العُماني محمد جداد يحاكم الأعراف الفاسدة في «الحوجري»

حجم الخط
1

«الحوجري» عنوان يحيلك إلى عالم الأساطير بامتياز، وقد نجح محمد جداد في وضعه عنوانا لمجموعته القصصية الأولى، التي تحمل في طيها عشرة نصوص، جاءت في 96 صفحة، وصدرت في 2017.
هي رحلة إلى عالم الأساطير التي حيكت حول شجرة «اللبان»، وقدسيتها وأسرارها الغامضة، وليته انطلق في عالمها ولم يكتف بالعنوان، في نص يبعث الخصوصية التي تميز سحر تلك الشجرة. والقاص محمد جداد على الرغم من دخوله العتبة الأولى لعالم القص، إلا أنه تميز بوحدة الأسلوب، والوضوح والإيجاز، أي أنه بعد كثيرا عن الاستطراد الممل الذي يفتن المبتدأ في هذا المجال، يضاف إلى ذلك ملامسته للواقع العماني عامة والظفاري خاصة، بمعنى أن الثيمة التي تميز بها القاص هي التطرق إلى بيئته المحلية، وإبراز خصوصية المكان وكذلك الزمان، من خلال تلك المسميات التي طرقت في نصوص المجموعة العشرة، لتعين القارئ العربي على الوقوف على خصوصية منطقة عربية قصية في جزيرة العرب.

عادات سيئة وأعراف أسوأ

لجأ القاص إلى بيئته الاجتماعية من خلال نصين هما «المعلقة والحوجري» انتقد فيهما عادات سيئة رسخت مع مرور الزمن، آن الأوان للخروج من عالمها أولها: (المعلقة) هي المرأة المعلقة بمهرها إذا طلبت الطلاق من زوجها، قد يكون التعليق له أسباب تبرره، وقد يكون غاية في الظلم حين يضع المرأة في سجن يكون جلاّده الزمن. والنص هنا يحمل الكثير من التساؤلات أقلها من يقف خلف هذه المعضلة؟ هل تتحمل المرأة ذلك العقاب لمعرفتنا التكاليف مادية يرهق بها الشاب المتزوج؟ أم ذلك الرجل المتسلط الذي يتمترس بالعادات والشرع لفرض ظلم يبرره أمام الناس والمحاكم؟ أظن النص هنا انحاز إلى جانب المرأة. أما النص الثاني «الحوجري» فهو السقوط في براثن المشعوذين والدجلة، والسفر إليهم طلبا للشفاء، لفك طلاسم السحر الذي أسقط فلان، وعلاج المعيون والممسوس، ولا ثمّة فائدة ترجى، كل ما هناك عودة المريض ومن معه وقد نفض كل ما في حقيبته من مال، لأناس تعرف في سيماهم الدجل والكذب.
هنالك ثلاثة نصوص هي.. «الورشة، أميرة بانغلور، وكريشنا» وجهنا القاص فيها إلى فئة تشكل النصف من تعداد المجتمع الخليجي، وهم العمالة الآسيوية الوافدة، تلك الفئة الغائبة الحاضرة التي تطرق إليها العديد من الكتّاب العرب، على سبيل المثال لا الحصر نجيب الكيلاني في مجموعته «الكابوس»، والقاص العماني يحيى بن سلام المنذري في مجموعته «بيت وحيد في الصحراء»، إلا أن ما يميز جداد في نصوصه الثلاثة أنه خالط هذه الفئة وعرف التفاصيل الحياتية لهم؛ ما أهله لنقل معاناتهم في قالب قصص محبب للقارئ.

سرد المخيلة الشعبية

أما النص الذي تميز فيه محمد جداد، فهو «خور روري» وهو نص محلي من المخيلة الشعبية، يحلق بخيال القارئ إلى فضاءات أخرى. فوظف القاص أسطورة المكان (خور روري) في نصه، ذلك المكان الذي تحيطه الرموز الغامضة، والحكايات التي تبعث الخوف حين يتطرق له الرواة في مجالس السمر، وتمشيا مع تلك الوسيلة المغرقة في الخفاء، أخذ جداد ذات الطريقة فعمد إلى عدة رواة (العم بخيت، زوجته شيخة، أخته فضة) وبهذا استطاع أن يجد لمتن قصته سندا قويا يرتفع بها إلى منزلة الأخبار الموثوقة. يستهل النص ببداية مشوقة «يسميهم الناس الشماشقة الغاوين، وهم من قبائل الجن العربية»، من هنا يدرك القارئ أنه لا يتعامل مع البشر، بل الصنف الخفي، وهو يدفعه أي القارئ إلى الفضول لمتابعة الأحداث، إذن الجن هم الطعم الذي ألقاه القاص «قبيلة عربية من عالم الخفاء». ينطلق جداد في سطر الموطن الأصلي لهذا العالم (خور روري) المتفرع من بحر العرب الملاصقة لجبال ظفار، مضيفا وصفا لهذه القبيلة ومواطنها وامتدادها لينساب إلى زعيمة القوم (ميمونة الطرّاق) وبما أنها زعيمة الجن، فـإن أوصافها ستختلف عن البقية.. العمر بضع سنوات فوق المئة، وجه عريض متدل، يمتد من جبهتها جناحان صغيران تشم من خلالهم البشر على بعد خمسة كيلومترات، وعين واحدة مكحلة بالبرتقالي والأخضر، وأذن تطوح منفصلة عن رأسها، شعر أصفر اللون من الأعلى ظفيرة عريضة ممزوجة باللونين الأبيض والأسود. كل هذه المواصفات دفعت بميمونة الطرّاق إلى دفة الرئاسةwwww وأهلتها لتقود القبيلة في أحلك الظروف (القحط/التمرد). لم يتدخل السارد إلا بعد انعقاد الاجتماع في كهف الجن، إلا أنه أراد القول إن الأخبار التي تحيط بهذه القبيلة «وأحوالهم ليست سرا» بمعنى أن البشر يعرفون أحوالهم أو مطلعون عليها، وهنا سؤال.. هل البشر الذين اطلعوا على أحوالهم من الخواص (من أهل الكشف)؟ أم من الذين يملكون سر عالم الجن؟ أم أنهم أي الجن في تلك الحقبة كانت تخالط البشر؟ هنا يضعنا القاص في دوامة من الأسئلة التي تقتضي أجوبة متعددة الأوجه كما يقال.

الحكاية

تبدأ الأحداث بعد الاجتماع الذي عقد في كهف الجن، وما تمخض عنه من قرارات خطيرة، وهو الحكم على القبيلة العربية بالجلاء إلى بلاد الهند، تبدأ مرحلة السارد مع الراوي العم بخيت وعلاقته بالميمونة التي رآها عيانا، ولكي يبعد الشك والريبة عنه قال: «هذا الرجل الثقة الذي لم يعرف عنه الكذب» وهنا يطمئن القارئ للمتن القوي الذي لا يخالطه أدنى شك، على الرغم من كل الغرائبية التي تحوم حوله، بل إنها تسكن كل حرف منه، إذن بدأ الصراع بالحكم على الشماشقة بالرحيل عن أوطانهم، وكان العم بخيت حاضرا لحظة الوداع الأخير.. تلك اللحظة التي أخذت القارئ في دهشة الزمن الذي حان فيه الرحيل. كان الرحيل أسطوريا يشي بنوع من الطبقية، فميمونة الطراق حين بدأ الرحيل تحولت إلى (غيمة)، وكأننا أمام الأسطورة التي تذكر أن المعز لدين الله الفاطمي تحول إلى غيم، «وكان المغاربة وهم أولياء الدولة الفاطمية إذا رأوا غماما سائرا، ترجل الفارس منهم إلى الأرض، وأومأ بالسلام، يشير إلى أن المعز لدين الله الفاطمي فيها»، ثم تبدأ رحلة بقية الذين يصطفون للسير فوق الماء على موج بحر العرب؛ لتشتد الحبكة حين تقدم ميمونة القربان لجن قاع لمحيط فتقوم بإغراق بعض أتباعها ممن حاولوا التمرد والهرب، وختاما بالشرط الذي اتفق عليه وهو أن تقدم ميمونة الطراق أحد ابنيها، فقامت ميمونة بتقديم ابنتها سليمة وابنها الرضيع إياد قربانا للجن. لم يكن الاستقبال في بلاد الهند بأرحم من الغربة ومشقة السفر، إذ وزع أفراد القبيلة على زعماء الجن في الهنود كخدم، أما الزعيمة فظلت تنتظر الموطن الجديد، هي البقية الباقية من قبيلتها لتكون النهاية أشد غموضا وغرابة ختمها السارد بسؤال وجواب.. من منا سيبقى حيا؟ يرافق أمنا إلى الوطن الجديد؟ فكان الجواب أشد عتامة وسوداوية.. من سقطت عليه شعرة من رأس أمي، أو دمعة من كحل عينها، أو تلون جسده بشي منها. لتبقى النهاية مربوطة بتلك الشروط الثلاثة إلى الأبد.
وختاما، على الرغم من التميز الذي خالط هذه المجموعة الأولى لمحمد جداد، إلا أن هناك بعض الهنات أو الملاحظات التي سيتلافاها القاص في مجموعاته المقبلة، منها على سبيل المثال تلك النهايات التي تُعرف من بداية القصة فلا يكلف القارئ إشغال الذهن في وضع نهاية قد يشارك فيها القاص صنع النهاية أو تعددية النهاية، وهنا تمحي لذة التخمين، كذلك الإكثار من الفلاش باك في أكثر من نص، بدون ضرورة هذه التقنية السردية.

٭ أكاديمي من سلطنة عمان

العُماني محمد جداد يحاكم الأعراف الفاسدة في «الحوجري»

محمد المهري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية