الغضب الشعبي على الحكومة الأردنية إلى أين؟

حجم الخط
16

أطّرت قرارات رفع الضرائب والأسعار والجبايات من حكومة هاني الملقي في صورة الحكومة المكلّفة بالمهمّة الاقتصادية العسيرة والمكروهة شعبياً والتي عليها اتباع مطالب صندوق النقد الدولي ووصفاته التقليدية المعروفة وهو ما عرّضها، ما أن عضّت الضرائب والأسعار بنابها المواطنين، فقراء كانوا أم ميسورين، إلى غضبة شعبية كبيرة.
انطلاق المظاهرات الأولى من الكرك، كان يمكن أن يحمل معنى سياسيا إضافيّا مكتوماً كون المدينة (100 كيلومتر جنوب العاصمة) لم تستفق بعد من مفاجأة الهجوم الإرهابي في كانون الأول/ديسمبر 2016 وخلّف عشرة قتلى بينهم مدنيّان وسائحة كنديّة إضافة إلى المهاجمين الأربعة، وتبعته موجة اعتقالات واسعة، لكنّ مدّ الاحتجاجات ما لبث أن اتسع ليضم محافظات الطفيلة ومادبا والسلط وارتفع ليصل إلى مطلب إسقاط الحكومة المتهمة بعجزها عن مواجهة الإشكاليات الاقتصادية.
الحكومة برّرت حزمة قراراتها القاسية بالقول إنها «تستهدف إنقاذ الاقتصاد الوطني وتخفيض عجز الموازنة» فرفعت ضريبة المبيعات على عدد كبير من السلع، وأسعار البنزين وحتى رسوم جوازات السفر والدخان والمشروبات الغازية والانترنت الأمر الذي استقبله المواطنون الأردنيون بالاستنكار، فيما قام نوّاب في البرلمان بإعداد مذكرة لحجب الثقة عن الحكومة واتجهت تيّارات معارضة إلى إبداء أشكال من الاحتجاج داخل البرلمان وخارجه.
التطوّرات الأخيرة تضع الحكومة الأردنية في وضع شائك فمديونية البلاد وصلت إلى قرابة 37 مليار دولار بما يعادل 95.6٪ من الناتج الإجمالي المحلي وتبلغ خدمة المديونية من فوائد وأقساط حوالي 2.5 مليار دولار، وتقدم مؤسستا المياه والكهرباء مثالاً كبيراً على اتساع خرق المديونية (مليار دولار) على الراتق، وبالتالي فليس هناك حلول إعجازية سريعة لأي حكومة ممكنة سواء تمثلت بطاقم الملقي أو غيره.
تتمتع النخب الأردنية بخبرات أكاديمية وعلمية وسياسية كبيرة وتستطيع، لو توفّر النظام الديمقراطي الاقتصادي والسياسي على استخدام وصفات مجرّبة سبقت الأردن إليها دول أخرى صغيرة وكبيرة، وبدلاً من الخضوع الأعمى لإلزامات صندوق النقد وشقائقه العالمية، على كليات الاقتصاد والتجارة والأعمال وأقسام التكنولوجيا الحديثة دراسة التجارب الكوريّة واليابانية (وحتى الصينية) وسنغافورة وليس التجارب الأوروبية فحسب.
لم تلتزم تلك الدول المذكورة بوصفات صندوق النقد الدولي بل اعتمدت، إلى حد كبير، على أشكال الحمائية الاقتصادية ودعم الصناعات الحديثة والاقتصاد المعلوماتي والرقميّ، ويمكن إضافة التطوير في قطاعات أخرى ناجحة في الأردن كالسياحة والطاقات البديلة واقتصاد الخدمات والإعلام الموجّه للمحيط العربي.
السؤال الاقتصادي هو إذن سؤال سياسيّ بامتياز ويتعلّق بقدرة النخبة الأردنية على تمثّل تجارب ناجحة سابقة وتمكين النظام السياسي القادر على فتح البلاد للكفاءات السياسية والاقتصادية والعلمية للمشاركة وتقديم الحلول في عالم يزداد تنافساً ووحشية وخطورة يوماً بعد يوم.
الغضب الشعبي على الحكومة مفهوم ومحقّ وجزء من أهميّته كامن في إمكانية حث المؤسسة الحاكمة الأردنية والنخب السياسية على التفكير بشكل استراتيجي بعيد المدى وعدم الاتكال على الحلول السريعة القاسية التي يحترق المواطنون الفقراء في لظاها فيرفعون اللسان بالجئير والصراخ وإذا لم يجدوا مخرجاً فقد يلجأون لحلول انتحارية وعبثية تقوم على أيديولوجيات الانتقام والموت.

الغضب الشعبي على الحكومة الأردنية إلى أين؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية