الغرب وصراع الخلافتين في العراق

من تابع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الأخيرة التي اعتبر من خلالها إن «وجود إيران في العراق مفيد للمحاولات الأمريكية صد تهديد تنظيم داعش، وهو مصلحة مشتركة «، على الرغم من جرائم المليشيات التابعة لها.
يفهم من ذلك مدى الأهمية التي تتمتع بها إيران ودورها القومي المرتبط في الأجندات الغربية التي تم وضعها لمستقبل الشرق الأوسط. ومن تابع أحداث المشهد العراقي والسوري في حلته الأخيرة لا يجد صعوبة في رؤية تفاهم أمريكي ـ روسي على «تقاسم» المنطقة، من خلال مشاركة القوى الغربية العظمى والإقليمية ووجودها في خندق واحد لمحاربة تنظيم ما يعرف بـ»دولة الخلافة الإسلامية» وأيديولوجيته السياسية الهادفة إلى إرجاع المنطقة إلى فترة الصدام الديني بين العرب والمسلمين أنفسهم.
كما يبدو واضحا، أن أمريكا باتت في الوقت الحاضر على كامل الاستعداد للتعاون مع إيران، والانخراط في تحالف معها ولو بصورة غير رسمية وعلنية، لأسباب موضوعية تتمثل في رفض التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، وخوفها من التورط في معارك شرسة على الأرض في حالة إرسال المزيد من القوات العسكرية. ويبدو إن هذا الخوف يأتي من احتمال تكرار الفشل العسكري الأمريكي في العراق والخسائر البشرية الهائلة التي لحقت بقواته، ما دفع بالتالي جون كيري لإعلان أهمية مشاركة إيران في التحالف الدولي الإقليمي لمحاربة الإرهاب، بمعنى آخر توكيل إيران في إدارة الصراع الدائر في العراق بين العراقيين أنفسهم.
السؤال الذي يطرح نفسه هو عن تداعيات هذا التحالف الغريب، الذي تشارك به إيران تحت غطاء القضاء على تنظيم «الدولة»، وأثره على مستقبل العراق وشكل وطبيعة النظام المقبل بعد القضاء على التنظيم.
ما يمكن استنتاجه من خلال قراءة سريعة فيما يحدث في العراق منذ 2003 هو أن تدخل الأحزاب الدينية التي جاءت بها إيران من خلال الأبعاد الأيديولوجية والفقهية للنظام الإيراني، ساهم في تشتيت المجتمعات العربية وتقسيم العالم العربي والإسلامي، حيث بلورت العملية السياسية في العراق بشكلها المذهبي الحالي، المثال الواضح لعمق الأزمة التي تشهدها المنطقة، وكمصدر للصراعات المذهبية والدينية بين العرب والمسلمين أنفسهم. «فولاية الفقيه» الإيرانية، كما حال دولة الخلافة الإسلامية، ليستا سوى أداتي هدم للأسس الوطنية والقومية، لتجريد العراقيين من هويتهم.
من هذا المنطق، وعلى الرغم من دعم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا للنظام الحاكم في العراق، سياسيا وعسكريا، تتحمل الأحزاب الحاكمة في العراق نتائج الأزمة السياسية بمختلف أصعدتها الاجتماعية والأمنية وانعكاساتها السلبية نتيجة لتبعيتها وتورطها بالتالي في ساحات الصراع الإقليمي المفتوحة. وبالتالي فإن مواقف النظام في بغداد المستندة أساسا إلى الحفاظ على مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية في سوريا واليمن والبحرين، هي في النهاية المسبب الأول لحالة الفشل السياسي والاجتماعي الحالي، وهي بالتأكيد حلقة من حلقات مسلسل التلاشي التدريجي لسيادة العراق وتقسيمه، ومن ثم اندثاره من خريطة الجغرافية الشرق أوسطية. ورغم وضوح تصريحات وزير الخارجية الأمريكي وسهوله فهم الرؤية الغربية من الأزمة العراقية لإيجاد الحل المناسب، إلا أن الأزمة السياسية والاجتماعية في بلاد الرافدين تتعدى حدود وجود «داعش» بمفرده. فالعراق المغلوب على أمره منذ 2003 أصبح ساحة لصراع بين خلافة أبو بكر البغدادي وخلافة الولي الفقيه، وعلى حساب دوره التاريخي والحضاري المتسامح المؤثر، نتيجة للتحول الخطير في طبيعة النظام السياسي العراقي والرجوع إلى القبلية والمذهبية، في هيئة وشكل النظام الحاكم، التي لا تتلاءم مع أسس الدولة الوطنية المتطورة، ولكنها تخدم رؤية الغرب وتتلاءم مع قدراته المتصاعدة ثقافيا وعلميا وعسكريا، لإملاء ما يراه مناسبا ومتجانسا مع مصالحه السياسية والاقتصادية، في رسم حدود عالمنا العربي والإسلامي الجغرافية والسياسية للمستقبل، وفق محصلة المعطيات والتداعيات التي يفرزها الصراع الطائفي والقومي الحالي من جهة أخرى.
ما يحدث في العراق منذ 2003 نتيجة طبيعية للفراغ الذي خلفته عملية هدم الدولة العراقية، وسيتأكد العراقيون عاجلاً أم آجلاً، إن ولاية الخامنئي وولاية البغدادي هما مؤسسات تخريب لمواطنة الشيعة والسنة العراقية في بلاد الرافدين وأدوات تفريق بامتياز لشعوب العالم العربي والإسلامي.
لا مستقبل «لداعش» ولا أمل لأحزاب إيران المذهبية في البقاء في حكم العراق، فهما رغم الدعم السياسي الخارجي، ليسا سوى ظاهرة عابرة وان طال وجودها وسلبياتها بعض الوقت، نتيجة لتزامن الوضع العراقي الحالي وتوافقه مع بيئة التناقضات الإقليمية والدولية، وارتباطها الحيوي مع مصالح الدول الكبرى وتناقضات البيئة الحاضنة العراقية.

٭ كاتب عراقي

الغرب وصراع الخلافتين في العراق

أمير المفرجي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية