عندما ينتهي الرجال من سماع خطبة العيد والصلاة يمضون إلى المقبرة، فتخلي النساء اللاتي سبقنهم المكان، بعدما روين بدموعهن زهوراً زرعنها على الأضرحة، كنت أتفاجأ أن بعضهن ما زلن يبكين على أحباء حسبتهم أصبحوا طي النسيان.
يتلو الرجال سورة ياسين ثم عدداً من قصار السور، يتصاعد صوت القراءة باقتراب نهايات الآيات، ولا يلبث أن يخفت في مطلع الآيات التالية بانخفاض عدد الحافظين، ثم ترتفع الأصوات بعدما يتذكرها من نسي، ثم يختمون بالدعاء وهم فاتحون أكفهم، ثم يمسحون الوجه بالراحتين، وبعدها يصافحون بعضهم مهنئين، ثم يعودون للتفرغ للعيد.
كنت أشعر بتأنيب ضمير إذا ما تكاسلت وبقيت نائماً صبيحة العيد.
في زيارة المقبرة صبيحة العيد سر غريب، تشعرك براحة نفسية، وكأنك قمت بواجبك تجاه من رحلوا، خصوصاً أولئك الذين قصّرت بحقهم وهم أحياء، وخصوصاً أحباء منحوك الحب والطمأنينة حتى وهم على فراش الموت! وكأن الزيارة عملية تطهير نفسي لتقصير منك تجاههم في حياتهم أو لغفران ومسامحة، أو رد جميل لن تستطيع رده مهما فعلت.
كانت والدتي تعد مصب القهوة والدلّة والكانون النحاسي، يكون لونها قد حال إلى الاخضرار بسبب قلة الاستعمال، تغسلها بالصابون ثم تفركها بقطع من الليمون الحامض حتى تعود لامعة كأنها جديدةـ رغم قدمها، واستغرقني في طفولتي سنوات حتى فككت الكلمات المنقوشة عليها بالخط الديواني» صلوا يا أهل الفلاح عالنبي زين الملاح..من سرى بالليل حقاً وأتى قبل الصباح».
بعد زيارة المقبرة أعايد والديّ وتحثني والدتي للدخول إلى الجيران، لأنهم «في العيد الماضي كانوا سبّاقين ولم يقصّروا،» فأدخل إليهم، ثم أذهب إلى الخالة والأخوات وشقيقي الكبير وأعمامي.
مع مرور الزمن وتوالي الكوارث على الأمة، صارت الجملة الأكثر تداولاً، «لا يوجد نفس للعيد». «السنة ما في عيد»، ثم يستدركون «العيد للأطفال»،»سبحان الله حتى السماء حزينة»، ومن عام إلى عام اعتاد الناس الحزن في العيد، ولكنهم يبذلون جهداً لإسعاد الأطفال بالملابس الجديدة ومصروف الجيب والألعاب وخصوصاً الركوب على الحناطير والخيول القزمة وقطارات الألعاب.
حاولت مرة تجاوز صبيحة العيد، سافرت قبيل العيد بليلة إلى فندق في مدينة بعيدة عن قريتي، محاولاً تجاوز هذا الإرث الذي يفرض علاقة مع الموتى كأنهم لم يرحلوا، استيقظت غريباً في الفندق البعيد قبيل الفجر، وكأني سمعت تكبيرات أهل بلدي، رأيتهم يصافحون بعضهم البعض بألفة ومحبة، حتى المتخاصمون منهم يتصافحون، رأيت أولئك الذين صاموا الشهر قد ارتدوا ثيابا جديدة، أو أجدد ما لديهم، بعضهم ارتدى قمبازا جديدا احتفظ به للمناسبات، وثلاثة أو أربعة موظفين بحلل أوروبية وربطة عنق، تنشقت رائحة عطورهم وإن كانت رخيصة مما يجلبونه من رحلات الحج والعمرة، فهي من علامات الرضى والفرح. شعرت بتأنيب ضمير لبعدي هذا الصباح عن أحباء كثيرين، وانتابني شعور وكأنني تخليت عنهم ونقضت عهداً معهم، وما لبثت أن صرت أرى الراحلين يتساءلون وهم ينظرون إلي»..هل استكثرت الزيارة علينا! هل استكثرت نصف ساعة من وقتك لزيارة أحبائك! الجميع جاؤوا إلا أنت!»لم لم تزرنا!. رافقني شعور بالتقصير طيلة النهار، ولم أهنأ بشيء. منذ تلك التجربة قررت أن أبقى في العيد كما اعتدت في البيت!
أفتتح المعايدات بالاتصال بخالي في غزة، لأعايده وزوجته وأبنائه، وكالعادة يطمئنني «الحمد لله كل شيء على ما يرام»!
أفكر ماذا يعني «كل شيء على ما يرام» في بلد محاصر منذ سنين! خلال آخر عدوان على غزة قال لي «الحمد لله كل شيء تمام»… بينما كانت حمم جهنم تتساقط على الأحياء المكتظة!
أسأله «هل أنتم بحاجة لشيء؟ وأنا أعرف الجواب..»سلامتك.. الحمد لله كل شي تمام».
أسأل عن العمل والحركة في غزة :» كل شيء في غزة ينام لعدم وجود الإسمنت! الإسمنت هو كلمة السر في قطاع غزة، إذا حضر الإسمنت يعود كل شيء للعمل، تهبط البطالة، ولهذا يمنعون الإسمنت عن غزة، ليس فقط لوقف البناء ومنع إعادة العمران فيها، بل لخلق أزمة عمل وزيادة في البطالة! عدم وجود ورشات البناء يعني شلل فروع كثيرة أخرى تتبع البناء.
أحد الشبان من حي بيت لاهيا في غزة الذي أتواصل معه كتب لي: ليتني أعرف ما هي الجريمة التي ممكن أن أرتكبها كي يطردوني من غزة إلى أي مكان في العالم» «الحصار جعل من الناس أسماكاً تأكل بعضها» نحن موتى! البطالة جعلت الناس ينشغلون ببعضهم البعض! وحتى من يعمل فماذا تظن راتبه! بعض الناس يعمل فقط من أجل الخبز الحاف.
ـ وماذا مع المساعدات التركية الأخيرة!
«المساعدا التركية..فيها كميات كبيرة من الأغذية والملابس والأحذية وألعاب الأطفال…ولكن لا شيء يغني عن الإسمنت..نريد الإسمنت..العيد هو الإسمنت..
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان