«الغايب عذره معاه»… مسرحية فلسطينية عن الأمثال الشعبية

حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: « الغائب عذره معاه» مسرحية فلسطينية جديدة تستلهم الأمثال والأقوال الشعبية وتحويلها لمشاهد مسرحية هزلية تصاحبها معزوفات على العود وأغان بطعم الشيخ إمام ما يزيد من تألقها واستمتاع المشاهدين بها. تشارك في تمثيل وإعداد وإخراج المسرحية، التي استضافها مركز «محمود درويش»، الفنانان حسن طه ومحمد دبدوب، فيما تولى الموسيقى والغناء ودور «الراوي» بالزي العربي التراثي الفنان ألبير مرعب. وتنتقل المسرحية برشاقة بين مثل ومثل وإن كانت تحتاج أحيانا لهمزات وصل أكثر ربطا وانسجاما بين المشهد والمشهد، بعدما بدأت بحكاية مثل «الغايب عذره معاه» الذي سُميت به وهو يستعرض رواية جندي تركي يصاب في الحرب العالمية الأولى لجأ لبيت صبية عربية أرملة ويقوم حسن بدور الجندي ومحمد بدور المرأة.
بعد تردد تفتح ربة البيت الباب وتدخل الجندي وتساعده على النهوض والاستلقاء وما تلبث أن تقول بلهجة شبه خجولة: راح ادير بالي عليك واكرمك وأداوي جراحك (تطعمه وتضمد جراحه) قلّي خيّا..انت عزّابي؟
الجندي: لا انا مش متجوّز..
الأرملة: يعني انت عزّابي.
الجندي: لا مش متجوّز..
الأرملة: أنا عايشة لحالي..(لا يفهم)
الأرملة: انا مليش حدا بهاي الدنيا..
الجندي: (لا يفهم)
الأرملة: تتجوّزني؟!
الجندي: (ينهض عن السرير بشكل مفاجئ) أمان يا ربي أمان!!
وعلى خلفية مشهد احتفالي يوحي بحفل زفاف احتفالي يلبي الجنديُّ طلبَها فرحا مسروراُ وممتنّا شاكرا.. تزوّجها وعاش معها مدّة من الزمن عيشةً راضية. ويرتفع منسوب الهزلية باستخدام اللغة التركية على لسان الجندي وسط ترجمة «المترجم» عازف العود للعربية ويفاجئ الزوج زوجته بالقول: «أنا اشتقت لأهلي ولبلدي ولعيلتي، ومن بعد اذنك بدي أروح ازورهن وارجعلك مثل الطير الطاير..». وترد الأرملة:» روح يا حبيبي روح.. الله معك… بستنّاك على أحرّ من الجمر..بس لا تتأخر..».
ولما يصل الزوج لذويه ينسى زوجته التي آوته في محنته وداوت جراحه وكانت له رفيقة طيّبة وزوجة وفيّة. ومرت السنون والزوجة تنتظر الزوج الغائب غير مستجيبة لنداءات الناس بأن تفتح صفحة جديدة وتتزوج ثانية ولسان حالهم يقول «بعدك صبية بأول عمرك!
لكن الزوجة الوفية تفضل الانتظار حتى شاخت وهي تردد متأملة بالعودة: «ما تلومو جوزي الغايب.. اكيد في اشي معوّقه…الغايب عذره معاه..»..
ويمتلأ محمد غضبا لعدم عودة الزوج خالطا بين نفسه وبين الشخصيات النسائية التي يمثلها على مضض كما يفعل طيلة المسرحية متبّعا فلسفة بريخت المسرحية فيهاجم الرجال ويتهمهم بالخيانة ويتابع باللغة العامية: «تفو على هيك زلام…هاي زلام هاي… يا عيب الشوم!»
حسن: طول بالك مالك اخذت الإشي شخصي
محمد: طبعا شخصي! مين كان يمثل دور الأرملة اللي خانها جوزها؟ حضرتك؟!
حسن: طب طوّل بالك احنا عم منمثّل.. عم نلعب.
محمد: شو منمثل ومنلعب! أنا بفوت بالدور بكل جوارحي وأحاسيسي..
حسن: بس بريخت.. الكاتب الألماني.. قال إنه الممثل مش لازم يتماثل مع الدور بكل جوارحه واحاسيسه..
محمد: بلا بريخت بلا شليخت! بعدين بدي افهم ليش دايما أنا لازم امثل الأدوار الصعبة والتراجيدية؟!
حسن: لأنه فيك اشي نسوي.. قصدي العاطفة عندك قوية..بعدين أنت بتمثل الأدوار النسائية أحسن مني..
محمد: اه اضحك عليّ.. مش بقلك الحياة صعبة..آخ ..آخ..
حسن: رجعت حليمة لعادتها القديمة..»
وتمضي المسرحية في استعراض ملابسات القصة التي نبت منها القول «عادت حليمة لعادتها القديمة» ويدخل حسن ومحمد في جدل حول أدوار الأخير في المسرحية فيحتج مستغلا مثلا شعبيا آخرا: «أنت ثور معمعم» فيشرعان في تمثيل قصة ولادة هذا المثل بعدما تلقت سيدة رسالة من ابنها المسافر فتذهب للمعلم في «الكتّاب» كي يقرأ الرسالة فلم تجده وفي طريق عودتها تلتقي شيخا تشي لحيته الطويلة وعمامة كبيرة على رأسه بالوقار وبيده مسبحة طويلة يسبّح فيها. وهنا يتحول حسن إلى الشيخ ومحمد إلى المرأة كالعادة.
محمد : السلام عليكم..
حسن: وعليكم السلام..
محمد: ممكن تقرأ هالرسالة؟
حسن: أنا؟
محمد: اه انت..
حسن: مين بعثك لعندي؟
محمد: ولا حدا شفتك بالصدفة والله.
حسن: لا بدك تسمحيلي.. أنا ما بعرف أقرا واكتب.
محمد: لعاد شو هاي العمامة الي حاطها على راسك؟!
حسن: (يرفع العمامة ويضعها على رأس محمد) وهاي حطينا العمامة على راسك تفضلي اقري الرسالة.
محمد: (يعيد العمامة على رأس حسن) شفت العمامة على راسك فكرتك عالم متعلّم.. مفكرتكاش ثور معمّم!!
ومن الثور تنتقل المسرحية للحمار ولحكاية المثل «دافنينو سوا» ثم تعالج الشيوخ والرهبان بالنقد الخفي بالغمز واللمز
كما تكشف المسرحية عن شروحات ومعتقدات خاطئة حول ملابسات بعض الأمثال الشعبية منها «طب الجيرة على تمها بتطلع البنت لامها». وتفيد المسرحية بأن العرب اعتادوا بالماضي على تحريم البنت من نشر الغسيل على السطوح فكانت تبقى بـ»حوش البيت» ولما كان صوت المرأة ممنوع كانت الأم كلما أرادت ابنتها تقلب الجرة الموجودة دائما على سطح البيت و»تطبها على ثمها» وهكذا كانت تطلع البنت لأمها حال سماعها صوت الجرة فالمقصود بالمثل لا يتعلق بطباع الأم والبنت.

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية