد غمروه بالحب والتقدير. فخر الدين أبو كمال، داليته عناقيدها من أجمل وأجود العنب وتقطر قصائد زجلية رغم أنه جاء من عالم الأرقام لعمله مديرا لمصرف في بلدته لكنه ما لبث أن تبع قلبه واستبدلها بالحروف فجادت قريحته بقصائد زجلية رقيقة ورشيقة تشبهه. ويروي فخر الدين لـ «القدس العربي» أنه وقع في غرام الزجل وهو في زهرة شبابه متأثرا بإعجاب والده وجده بالقصيد والزجل. لكن ما دفعه لمحاولة كتابة قصائد الزجل سماعه فيروز ووديع الصافي. عن ذلك يقول: «أحب سماعها منذ عقود وكانت أغانيهما تطربني وتدغدغ وجداني وكنت أسأل نفسي من أين لهم هذه الكلمات الرقيقة الحلوة؟ ولماذا لا توجد عندنا مثل هذه القصائد المغناة رغم وجود آلاف الشعراء والحدائين الفلسطينيين؟». منوها أنه قرر خوض تجربة الكتابة مبكرا ولم يسارع لنشر ما يكتبه بعكس شعراء وزملاء له كتبوا ونشروا نتاجاتهم. «تسلمت إدارة البنك العربي ومن ثم بنك العمال في بلدي، فلم أنشر قصائدي الزجلية خوفا وحرجا أن يقال آنذاك مدير البنك حادي وزجال».
ويضيف أصدرت ديوان «وادي النحل» عام 1996 وديوان «حجر البد» عام 2002 «بعدما كنت واثقا من نفسي ومن قصائدي». وردا على سؤال هل هناك زجل فلسطيني يقول فخر الدين وهو من أبرز كتاب الزجل إن لم يكن شيخهم، أن الزجل بأشكاله الشائعة اليوم في لبنان وسوريا والجليل والكرمل حديث العهد عند الفلسطينيين، فقد اقتصروا في غنائهم على العامية في الماضي والحدادي والزفات والسحجات حتى الثلاثينيات من القرن الماضي، ولم نجد في المصادر قصائد غناها أو نظمها شاعر فلسطيني بلحن ووزن «الشروقي» أو «المعنى» أو «القصيد» لافتا أن هذه الأنواع الزجلية ربما قدمت للبلاد من لبنان في فترة الانتداب البريطاني مع قدوم لبنانيين وصلوا البلاد واستقروا فيها.
وبعد أن أنهى أبو كمال عمله في إدارة البنك عام 2000 انتقل فورا إلى جامعة حيفا المجاورة وبدأ يتعلم العربية مبتدئا باللقب الأول ثم الثاني، حتى حاز على اللقب الثالث فيها، منوها أنه في أطروحته للقب الماجستير بعنوان «الزجل في بلاد الشام قبل القرن الخامس عشر» عالج أصول الزجل الشامي وأوزانه (وهي أول دراسة أكاديمية في الموضوع). ويوضح أن أوساطا لبنانية واسعة من بين المؤلفين والكتاب، ومنذ منتصف القرن السابق، طالما ادعت أن أصول الزجل وألحانه وأشكاله ليست عربية بل سريانية، دون توفير أي دليل على ذلك، كما أدعوا أن أوزان الزجل تخضع للنظرية المقطعية التي لا تفرق بين القصير والطويل من المقاطع، وتبعهم من عندنا الشاعران سعود الأسدي وموسى الحافظ، فتمكن فخرالدين من إثبات عدم صحة هذه الادعاءات وأن أوزان الزجل عربية ودقيقة جدا.
يؤكد أن أصول الزجل (والموشح) في الأندلس، ومنها انتقل للمشرق العربي، خاصة بعدما وصل ديوان إمام الزجالين الأندلسيين ابن قزمان «إصابة الأغراض في ذكر الأعراض» ثم قام الشعراء بمحاكاته ومعارضته. لافتا إلى أن الشعراء العرب في الأندلس تحرروا من قيود الأوزان الشعرية التقليدية وابتعدوا عن وزن «الخليل» وأنتجوا أوزانا وألحانا خاصة بهم.
ويوضح، أن لكل لهجة أنواعها الزجلية وألحانها الخاصة ويدلل على ذلك بالقول إن في العراق بعض الأشكال تشبه أوزان القصائد في بلاد الشام ولكنها تختلف عنها في ألحانها، وأخرى لا يمارسونها قط، أما في مصر ودول الخليج واليمن وشمال افريقيا فلا يعرفون وزن ولحن العتابا والميجنا والشروقي ولا ينظمون عليه.
وأطروحته للدكتوراه هي دراسة بعنوان «أزجال ديوان ابن قزمان» وهو ديوان كان قد خضع لألفي دراسة ومقال، آخرها تحقيق للباحث الاسباني البارز فيدريكو كورنتي، والذي يعد أهم باحث في الزجل الأندلسي، لكن أبو كمال لم يسلم بتحقيق الباحث الاسباني فبادر لتعديل العديد من أوزان قصائد ديوان ابن قزمان (150 قصيدة).
الكيمياء أقوى من البيولوجيا
رافقنا إلى دالية الكرمل الصيدلاني المثقف العاشق للزجل غسان الفاهوم من مدينة الناصرة، والذي ربطته خيوط مودة وصداقة عتيقة مع الشاعر فخر الدين وعائلته. لم تجمع البيولوجيا بين غسان الفاهوم ويوسف بل هي الكيمياء قبل سنوات طويلة. وهذه قصة ظريفة تصل إلى لبنان والولايات المتحدة سنعود لها قريبا جدا. ويروي الفاهوم لـ «القدس العربي» أنه كان قد قرأ زجلية بعنوان «حلا ربّاني» عند أحد اللبنانيين الأمريكيين استهوت قلبه قبل سنوات طويلة ولما سأل عمّن نظمها قيل له إنها من بلاده وهي لشاعر من دالية الكرمل يدعى يوسف فخرالدين حفظها أبو فراس وفيها يقول فخر الدين:
يوم الخلقتي، السما كاين ناقصها تراب
ومصنع عجين الخلق جفت ينابيعو
وكانوا بإجازه، ملايكة السما وغيّاب
وما ظل عندن قوالب صب تبيعو
وإنتي ع غفلة إجت روحك تدق الباب
وربك عليها شفق آمالها يضيعو
لملم شو عندو حلا، وصبّك بدون حساب
وليكي ع وجهك ترك بصمة أصابيعو
حينما عاد الفاهوم للبلاد بحث عن فخر الدين حتى وجده وبادره بالقول متوددا: «كنت لازم أروح على أمريكا حتى أشوفك واتعرف عليك هون.
ويوضح الفاهوم الذي يحفظ الكثير من قصائد فخر الدين أنه منذ جمعتهما الصدفة قبل أكثر من عشرين سنة ولدت صداقة كبيرة بينهما ويخلص للقول «لا أبالغ إن قلت إن الكرمل مع شيخ شعراء الزجل الفلسطينيين يوسف فخر الدين أبي كمال، أعلى وأغلى وهو بقصائده المدهشة يطربني كما وكأنها زقزقات شحرورة الكرمل».
وديع عواودة