في معنى أن نكون مثقفين اليوم…
دعوني أراهن على أن القيم هي الآن كما تدعي المنظومات المنتجة للقيم، لا تقتصر على الدين، بل على كل ما يدخل في صميم الثقافة التي انتجها الإنسان في الحركية الثقافية المتمثلة في صناعة الترجمة عهد العباسيين، وانتهاء بترسيخ العلمانية في أوروبا.
ابتداء من ترجمة كتب «المعلقين» من ابن رشد والفارابي، إلى فلسفة الأخلاق لما بعد النهضة والإصلاح الديني في أوروبا والقضاء على العبودية من الناحية القانونية في أمريكا، والثورة الفرنسية خصوصاً إعلان حقوق الإنسان والمواطن، والقوانين الأممية، ومسألة ما يسمى معاداة السامية، وكافة المواثيق والأجيال المتعلقة بالقوانين الحقوقية، فمسألة القيم ليست محلية وإنما كونية، لأنها تأسيس على ما مضى كتراكم وليس انتقاء لا يؤمن بالتاريخ والعيش المشتركين، ابتداءً بامتلاك شرعية أو قوة تاريخانية تؤسس للحق في خلق اللاتكافؤ كأساس لتوزيع – أقول- وليس اقتسام مفهوم المعاش المشترك، بدءًا بالثقافي وليس انتهاء بالاقتصادي، وحتى أبين ما النقطة التي تحركني داخل هذا الكل المتكامل، النقطة التي أؤسس عليها طرحي هذا وهو كيف يمكن للقيم من ديانات وحقوق ومواثيق دولية أن تكون هي عمق ما نقتسمه في أكثر التعبيرات إنسانية، أقصد الثقافة الكبرى التي استضمرت هذه الشروط الكبرى، لتجعل منها «حداثة معاصرة»، أو حداثة فائقة تفهم داخل منطق العولمة والتدويل، ولن تفهم أبداً من منطق أي «خصوصية» لا تقبل المساهمة، أو لا تساهم في إنشاء حداثتها كشرط كلاسيكي لإنتاج المعرفة داخل منظومة معينة للقيم، أو ما يسمى بـ»الخصوصية» التي اعتبرها منطقا يعطي الشرعية في إقصاء الذات، برفض الحوار بشكل أعمى، وتبنيا من جهة أخرى لموقف يرفض مساهمة الآخر فقط لأنه مختلف، وبالتالي فهو مقصي سلفاً لأنه لا يمكن إلا أن يكون غريباً مريباً، ولا يمكنه في هذه الحالة أن ينشئ حواراً يكون هو طرفاً في صناعته من دون أن يكون ملكاً لأحد الطرفين، الحوار ليس كأداة أو تقنية، لكن أيضاً وأساساً كمساهمة في بناء المعيش المشترك، لكن وعودة إلى «الحداثة المعاصرة» كانتقال من النظام العالمي الجديد إلى «ميثاق» دولي «مشترك» غير قائم على افتعال الأزمات، ولكن على «اقتسام» تدبير المشترك، من داخل «شرط كلاسيكي لمفهوم الحداثة» أقول، وليس المعاصرة كتسطيح لفلسفة الحوار، ولمنطق مأسسة اشتراكية للحوار خارج مبدأ الإقصاء، الذي يولد منطقاً مختلاً لتوزيع اللامساواة بشكل عادل، وتفيد المأسسة الإشتراكية ديمقراطية توسيع مساحة الحوار من داخل المؤسسات الحالية التي تمثل الحوار، في تضمين قنوات الحوار منهجاً جديداً في الحوار (سأتكلم عن المنهج في نصوص أخرى مقبلة)، لا ينطلق من نقطة المحلية أو الكونية، فهذه الجدلية هي أساس اللاتكافؤ الذي أنا بصدده، لكن إلى إقامة نظام يتيح للمثقفين من العالم في التفكير في منظومة قيم جديدة تتيح من منظور الحرية المسؤولة، لكن أيضاً الحرية كأخلاق وقيم ملزمة، ولازمة في أن نمتلك رؤية عن العالم الذي نعيش فيه، في تبني موقف مبدئي يطرح البدائل – إذا ما اتفقنا أن المثقف هو إنسان يمتلك موقفاً يلزمه أخلاقياً ليس فقط بالنقد لكن بطرح البدائل أساساً، لكن ما هي القيمة المثلى التي تجعل العالم ملزماً بأن يقبل بالبدائل، وألا يقف موقفا لامباليا كقيمة مناقضة لإيجابية الحرية، كما سلبية اللامبالاة كعنف جديد يقف في وجه الرؤى البديلة، ومن هنا ازدواجية مفهوم الحرية التي نسمع عنها في برامج تلفزيونية عالمية، هذا سؤال مشروع، ومشروع سؤال أيضاً يحتاج إلى عقول المثقفين والتزام من نوع جديد، يلزمهم أن يكونوا فاعلين، ليس فقط في محيطهم كيفما كان، ولكن أيضاً إلى امتلاك الجرأة الأدبية بمعنى الالتزام الأخلاقي في رفض قيم هي ضد حرية الالتزام المختلف عما هو موجود الآن، وهنا أتذكر شيئين، أولاً منظمة «عدم الانحياز»، كمؤسسة يمكننا أن نستلهم منها الكثير، لكن عبر إبداع شكل جديد من الحياد الثقافي (سآتي إليه في نصوص مقبلة).
واسمحوا لي ثانياً في هذا السياق أن آخذ نموذجين يمكنكم أن تختلفوا معي بصددهما، لكنهما الآن في نظري رمزان مغربيان مهمان في «الالتزام الثقافي» داخل الوطن وخارجه أيضاً، المهدي المنجرة ومحمد جسوس، اللذان كانت مواقفهما ترتد ضديهما، ويمكنني أن أضيف اسما بارزاً آخر في سياق الكونية هنا، وأقصد إدوارد سعيد، لكن ما يهمني الآن هو دور المثقف أكان مغربيا أم عربياً، غربياً أو آسيوياً أو افريقيا، وما مدى أهميته في صناعة ذلك الفرق النوعي من داخل منظومة القيم الكونية التي تعرف اندحاراً خطيراً واختلالا غير مسبوق، بحكم أننا معنيون والدور بدأ يأتي علينا، إما عبر «تكبد» و»تجشم» صورة الآخر النمطية عنا، أو عبر تحمل مسؤولية التخلف الذي لم نقترفه لوحدنا بشكل مباشر أو فج، لكن ما نحن مسؤولون فيه وليس مسائلين عنه فقط، هو أن نتحمل مسؤولية ما لم نفعله لوحدنا في بناء صورتنا عن ذواتنا، وأن نبقى مفعولاً بنا إلى الأبد إن لم نساهم كـ»غرب غريب» من مشرقيتنا التي ساهمت في صناعة الغرب، كما ساهمت في صناعة الغرب لنا، في أن نكون على قدم المساواة فكرياً مع الغرب، لكي نمتلك وجوداً كونياً.
كاتب من المغرب
وليد المنجرا