العيش على إيقاع ما يُنبئ بحدوث الكارثة

حجم الخط
0

بدا لي أن هلال شومان يوضح لنا أسلوبه في كتابة روايته الأخيرة، جاء ذلك في حوار احتوته منقطع عن مسار أحداثها، هكذا بمجرد رأي قاله سينمائي ما ردا على سؤال أتاه من صحافيّ ما: «كنت متأكدا أن النقل الكرونولوجي المعهود سيضعف القصة، لا بل قد يسطحها ويجعلها مجرّد قصة عادية أخرى. كنت أودّ أن أراها مبهمة، وأن أعرفها في الوقت نفسه (…) عليّ تمزيق البنية القصصية وجعلها أشلاء. عليّ تشظيتها بمشوّشات تدخل القصة وترحل. تبدو في غير مكانها لوهلة، ثم تبدو في مكانها الطبيعي مع تتابع القصة».
هذا ما رأيته منطبقا على ما كنت قرأته في صفحات الرواية الأربعين، حيث وضع هلال شومان تلك الفقرة. بدا كل شيء مختلطا في تلك الصفحات الأربعين، كأن شيئا منها لا يتصل بشيء مما يرافقه ويحيط به. وكان عليّ أن أنتظر إذنْ التِمامَ هذا الشتات في ما سيلي من الصفحات، وأن أعرف أنه تفرّق هكذا عن قصد. لكنني، مصدّقا ما استخلصته من أن ما ورد على لسان السينمائي هو ما يحاول الروائي إسناده إلى روايته، رحت أتساءل كيف أنه كشف لنا ما كان ينبغي أن يظلّ خافيا، حيث بمجرّد أن نضع للخفاء تعريفا وقاعدة، نكون نفضحه. ثم أن ما يقترحه السينمائي، أو الروائي، أمر مسبوق في أعمال سينمائية وروائية يستحيل إحصاؤها. ليس الأمر كذلك إذن، رحت أقول، فربما لا يعدو ما تحتويه الصفحة 40 أن يكون شذرة من الشذرات المتداخلة مع ذلك التقطّع المتداخل في السرد.
وعلى غرار المقطع المذكور أعلاه، والمعنوان «صحيفة الكنبة: مقابلة» تمتلئ الرواية بتدخّلات من خارج السياق الروائي وحياة أبطاله. دائما ما تتخلّل أخبار من الجرائد، أو من التلفزيون، أو من الراديو، موقفة سيل الأحداث لتنقل ما يجري في البلد، محيط عيشهم الكبير. في هذه المقاطع الناقلة للانهيار التدريجي، لكن الحاسم، لكل ما يصنع هذا المحيط، نظن أن الأسلوب، وكذلك الوقائع الموصوفة، هي ذاتها التي تنقلها نشرات الأخبار وتعليقات الصحف والفلاشات السريعة. كل شيء ينهار منذرا، في الوقت نفسه، بانهيار أكبر: الكوارث العابرة وانقطاع وسائل العيش وسقوط الناس قتلى، وملاحظة ظواهر غير مفهومة إذ لم يحصل ما يماثلها في السابق. كل هذا تحمله التعليقات والأنباء فتُسمع وتُقرأ لكن كأنها تدوّم في الخلفية، حيث تستمر الحياة بغير اتصال مباشر معها. لكنها تتقدم إلى الأمام، وتصبح أكثر كثافة وأقرب فأقرب إلى الوصول مثل كارثة استغرق تجمعها وقتا قبل أن تنزل وتعمّ.
تشكّل هذه الأخبار، المنذرة على الدوام، خطّا من خطوط الرواية التي تتداخل مؤلّفةً ذلك التقطّع السردي المذكور عنه أعلاه. خط آخر، الذي هو الرواية بذاتها، أو جسم الرواية إن صحّ القول، ترسمه العلاقات المضطربة لخالد، العالق في غرام منتهٍ بسهى والباحث عن حياة جديدة بغرام جديد بطيءِ التقدّم مع ريم. ثم هناك «الكوبل» الآخر، ليليان وروجيه، المهدّد أصلا بافتراقهما الضروري، حيث يقيم هو، الزوج، في لندن، بينما الزوجة ما زالت مقيمة في بيروت، حيث تعمل، وتنتظر وضع مولودها.
الحياة بين هؤلاء بطيئة ومتردّدة، حيث الانتظار والتوق يجريان من دون رغبة كافية. وقد تصطدم بهم تلك الأخبار المنذرة التي يتلقونها من الجرائد ونشرات الأخبار، فتمسّهم مسّا قليلا، إذ سبق لهذه الأخبار أن كيّفتهم بسياقها جاعلة منهم ما صاروا إليه. في الرواية تبدو تلك الأخبار أشبه بغيوم سوداء تحلّق فوقهم متقاطرة غيمة بعد غيمة، ولا تكلّ عن ذلك، وهم لا يتوقعون انتهاءها.
ثم هناك العناوين (حيث جعل الروائي لكل مقطع من مقاطع روايته عنوانا، حتى بلغت العناوين المئات) الخاصة بالرجل العجوز ضرغام، المقيم على كرسي متنقل في منزله المجاور لمنزل خالد. هنا، بحياة ضرغام، نحن أمام خطّ آخر من خطوط الرواية نظل، فيما نحن نتقدّم بقراءة صفحاتها، باحثين عن الصلة الضرورية لوجود هذا الرجل بما تسرده الرواية من حياة أبطالها. كأن حضوره، هو ضرغام، طارئ على حياة الآخرين لكنه حاضر بينهم مع ذلك حضورا كاملا، بل أن حضوره ذاك، وأيضا على الرغم من حياديته عما يجمع بين الشخصيات الخمس، يعطي الرواية روائيَّتها. فهو الوحيد من بينهم الذي تتسلسل حياته في تاريخ، بينما هم مقتصر عيشهم، أو وصف عيشهم، على راهنهم. مع ضرغام ذاك يتسع زمن الرواية ليبدأ من أيام شبابه وعلاقته بالحرب وبعشقه الطويل لجانيت التي اختفت لسنوات تعدّت كثرتها المجال الزمني الفعلي للرواية. ذلك المقيم في الجوار، ضرغام المقعد، هل حضر في الرواية أكثر مما ينبغي له؟ هل تقدم إليها هكذا متخطّيا ما كان أُعدّ له من دور؟ هناك أيضا الفنانة كنزي التي ترك لها حيّز شاركتها فيه أحيانا فنانتا الثلاثي الاستعراضي. كنزي أيضا، بحضورها المتراوح بين فانتازيتها وحقيقيتها، بين كونها كاريكاتيرا متجمّعا من لامعقولية الأخبار الموصوفة أعلاه وواقعيتها في آن معا، تفتح لها الرواية بابا آخر، قليلا لكنه متسع بغناها كشخصية روائية.
أحسب أن ما وصفه هلال شومان جاريا على لسان السينمائي لم يكن خيارا، بل ضرورة حتّمها العالم المتسع وإصرار شخصياته، حتى تلك المفترض أن تكون ثانوية، على أن تتعدّى الحضور العابر. أما قراءتها فتحتاج إلى أن لا يتوقّف من أنهى قراءتها عن تقليب الاحتمالات والتفكير في ما قرأ.
رواية «كان غدا» لهلال شومان صدرت عن دار الساقي في 380 صفحة 2017.

٭ روائي لبناني

 

العيش على إيقاع ما يُنبئ بحدوث الكارثة

حسن داوود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية