القاهرة ـ «القدس العربي» : هو لا يريد كتابة بطعم الغضب، ويفضلها أحرفا برائحة العطر، هو لا يريد للصحافي أن يوجه قبلته شطر الفقراء في بلاده، بل يريد أن يتحول الكتاب إلى سعاة بريد، يبثون له كل صباح قصائد المبايعة والترويج لحكمته التي بها تشرق الشمس على البلاد، وتزداد الحقول بالنماء والنساء بالخصوبة، ولأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبهما كيف يشاء، فقد انقلبت أفئدة سحرة معسكر 30/6 على الساحر، وفي لحظة نادرة من عمر الكون قرر حراس المعبد أن يستيقظوا من غفلتهم، بعد أن تعرضوا لانتهاكات وسخرية وامتهان لكراماتهم، لم يعرفوها حتى في زمن الديكتاتور المستبد مبارك، الذي لا بد إنه يشعر الآن بكثير من التحسن المزاجي، لأن كتاباً كانوا يلعنونه من قبل بزوغ ثورة يناير/كانون الثاني باتوا يترحمون على أيامه الآن، خاصة وهم يرون مقر «صاحبة الجلالة» تتعرض للاقتحام، ونقيبهم مهدد بدخول الزنزانة، لا لشيء إلا لأنه تجاوز الخطوط الحمراء، وطالب النظام بالاعتذار عن الأخطاء التي ارتكبتها وزارة الداخلية.
بالأمس وبينما كان آلاف الكتاب يحيطون بنقابتهم، فيما مجموعة من النسوة يمثلن أحد أذرع النظام يقدمن على بعد أمتار من النقابة وصلة من الشتائم التي طالت النقيب وزملاءه، تعيد للأذهان سنوات مضت حينما كانت الاستعانة بـ»الحريم» سلوكاً أمنياً مفضلاً عند الحاجه لتكميم الأفواه.. في تلك اللحظة الملتهبة نفسها التي شهدتها النقابة كان الرئيس يكرر وسط حشد غفير من الشباب والمسؤولين «مش هخاف» 9 مرات، مذكراً بمواقفه السابقة التي تصدى خلالها لحكم الإخوان المسلمين، وما تلاها من تهديدات وصفها في الكثير من الأحيان الرئيس نفسه بأنها كانت تسعى لفناء الدولة وتهديد مصر وجودياً. الرسالة وصلت للصحافيين سريعاً، إذ أدركوا أن الذي يقصده السيسي هو إنه لا يخافهم، ولعل في اجتماعه بقيادات الجيش في يوم هبتهم نفسه، بعد لحظات من اقتحام مقر نقابتهم دليل على إنه يريد أن يؤكد إنه الممسك الوحيد بزمام القوة في البلد، الذي يبدو واقفاً على أطراف أصابعه بين قيادة لا ترى في الوجود من يستحق الالتفات إليه سوى نفسها، وبين نقابة ظلت تمثل رأس الحربة في أي تغيير سياسي أو حراك عام. الصحافيون بدت لحظة انطلاقهم قوية، إذ قرروا التصعيد بشكل أثار كافة النخب، فيما تبدو السلطة التي من المفترض أنها شابة، منكبة على دفاترها القديمة، تبحث عما عليها أن تفعله كي تخرج من أزمتها التي هي بحسب مختلف المراقبين مرشحة لكافة الخيارات والنتائج.
وفي الصحف المصرية الصادرة أمس الجمعة 6 مايو/أيار تحولت المواجهة بين النظام والصحافة لكتلة لهب توشك أن تحاصر السلطة، فأي الفريقين سينتصر؟ وهل ينجح خصوم الحكم الراهن في أن يستخدموا تلك «الغنيمة» التي أرسلها القدر لهم الاستخدام الأمثل هذا ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.
عائدات قناة السويس
فاجأ الرئيس عبدالفتاح السيسي الجميع اليوم بإعلانه عن ارتفاع عائدات قناة السويس، على الرغم من أن الأرقام المعلنة في يناير/كانون الثاني الماضي، كما تشير كل من «المصري اليوم» و»الشروق» و»المصريون» والعديد من المواقع التي سعت فور انتهاء الرئيس من خطابه الأخير للبحث في حقيقة أرباح القناة، وخلصت لهذه النتائج التي تكشف أن عائدات القناة انخفضت في عام 2015 عن عام 2014. وفي يناير الماضي، عقد رئيس هيئة قناة السويس، مهاب مميش، مؤتمًا صحافيا للإعلان عن نتائج وإيرادات القناة في العام الماضي، وقال، إن «هناك انخفاضا في العائدات عام 2015، حيث وصلت عائدات القناة نحو 5.175 مليار دولار، بينما كانت في عام 2014 حوالي 5.465 مليار دولار». مميش أرجع ذلك إلى انخفاض أسعار النفط، وبالتالي فإن بعض السفن تفضل الدوران حول أفريقيا على المرور في القناة، لافتا إلى وجود انخفاض في الإيرادات السنوية للقناة عام 2015 (أي بعد إنشاء القناة الجديدة) قدر بنحو 289.7 مليون دولار. ويظهر التخبط الحكومي في تصريحات مميش، حيث ناقض رئيس هيئة قناة السويس نفسه، إذ قال في تصريحات له، إن عائدات القناة ارتفعت لكن إذا تم حسابها بالجنيه وليس الدولار، وذلك لأن العائدات بالجنيه في عام 2015 وصلت إلى 39 مليارا و769 مليون جنيه. وأوضح مميش أن عام 2014 كانت عائدات القناة 38 مليارا و619 مليون جنيه، ما يعني أن عام 2015 شهد زيادة قدرها 11 مليار جنيه. وعلى الرغم من التغير في موقف مميش بعد أن أشار إلى أن هناك انخفاضا في عائدات القناة، قبل أن يدلي بتصريحات متناقضة عن ارتفاع الإيرادات، أيدتها تصريحات السيسي عن ارتفاع عائدات القناة، ما فُسر على إنه قد تعرض لضغط لتعديل تصريحاته. ولوقتٍ قريب، كانت قناة السويس تُمثل عامل دخل «جيد» لمصر جنبًا إلى جنب السياحة».
الرئيس والأشرار
«قوى الشر» مصطلح كثر استخدامه في خُطب الرئيس، للتعبير عن عدو يستهدف مصر، داخليا وخارجيا. فيما قال سياسيون وبرلمانيون إن الإشارة إلى «قوى الشر» في خطابات السيسي تختلف باختلاف موعد الخطاب، فتارة يتحدث عن جماعة الإخوان المسلمين، وأخرى يقصد بها المتظاهرين. «المصريون» تولت مهمة السؤال عن هؤلاء الأشرار الذين يقصدهم الرئيس، وبدوره قال الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية والاقتصاد في جامعة القاهرة، إن «الرئيس السيسي يستخدم لفظ قوى الشر على كل من يعارضه، سواء كانوا جماعة الإخوان المسلمين أو المتظاهرين، فاستخدمها في مناسبة جمعة الأرض ليلحقها بالمتظاهرين، واستخدمها ضد الإعلام في قضية ريجيني الشاب الإيطالي».
وأضاف لـ «المصريون»، إن الرئيس السيسي يريد تصوير أن كل المشروعات محاطة بالخطر والفشل، بمن يسميهم قوى الشر، ويتحفظ على الإعلان عنهم خوفا من تأثيرهم. وقال النائب مصطفى بكرى، عضو مجلس النواب، إن قوى الشر التي يقصدها الرئيس السيسي تلك التي تروج للشائعات لإحباط الشباب هم جماعة الإخوان أولاً، ثم القوى المتحالفة معها وكل من يدعمون هذه الشائعات، سواء جماعات أو وسائل إعلام أجنبية.
وأضاف أن قوى الشر التي قصدها الرئيس أيضا هي بعض وسائل الإعلام الأجنبية، التي تروج لشائعات في الخارج حول ملفات حقوق الإنسان، والمظاهرات في الخارج، مشيرا إلى أن صحافة الخارج تثير الفتن والشائعات ضد الدولة المصرية. واتفق معه النائب محمود الصعيدي، عضو مجلس النواب، قائلاً إن قوى الشر تتخذ أشكالاً متعددة بعضها قوى خارجية تتمثل في بعض الصحف الأجنبية التي تنشر مضامين هجومية على مصر تستهدف النيل من استقرارها. وأشار إلى أن جماعة الإخوان وحلفاءها أيضًا، يعدون من قوى الشر التي تتحالف مع بعض دول الخارج التي تدير مخططًا ضد الدولة المصرية».
وداعا للحريات
ونبدأ الرحلة مع قضية الساعة حول الأزمة بين الدولة والصحافيين حيث يرى أكرم القصاص في «اليوم السابع» أنه: «كلما حلت أزمة جديدة في النشر والحريات، نرى البعض يستعيد تواريخ الأزمات السابقة، وكيف كانت تتم إدارتها من كل الأطراف بمزيج من الشد والجذب والسياسة والحيلة، حتى لا تصل الأمور لطرقات مسدودة، وما نزال نتذكر أقصى درجات التـأزيم، أثناء إدارة أزمة القانون 93 لسنة 1995، عندما انتفض الصحافيون في مواجهة هجمة من بعض نواب الحزب الوطني والمسؤولين أبدوا ضيقهم مما تنشره الصحف الحزبية وقتها، لم تكن الصحف الخاصة ظهرت. المهم أن قانونا صدر وفيه عقوبات الحبس في قضايا النشر، وهو ما واجهه الصحافيون بالغضب، وانعقدت جمعيات عمومية طارئة وكانت الاتجاهات متباينة، من أقصى اليسار لليمين للوسط. وهي طبيعة التركيبة المهنية والنقابية والسياسية. وكان النقيب وقتها الأستاذ إبراهيم نافع، ومن بين أعضاء مجلس النقابة وأجيال الصحافيين المتنوعين، جلال عارف، محمود المراغي، صلاح عيسى، أمينة شفيق، مجدي مهنا، ثم الأجيال التالية وبعضها الآن على رأس النقابة، ثم الشباب بتنوعاته. كانت معركة الصحافيين قد استقطبت المجتمع والمثقفين من كل الاتجاهات. كانت الأصوات المتطرفة والمعتدلة تختلف وتتفق. والغضب يتم توظيفه إلى مطالب تعلو وتنخفض. واستمرت السجالات والجولات والتهديدات من الصحافة والاحتجاب. المهم انتهت الأزمة بالتراجع وانتزاع الفتائل المشتعلة. على الرغم من أن كل التصريحات كانت تدور في سياق الرفض والتمسك بمواد التقييد. لماذا نروي هذه القصة؟ ربما لنستعيد تجربة خاضها الصحافيون في مواجهة أطراف في السلطة كانت تتسم بقدرات ومناورات وتحديد للمطالب، وحرص على إبقاء الأزمة في سياقاتها، وتوظيف كل الأصوات المتطرفة والمعتدلة من دون الدخول في صراعات تهدد وحدة الصحافيين. اليوم ونحن ندير معاركنا اختلفت التفاصيل، وتوزعت الطرق وبقيت القضايا قائمة، وإن اختلفت الطرق وتشعبت، وتداخلت العلاقات والمصالح..».
الطرفان على خطأ
من بين الصحافيين من حاول أن يمسك العصا من المنتصف في الأزمة، حيث يشير حجاج الحسيني في «الأهرام» إلى أن: «الداخلية أخطأت في اقتحام مبنى نقابة الصحافيين للقبض على مطلوبين على ذمة قضية التظاهر في جمعة الأرض، رغم أن أحد المطلوبين ليس عضوا في النقابة.. وأخطأت الداخلية في استعجال تنفيذ طلب النيابة العامة بضبط وإحضار المتهمين بالتظاهر، في الوقت الذي يوجد فيه آلاف المتهمين الهاربين والصادرة ضدهم أحكام نهائية. كما أخطأت من قبل مع المحامين والأطباء، ونسيت أن ثورة 25 يناير/كانون الثاني، كانت ضد تجاوزات الشرطة. ويبادر الكاتب فيقول وأخطأت النقابة في السماح بوجود غير أعضائها واعتصامهم، حتى لو كان غير العضو حاصلا على الدكتوراه، وليس على دبلوم صنايع (!). كما أخطأت في إدارة الأزمة، وأتذكر هنا موقف النقيب الأسبق الأستاذ إبراهيم نافع من أزمة قانون تنظيم الصحافة عام 1996 المعروف بقانون الازدراء، حيث نجح في احتواء الأزمة مع الدولة، من دون أي تجاوزات.. الحل إذن أن يعترف كل طرف في الأزمة بخطيئته حتى لا تشعل التيارات المتربصة الأزمة، وكفانا تصديرا لبطولات زائفة على حساب الوطن. وليس خافيا على أحد أن هناك من يحاول استغلال الأزمة في الحصول على امتيازات من خلال عضوية الهيئة الوطنية للإعلام والصحافة، المنتظر تشكيلها بعد انتهاء عمل المجلس الأعلى للصحافة. أقول وبكل صدق إن الرئيس يدفع فاتورة فساد الإعلام – كما قلت في ثلاثة مقالات من قبل- وفساد وزراء ومحافظين تم اختيارهم بالمجاملات، رغم وجود شبهات حولهم .. باختصار شديد الرئيس يدفع ثمن أخطاء الجميع».
معظمهم موالون للرئيس
ومع القضية نفسها التي تسيطر على الصحف كافة، حيث يرى ياسر بهيج في «الأهرام» أن: «أكثر من 95٪ من الصحافيين مؤيدون للرئيس، محبون لجيشنا ولشرطتنا، ولم يكن يوما الصحفيون ضد تطبيق القانون، أو ضد دولتهم، بالعكس فالتاريخ الصحافي يعج بالكثير من كبار الصحافيين الذين انبروا للدفاع عن الوطن وقضاياه وشعبه وجيشه وشرطته في جميع مراحل الزمن، وأقربها فترة حكم الإخوان، و99٪ من الصحافيون كانوا مع الشعب كله في ثورة يونيو/حزيران للإطاحة بحكم الإخوان، وكثيرون منهم سقطوا شهداء في تظاهرات ضد نظام الإخوان، وفي كل فترات التاريخ دفاعًا عن الوطن والشعب، وكل مؤسسات الدولة، وهذه كلمة حق تقال عن صحافيي مصر.
الغريب في الأمر إنه بمجرد أن وقعت الأزمة الأخيرة مع الداخلية تعالت الأصوات سبًّا وقذفًا في كل الصحافيين بلا استثناء، وكأنهم أعداء، وليسوا أبناء هذا الوطن ولهم مواقف صلدة وتضحيات يشهد بها التاريخ، وخرجت دعوات تمييز ضدهم واتهامات بأنهم ضد الدولة ومثيرون للفوضى، وغيرها! وهي اتهامات جد ظالمة، لأن 90 ٪ من الصحافيين شرفاء يحبون بلدهم بجنون قبل نقابتهم، ويحترمون القانون والمؤسسات الأخرى، وكم تعالت أصواتهم تأييدا لجيش وشرطة مصر، في ثورتنا على الإخوان، لكن كل هذا ضاع هباء وتناسى كثيرون ذلك مع اشتعال الأزمة الأخيرة. أنا مع دولة القانون وسيادة القانون واحترم تنفيذ القانون، لكنّ هناك شيئا مهما اسمه روح القانون أيضا، كان من الممكن أن يجنب مصر تلك الفتنة الخبيثة، لو تعامل وزير الداخلية مع الأمر بشيء من الحنكة».
إن كان الرئيس لا يعلم فتلك مصيبة
ونستمرمع أبرز الأزمات حيث يبقى السؤال محورياً حول علم الرئيس بما جرى من اقتحام نقابة الصحافيين، عمار علي حسن في «المصري اليوم» يتساءل: « هل وصل الأمر إلى هذه الدرجة؟ تقتحم قوات الأمن مقر نقابة الصحافيين ليلا ولأول مرة في تاريخها الذي تعدى الخمسة والسبعين عاما بأيام، ثم يسارع محرر عسكري ورئيس تحرير مقرب جدا من الرئاسة ليقول «الرئيس لم يكن يعلم بالأمر». أمران كلاهما خطير، الاقتحام الذي يدل على أن السلطة الحاكمة ليس لديها أدنى حد من المهارة السياسية، وعدم العلم الذي يشي بأن مراكز القوى بلغت سطوتها أقصى حد. هذا وضع يعبر عنه بيت شعر شهير يقول: «إن كنت لا تدري فتلك مصيبة… وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم». فلو أن الرئيس يعلم، فكيف لمثله أن يسمح بهذه الخطوة الخطيرة في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به البلاد؟ وكيف له أن يراكم الأزمات على هذا النحو، وهو في أشد الحاجة إلى تجاوز صغيرها قبل كبيرها؟ ولو أنه لا يدري، فكيف يترك في نظامه من يقدم على قرار يفجر الوضع بهذه الطريقة؟ وكيف لهذا الذي يتصرف من وراء ظهر الرئيس أن يعتقد أن هذا مسار يسير؟ ومن أوحى له بأن نقابة الصحافيين لقمة سائغة بوسعه أن يهضمها في ثوان معدودات استغرقها الاقتحام وقنص اثنين من الصحافيين؟ وهل هو يجهل قانون النقابة ومقتضيات السياسة ودقة الظرف؟ أعتقد أن الرواية التي تقول «الاقتحام تم من وراء ظهر الرئيس» ليست دقيقة، وأتمنى أن يكون اعتقادي سليما، فما يترتب على اقتحام نقابة الصحافيين، على فداحته وخطورته وقدر استهجانه، هو أهون بكثير من أن تكون هناك أمور في هذا المستوى تجري والرئيس لا يعلم، بعد مرور سنتين على توليه مقاليد الحكم. عموما، هذه ليست المرة الأولى التى يقال فيها مثل هذا الكلام، ومن جانبي كنت من المبكرين بالإشارة إلى ظهور «مراكز قوى» في البلاد… لكن في واقعة نقابة الصحافيين، أعتقد أن الرئيس يعلم، فوزير الداخلية لم يكن يُقدم على قرار كهذا من دون إبلاغ الرئيس، وإذا كان لم يبلغ، وهو احتمال يظل ضئيلا، فهذا معناه أن الرجل يفتقد ويفتقر إلى الحد الأدنى من السياسة والكياسة، وبقاؤه في منصبه يشكل خطورة شديدة على البلاد، ولذا فإن مطالبة مجلس النقابة بإقالته هي في صالح الدولة قبل أن تكون رد اعتبار للصحافيين. في الحالتين: الرئيس لا يعلم أو الرئيس يعلم، يكون الرئيس هو المسؤول..».
لمن سنكتب؟
إزاء الغضب الذي يعتري النظام من الصحافيين يبقى السؤال مهماً إذن ما الذي بوسعهم أن يكتبوا بحسب سعد هنداوي في «الشروق»: «ولكن لأي قارئ أكتب؟ هل مطلوب مني أن أرضي الجميع باختلاف أمزجتهم وثقافاتهم؟ لعل أحدهم سيرضى عني والآخر سيلعنني، فماذا سأفعل وقتها؟ هكذا حدث نفسه قبل أن يحسم أمره بألا يهمل القارئ، وفي الوقت نفسه لن يدعه يستولي على رأسه، «فلن تكون أيها القارئ سيفا مسلطا على عنقي».
لو كتب في السياسة، سيتهمونه بالانحياز إلى فريق ضد آخر، فإن عارض النظام مثلا، سيصنفونه بأنه من أصحاب الأقلام الهدامة، مأجور، يتصيد الأخطاء، ومدفوع من جهات خارجية، وإن أيد النظام، طواعية وليس مجبورا، سيتهمونه بأنه باع القضية لمصالح ضيقة، اختار السلطة وليس الحقيقة، وقف إلى جوار الباطل، وإن الباطل كان زهوقا. للسياسة رب يحميها، فليدعها لأصحابها، وليكن اختياره هذه المرة في الكتابة عن الغد، المستقبل، ولنبدأ بهذه الجملة الافتتاحية: «أبشروا فالمستقبل يحمل لكم الكثير من السعادة، حيث الحريات بلا حدود، والرخاء يعم الأرجاء، و…»! قاطعته أفكاره قائلة: «هل تسخر مني، إشطب هذا الهراء فورا، واكتب ما يمليه عليك ضميرك، فقد لعن الله قوما ضاع الحق بينهم، إمسك القلم مجددا وسأمليك أنا: الغد مخيف، والمقبل أسوأ، ولا أحد يعلم متى تنتهي دولة الظلم، إلى متى سيظل الطغيان مستفحلا، والاستبداد منهجا، لمصلحة من تدهس الحريات، وتكمم أفواه الحقيقة؟». مرة أخرى يعود إلى نقطة الصفر، مرة أخرى يرتدي النظارة السوداء نفسها التي يكرهها القارئ، مرة أخرى ينزلق إلى منحدر السياسة الذي آثر البعد عنه، فما العمل لعقل لا يريد أن يخضع لهذا القارئ الذي يرغب في كل ما هو مسل وطريف».
هم واثقون من الانتصار
ومن أبرز تصريحات الأمس عن الأزمة تلك التي أطلقها الدكتور محمد أبو الغار رئيس الحزب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» السابق، مؤكداً أن نقيب الصحافيين يحيى قلاش نجح في التعامل بشكل محترم وشجاع مع الأزمة بين النقابة ووزارة الداخلية، على خلفية الاقتحام الذي حدث الأسبوع الماضي، مضيفا، أن النقيب يدافع عن بيته وفي المقابل وزارة الداخلية تدافع عن أمناء الشرطة والبلطجية الذين حاصروا الشوارع المحيطة بمقر نقابة الصحافيين. وأضاف أبو الغار، لـ«الشروق»، أمس، «أن ما يحدث لنقابة الصحافيين بعد واقعة اقتحامها من قبل قوات الأمن، يعبر عن أزمة مزمنة بين الجهاز الأمني والنظام، وأن واقعة الاقتحام أحد مظاهر الأزمة، مشيرا إلى أن الموضوع لن يتم حله إلا من خلال حلول جذرية.
وعقب على القرارات التي خلصت إليها الجمعية العمومية للصحافيين، مساء أمس الأول، وكان من أبرزها إقالة وزير الداخلية اللواء مجدي عبدالغفار، قائلا: «مطلب إقالة وزير الداخلية مطلب محترم، ولكن أنا أرى أن هذا المطلب لم تعد له فائدة أو جدوى، لأن من سيحل محل هذا الوزير سوف يطبق سياساته التعسفية نفسها ». واستطرد أبو الغار إنه لابد من إعادة هيكلة وزارة الداخلية، و«الدنيا كلها عاوزة تتغربل»، وفضلا عن كل هذا أرى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي حتى وقتنا هذا غير قادر على الاقتناع بأن الشعب المصري لديه رغبة في التعبير عن رأيه، مضيفا، حتى الآن رئيس الجمهورية لم يصدر بيانا أو يتحدث بصدد تلك الأزمة، خصوصا بعد أزمة جزيرتي تيران وصنافير، وموافقة مجلس الوزراء على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية». ويرى أبو الغار أن الرئيس السيسي أصبح غير قادر على الحديث بعد هذا الأمر، لأنه على علم تام بحالة الاحتقان السياسي التي أصابت الشعب المصري بعد كل هذه الأحداث».
مصدر الإلهام واحد
من جانبها اهتمت «الشعب» بحوار الرئيس عن رجل التقاه وطلب منه ألا يخاف وأعادت إلى الأذهان حوارا سابقا للمخلوع مبارك يحمل واقعة مشابهة، وقالت تحت عنوان بعد انتهاء السخرية الناشطون أجمعوا على مطلب إغلاق كورنيش الإسكندرية لمنع كذب المستبدين، بعد فراق دام بينهم لفترة كبيرة، قام ناشطو مواقع التواصل الاجتماعي بإيصال صوت عبدالفتاح السيسي بسيد دربه المخلوع «مبارك»، وذلك بعد حديث الأول يوم أمس الخميس خلال افتتاح مشروع الفرافرة وسرد قصة الكورنيش ومواطني الأتوبيس الذين شجعوه على أن يستكمل مهامه في «هدم البلاد».
ونشر الناشطون مقطع فيديو للمخلوع مبارك، وهو يتناول قصة كورنيش الإسكندرية نفسها، مشيرين إلى أن مُلقن القصة لكليهما واحد، ورغم مرور سنوات على القصة الأولى إلا أنها مازالت في مخيلة رجال القصر الانقلابي «الجمهورى سابقًا». مبارك والسيسي وكورنيش الإسكندرية.
ففي حوار سابق له قال المخلوع مبارك، إنه كان يسير على كورنيش الإسكندرية ففوجئ برجل كبير في السن وابنه المريض، فأوقف موكبه، وطلب من حراسه اصطحابه إلى مستشفى القوات المسلحة وعلاجه على حسابه الخاص. وعلى خطاه بإنه الشخص المخلص من الأزمات وحامي الغلابة والفقراء، ادعى قائد الانقلاب العسكري الدموي، عبد الفتاح السيسي، في خطابه، إنه كان يسير أيضا في الإسكندرية وعلى الكورنيش نفسه، وقابل مواطنين يستقلون أتوبيس نقل عام، ونادى أحدهم على السياسي قائلا: «ما تخفش إحنا معاك». وقال «السيسي» خلال خطابه بالأمس «وأنا في اسكندرية من كام يوم على الكورنيش، من غير ترتيب خالص، كان فيه أتوبيس للنقل العام، لقيت الناس اللي فيه بيحيوني، وقالولي ما تخفش إحنا معاك.. ما تخفش إحنا معاك». موقفا حسني مبارك والسيسي قوبلا بسخرية شديدة عبر مواقع التواصل، ودفع العديد منهم إلى تداول صور ساخرة من كذب السيسي وأستاذه مبارك، فيما طالب آخرون بإغلاق كورنيش الإسكندرية تماما؛ لتجنب كذب الحكام المستبدين».
المطلوب تطهير السلم
ومن تجليات الأزمة بين الحكومة والنقابة ما كتبه محمد المنسي قنديل في «التحرير» عن أهداف النظام من حربه ضد الصحافيين: «تنظيف سلم نقابة الصحافيين، أصبح هذا السلم مزدحما أكثر مما ينبغي، طوال أيام العام والاحتجاجات تتصاعد من فوقه، مع تباطؤ النمو، وانخفاض احتياطي العملة الأجنبية وارتفاع معدل التضخم، وعدم حل مشكلات البطالة، وبعد حوالي عامين من الصمت الممض بدأت أصوات الاحتجاج في الارتفاع، رغم الخوف من انتفاضة جديدة، والرعب من الفوضى التي يمكن أن تقود البلاد إلى مصير دول مثل سوريا وليبيا، رغم كل هذا بدأت سلالم النقابة تستقبل العديد من الوقفات، أصحاب شكاوى يريدون إسماع أصواتهم، مجموعة وراء أخرى من الفئات المهنية، يعانون المشقة في أعمالهم، والصعوبة في إيجاد لقمة عيشهم، فلم يعد أمامهم سوى الصراخ، ثم اختلطت معها صيحات أخرى من أجل الحرية ضد القمع وتجاوزات الشرطة، ضد سقف الحرية الذي ينخفض يوما بعد آخر، ولكن الذروة كانت عندما استقبلت مظاهرة يوم الأرض، أصبحت هذه السلالم الضيقة بديلا عن ميدان التحرير الواسع، المساحة الوحيدة المتاحة للتعبير، ومع ذلك فقد سببت صداعا دائما لقوى الأمن، ظلت تحاصرها بعرباتها المصفحة، وتمنع الوصول إليها، وتغلق الشوارع المحيطة بها، قبل أن تقرر أن توجه لها ضربتها الأخيرة، وحتى كتابة هذه السطور ما زالت هذه السلالم تحت الحصار. ويرى الكاتب أن وزارة الداخلية ربما تعتقد أن الأمن هو الحل الوحيد، في الأرجح أن الوزير لن يستقيل، ولن تحصل النقابة على الاعتذار الذي تريده، في الغالب لن يكون هناك مجال للتراجع أو الرضوخ، لقد زال خطر الإخوان المسلمين، ربما يتسببون في بعض المشكلات، ولكن بلا طائل، وقامت الشرطة بذلك على أكمل وجه، وتحملت التضحيات. إنها رسالة قوية وواضحة لكل أصحاب الأقلام، لقد أظهرت الداخلية العين الحمراء للكلمة المكتوبة».
إمسك حمدين يكذب
ومن معارك الأمس الصحافية تلك التي شنها محمود الكردوسي في «الوطن» ضد المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي، الذي يتبنى حملة شعبية تهدف لبقاء جزيرتي تيران وصنافير تحت السيادة المصرية، وعدم الاقرار بملكيتهما للمملكة العربية السعودية، والتشبث بعدم تسليم أي من الجزيرتين إليها، يقول الكردوسي في وصلة هجوم عنيف ضد صباحي: «جلس الناصري العاطل حمدين صباحي على مقعد وسط حشد من الهتيفة وسقط متاع المهنة (تقريباً الـ3٪ رئاسة). انجعص على الكرسى (نِفسه يا حبة عيني!). «فشخ» فمه في خيلاء وقد تدلدلت أحباله الصوتية «من كتر التحريض»: «لن نقبل بأقل من إقالة وزير الداخلية واعتذار السيسي»، وهتفت جوقة المغيبين: «الرئاسة.. الرئاسة». في صباح اليوم التالي كان السيسي في الفرافرة يستمتع بإنجازه، وكانت الرسالة واضحة: «اللي عمل 3 يوليو/تموز ما بيخافش». وكانت أوضح باصطحاب وزير الداخلية في مناسبة لا علاقة لها بالأمن. العنوان الرئيسي هنا: «القمح مقابل التجعير».. والفيتشر: «حمدينو صباحو كدب!».
