سنوات طويلة مرت وماتزال بهجة العيد مرتبطة بذاكرة الطفولة، وببلدتنا الصغيرة المطلة على النيل، حيث الأقارب والأصدقاء ومراكب الصيد الصغيرة. كان أبي يشتري لي ولإخوتي ملابس كثيرة، إضافة إلى حذاء وشنطة صغيرة مبهجين.
في فجر يوم العيد كنا نستيقظ. في الواقع لم نكن ننام لنستيقظ، كانت أعيننا الصغيرة تغافل أمهاتنا، اللواتي كن يتحايلن علينا للنوم مبكراً حتى نستطيع اللحاق بالعيد باكراً، مع آذان الفجر ننطلق إلى المقابر محملين بقطع الخبز الطازجة والفاكهة.
لم يكن في بلدتنا ملاه أو متنزهات، كانت المقابر هى المتنفس الوحيد للخروج من البيت، بحجة زيارة المتوفين من الأقارب والدعاء لهم وتوزيع بعض الصدقات إلا أنها في ذات الوقت كانت مصدرا للخوف والقلق والبكاء على الراحلين.
كنا نحن الصغار نركب في صندوق السيارة بينما جدتنا تركب بجوار السائق، توصلنا السيارة حتى شاطىء النيل، وبعدها نعبر في إلى الجهة الأخرى في مركب صغير، كانت جدتي أول من يصل للمقابر وبعد صلاة العيد تتبعها باقي نساء العائلة.
في زيارتي الأولى للمقابر، طلبت مني جدتي أن أقرأ بعض ما تيسر من الآيات القرآنية التي حفظتها في المدرسة، بدأت بالفاتحة وسورة يس وختمت بقراءة بعض السور من جزء عم. كانت المقبرة عبارة عن غرفة صغيرة بُنيت من الطين بإرتفاع متر والنصف فوق سطح الأرض، ويتوسطها باب حديدي صغير، كنت أشعر أن هناك يد ستخرج منه وتسحبني للداخل.
بعد عودتنا من المقابر تدخل الأمهات لإعداد الطعام بينما نطوف نحن الصغار على بيوت العائلة لنجمع «العيدية» كانت مبالغ صغيرة بالكاد تكفي لشراء بعض الحلوى، لكننا كنا نشعر أنها كنز كبير، نحتفظ بجزء منها في حصالة وننفق الباقي.
الآن وبعد أن كبرنا وانتقلنا للحياة في المدينة، تغير العيد كثيرًا، تلاشت الفرحة التي كانت تلازمنا في طفولتنا، لم نعد نذهب للمقابر ولا لبيوت الأقارب، ولا نستطيع الخروج للمتنزهات والحدائق؛ فالزحام وحالات التحرش تدفعنا للبقاء في البيت.
أصبح العيد الآن فرصة للتخفف من الإستيقاظ مبكرًا والذهاب للجامعة أو للعمل، وصار معظمنا يستغله في الاستمتاع بالنوم أو مشاهدة بعض الأفلام على التلفاز، حتى الذهاب لإحدى المدن الساحلية لم يعد متاحًا، نظرًا لإرتفاع الأسعار والزحام الشديد أيضًا. في العام الماضي قررنا أن نذهب ونحتفل بالعيد في قريتنا ، قضيت ليلة العيد في غرفة جدتي، رائحتها ماتزال حاضرة، ووجهها البشوش يطل علينا من صورتها الكبيرة المعلقة على الحائط، بعد رحليها انقطعت معظم النساء عن الذهاب للمقابر، والأطفال صاروا مشغولين بالألعاب الإلكترونية على حواسبهم الذكية.
في الصباح خرجت مع أبي لزيارة أقاربنا، أشياء كثيرة تغيرت، المقابر ذاتها إقتطعت أجزاء كبيرة منها وتم بناء عدة مبان حكومية عليها بالإضافة لمجمع سكني ضخم، والجزء الصغير المتبقي أصبح محاطًا بسور كبير، تنتشر عليه إعلانات محلات الملابس والأثاث والهواتف المحمولة والأراضي المعروضة للبيع.
sh
إسراء هلال