«الغرانيق» رواية للسوري مازن عرفة الذي أدرك اللعبة منذ البداية اللعبة، فمنذ كان البطل وكل فرد لديه حلم يقظة له الحق بأن يصبح «الزعيم الجنرال»…. ليزداد هذا الوضوح مع تقدم الأحداث في الرواية، فإلى جانب الانفصامية بين شخصيتي «المثقف الرعديد المتخاذل» و«الشاب الثوري المتهور العنيف»، فإن هناك انفصامية بين هاتين الشخصيتين مجتمعتين مع شخصية تم دمجها برمزية معينة، لتنصهر كلاً واحداً في نهاية الرواية… بغض النظر عن الصراعات القمعية أو النبيلة في مجرى الأحداث».
إذ دخل مازن عرفة في معمعة نفسية قد تحدث لمن يعيش داخل معركة لا يمكن له الخروج من دائرتها ليرى الحقيقة بعيداً عن احلام اليقظة التي تجعله كالمتذبذب أو كالذي يرى كابوسا لا يعرف متى ينتهي.. هنا نص الحوار مع مازن عرفة عن روايته الأخيرة:
■ يولدون هنا أطفالاً ويصبحون مباشرة عجائز، ما هذه الصفة، تخاذل أم ولادة وموت دون استمتاع بالحياة؟
□ هي بعض منهما معاً، لكن الحكاية أكبر من هذا….. في القسم الأول من الرواية تلاحق البطل ـ المتحدث دائماً بضمير المتكلم ـ الكوابيس الكافكاوية (من الروائي كافكا)، التي توقظه من عدميته الوجودية (على طريقة كامو). وهو يعيش في بلاد تبدو كأنها خارج مكان وزمان محدد، بمعنى أن أحداثها تقع في أي مكان إذا عاشت الشروط نفسها. إنها استلاب روح الإنسان في ظل الأنظمة العسكرية الشمولية، التي تجعل من الإنسان مستلباً روحياً، وتحوله إلى آلة إيديولوجية لا مباليا حتى بحياته الشخصية. ومع أن هذه الأنظمة هي ميراث قمعي ستاليني مع جذور»الترييف العنفي» التي تميز مجموعة المسيطرين على البلاد بانقلابات عنفية عسكرية…. «عنف الريف المباشر، يقابله «دهاء أهل المدينة» كسياسة. في أجواء الاستلاب والقمع والخوف التي تفرضها هذه الأنظمة الشمولية كيف يمكن لإنسان أن يعيش شاباً متمرداً» حتى بمعنى «النخوة» التي تستثيره؟ فيصبح عجوزاً بروحه وهو في ذروة شبابه.
في الأقسام التالية للرواية تحل «الواقعية السحرية» مكان الرؤى الكافكاوية والعدمية، إذ أنها تعطي مجالاً للسخرية الغرائبية التي يمكن من خلالها أن يقاوم الناس عبثية السلطة بعبثيتهم الخاصة….. وصولاً إلى لحظة من التراكم التاريخي، التي تجعل من الانفجار قادماً لا محالة، وبخاصة في لحظة تاريخية تعلن استنفاد مرحلة لإمكانياتها، كما حدث مع نهاية الأنظمة الشمولية العسكرية العربية….. يعيش عندئذ المواطنون شبابهم.
■ «الغرانيق» وجدلية رواية أنكرت ذاتها قبل ولادتها، هل اعتبرها مجازفة؟
□ «الغرانيق» هم موجودون في كل العصور، فإذا كان النموذج التراثي ينطبق على أشباه الإلهات «اللات وعزة ومناة» التي تم تحطيم أصنامها، فهم أيضاً بعض من الموجودين في عصرنا الحديث بمفهوم ما او الذين يتشبهون بالآلهة ويظنون أنهم خالدون بسلالاتهم، ويمتلكون الأرض وما عليها من كائنات وجماد وهواء. وهؤلاء تم تحطيم تماثيل عبادتهم في ثورات «الربيع العربي»، ليس فقط تماثيلهم الموجودة في الساحات، وإنما التماثيل المزروعة في الرؤوس بالرعب.
■ فوضى شديدة وابتعاد عن الينبوع، أليس هذا ما يحصل؟
□ هكذا تبدو الرواية للقارئ الذي اعتاد الرواية التقليدية بحبكة متماسكة مع بداية وذروة ونهاية.. الرواية هذه لا تنطبق على الواقع ليست هناك حكاية منتهية في الحياة، مثل نهاية «فيلم أمريكي». الحياة تعج بالمتناقضات التي تتصارع باستمرار، وإنسان «العصر الحديث» هو إنسان ما بعد الحداثة، ممزق، متشظ، ضائع. وإن كان الغرب الصناعي يستلب الإنسان الغربي، فإن الإنسان «العربي» مستلب بأنظمة قمعه، وبتراثه الذي يصله مشوهاً، إضافة إلى الاستلاب الاستهلاكي المعولم.
في ظل هذا الاستلاب يعيش الإنســــان العربي دائماً في ظل أحلام يقظته الفـــردية ـ إلى جانب أحلام اليقظة الجماعية، تعبـــيراً عن حالته الهروبية النكوصية لعدم قدرته على مواجهة الواقع، وتترافق أحلام اليقظة ـ الفردية والجماعية ـ بمونولوجات داخلية بكائية. وطبيعة أحلام اليقظة هي طبيعة مونتاج سينمائي متقطعة. الشاب ـ والفتاة أيضاً ـ يحلم في فراشه بما لا يستطيع فعله ـ بالنوم مع بنت الجيران، بقتل أكبر عدد ممكن من رجال الأمن، بسيارة أمريكية فارهة…. والحلم الجماعي يصل إلى «تحرير الأندلس» ونشر الإسلام في «المريخ»……
من هنا لجوئي ـ منذ روايتي الأولى «وصايا الغبار ـ إلى تقنيات أحلام اليقظة والتشظي والمونولوجات الداخلية والمونتاج التي تتناغم مع «أنا» ضمير المتكلم… في محاولة الاقتراب من حقيقة الإنسان المعاصر. هذه الفوضى التي تبدو ظاهرية هي ذات جذور عميقة في حياتنا اليومية، ونمارسها باستمرار، لكنها فوضى تصدر من رأس واحد، هو رأس كل واحد منا. وبالتالي أنا اقترب هنا من الينبوع الحقيقي للإنسان المستلب في عوالمه الداخلية.
■ هل تمارس الواقعية أم كوابيس إنسانية محشوة بالتاريخ؟
□ التاريخ الذي أقدمه ليس ذلك التاريخ البعيد، عنه حياتي الشخصية منذ الطفولة حتى الآن، هو تاريخ هؤلاء الناس الذين أعيش معهم. في بداية القسم الثاني هناك فصل بعنوان «سادية سياسية» هو تاريخ طفولتي وشبابي المختلط في واقع محدد، في مدينة أو بلدة هي نموذج لكل البلاد. وبما أنني من مواليد 1955، فهذا يعني أنني عشت ضمن التاريخ الحديث لسوريا منذ مرحلة الانقلابات العسكرية في خمسينيات القرن الماضي، حتى هذا الزمن…. ولذلك اختلطت حكايتي الشخصية ـ مثل كل الحيوات الشخصية للآخرين ـ بتاريخ البلاد. وهذا يتجاوز مفهوم التاريخ إلى الحكاية. حكاية البلاد التي دمر العسكر بيوتها وحرقوا بساتينها وهجروا سكانها ضمن عملية تغيير ديموغرافي برعاية إقليمية ودولية، وبذلك يحاولون تدمير البيوت الريفية وتقاليد سكانها الفلكلورية، وهو ما يمنح البلاد هويتها الثقافية.
■ الرواية عبارة عن لعبة حرب الظلال، ما رأيك؟
□ كما يبدو أن الشخصيات تصارع نفسها، كما أن المعارك ليست بين الناس بمقدار ما هي في العوالم الداخلية لهم، كأن الحدود بين وبين هي غائمة ضبابية، والشخصيات هي انفصامية، لا ترتبط بمكان أو زمان محددين…. البطل الواحد يعيش في الوقت نفسه عدة شخصيات، تتنقل في عدة أزمنة بتشوش وضبابية مقصودة. الرواية هي فانتازيا بامتياز، يختلط فيها الشخصي بالعام، تنمحي الحدود بين الأزمنة، هي رصد مكثف لأحلام يقظة ومونولوجات، هي أدب بطريقة لمغايرة عما هو مألوف وتقليدي.
حاورته: ضحى عبدالرؤوف المل