شاعرة أم سفاحة؟
تصريحات الفنانة رغدة التي هاجمت المقاومة السورية وأثنت على بشار الأسد لا تزال تثير الكثير من غضب الكتاب، ومن بين هؤلاء حلمي قاعود في «الشعب»: «السيدة رغداء محمود نعناع الشهيرة برغدة وعمرها 58 عاما من مواليد ريف حلب في سوريا وتعمل ممثلة. نذرت المذكورة أن تقص شعرها حين ينتصر السفاح الدموي على الثورة السورية، وتلقي بشعرها في ساحة سعد الله الجابري في حلب، ثم ادعت أن السفاح لم يقصف حلب بالطائرات، مع أن قنوات العالم تنقل صور الطائرات وهي تقصف بالبراميل المحرمة أطفال الشعب السوري ونساءه ورجاله ومستشفياته وأسواقه ومدارسه. الست رغدة لمعت في مجال التمثيل السينمائي أواخر السبعينيات، عندما جاءت إلى مصر بحجة دراسة الأدب العربي في كلية الآداب، ولكنها ذهبت إلى المجال السينمائي ووجد فيها المنتجون بضاعة جيدة ومربحة، حيث ظهرت بالمايوه البكيني مع الشباب الوسيم من الممثلين في هذه الأيام من عينة محمود عبد العزير وحسين فهمي ونور الشريف وغيرهم. كانت الأنباء تتحدث عن أن الست رغدة متعاونة (؟) مع قيادة الدفاع الجوي السوري أو سلاح الجو السوري، ولكنهم غضبوا عليها لسبب ما، فحُكِم عليها وفقا للقانون السوري بالتغريب، وكان تغريبها إلى بيروت، وهناك وجدت من يوجهها إلى القاهرة نظرا لميولها الفنية، وفي أم الدنيا تزوجت الست رغدة تاجر سجاد غنيا وأنجبت منه أربعة أولاد: منة وبثينة وتميمة ومحمد ـ نتمنى ألا تطال براميل معبودها بشار بعضهم. الأخطر بحسب الكاتب أن النظام المصري من خلال الحظيرة الثقافية – تبنى الست رغدة، وقدموها ثقافيا بوصفها شاعرة وأديبة، وفُتحت لها قاعة الأوبرا لتلقي كلاما ركيكا ما هو بنثر ولا شعر».
خطبة الأوقاف فاشلة
ومن معارك الأمس تلك التي شنها عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم» ضد وزارة الأوقاف، التي تسعى لتأميم المساجد: «كان يجب أن تدرك وزارة الأوقاف مبكراً أن حكاية الخطبة الموحدة، ويشير الكاتب إلى أن هناك خطبة تتحدث عن المذهبية: السُّنّة والشيعة وغيرهما، وهي قضية ليست مطروحة في أي حال على النسبة الأكبر من مجتمعاتنا، لماذا إذن نجعل منها قضية، أو ننشئ منها قضية ليس لها وجود أساساً، قضية الحاكم، طاعته أو الخروج عليه، هي قضية لا تشغل الرأي العام في الريف عموماً، هي فقط في أذهان وزير الأوقاف وشركاه، في إطار التقرب من هذا الحاكم أو ذاك، حتى قضايا المظاهرات والاعتصامات وغيرها من فعاليات المدن بشكل خاص؟ هناك الآن من الظواهر السلبية التي يعيشها المجتمع، كل المجتمع، الكثير والكثير مما هي في حاجة إلى علاج عن طريق المنابر بالدرجة الأولى، هناك ظاهرة قطع الرحم، كما ظاهرة الطلاق، كما ظاهرة السرقة، كما الغش، كما النكوص بالعهود، كما الكذب، وإن اختلفت جميعها من مجتمع إلى آخر، مما كان يتطلب منح الحرية لكل مديرية أوقاف، على الأقل، لتحديد خطبة الجمعة لديها بما يتوافق مع حاجة وطبيعة كل إقليم
لصلاة الجمعة، فشلت فشلاً ذريعا منذ بدء التطبيق لسبب جوهري، وهو أن القضية التي يتم طرحها لهذا المجتمع قد لا تصلح لمجتمع آخر، حتى داخل المدينة الواحدة، فما بالنا بالفارق الكبير بين المدينة والقرية؟ وقد تكون القضية تصلح لهذا المجتمع إلا أنها ليست بالأولوية التي يتطلبها مجتمع آخر».
حسام عبد البصير