■ أيها المسلمون، اطمئنوا وكونوا على ثقة، ليس بابا الفاتيكان فرنسيس الأول هو الذي ضربكم «النوك أووت» الأخلاقية!
لا الكنيسة الكاثوليكية، ولا البروتستانتية ولا غيرها!
العامل الديني هامشي جدا، فمن بادر لاستقبال اللاجئين وفتح أبوابه لهم في أوروبا (بعد تركيا)، لا يعرف بالضبط أين تقع الكنائس في بلده.
أنغيلا ميركل التي تقود حملة استيعاب اللاجئين، بشجاعة، لا تستقبل حجيجا مسيحيا بالملايين سنويا، ولا هي تحفظ الأناجيل عن ظهر قلب، ولا حتى أجزاء منها، ولا تعرف من هم بالضبط تلاميذ ورسل السيد المسيح، وربما لا تعرف معجزاته، ولم تحجّ إلى الناصرة ولا إلى القدس وبيت لحم وطبريا ونهر الأردن، وبالتأكيد أن ملايين المسلمين مطلعون على الدين المسيحي أكثر من زعماء في الاتحاد الأوروبي.
أيها الأخوة المسلمون الأفاضل، إنما ضربة «النوك أووت» أتتكم من أنظمة علمانية حقيقية، لا طائفية ولا مذهبية، مؤسسة على التعددية الحزبية والفكرية، وحرية التعبير المطلقة، لا رقابة فيها على مطبوعات، ولا على فنون، ولا على مأكل أو مشرب!
ولا لأي حزب انتمى جدّك، ولا أحد يسألك إذا صليت أم لم تصل، ولا أحد يكفّرك أو يزكّيك، ولا أحد يقيم عليك دعوى قضائية بالرّدة عن المسيحية أو بدعوى تفريق بينك وبين زوجتك!
«النوك أووت» جاءتكم من بلاد لا تنصّت فيها على الهواتف الخاصة، ولا ملاحقات وتحقيقات مخابراتية على كل همسة تهمسونها، ليس فيها حجز ومنع للانترنت.
قبضة «النوك أووت» هي من أنظمة اختيرت بانتخابات حرة ديمقراطية حقيقية، وليست على طريقة «العراضة» العربية، ولن تسمع مواطنا ألمانيا واحدا يهتف «الله – ألمانيا – ميركل – وبس» حتى لو ارتفع مستوى حياته «بالحلال»، عن مستوى معيشتك ألف ضعف، وإذا قلتها أنت أمامه، فسوف يشك بسلامتك النفسية!
وأناشد الأخوة اللاجئين، خصوصا في ألمانيا، أن لا يبالغوا في مديح السيدة ميركل على طريقة مديح النظام في سوريا، لست مضطرا للنفاق كي تعيش، فهذا حقك الذي يضمنه القانون، بالعكس، سوف ينظرون للمديح الزائد بنظرة نقدية وتحليل علمي لشخصيتك، وستكون النتائج سلبية، يكفي أن تقول شكرا (دانكه).
«النوك أووت» أتت من أنظمة لم تحكم بالإعدام على مواطن واحد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بحجّة الإساءة لوحدة الوطن وسلامته، والإضرار بسمعته (اللهم إلا في الدول الاشتراكية الصديقة السابقة، مثل رومانيا وألمانيا الشرقية وتشيكيا)، ولم يسجن أحد ولم يغتصب في السجن لأنه مسّ بالذات الرئاسية أو الملكية أو الأميرية، ولن تروا صورا ولافتات في الشوارع والأسواق وعلى كل عامود هاتف وكهرباء وجسر شعارات المديح للقائد المفدى الخالد، و… إلخ من الجمل الإنشائية.
ولن تشاهد آلاف التهاني في الصحف والفضائيات من الشركات وأصحاب الورش الصغيرة والحلاقين واللحامين والعطارين والمطاعم والبقالات وباعة الكنافة والفخفخينا والأسر العادية للقيادة «الحكيمة والتاريخية» بمناسبة حلول صيام الأربعين المسيحي.
يا من لا يشغلكم انقلاب قارب بمئات من النساء والأطفال والرجال المتعبين، يا من لم تدمع عيونكم ولم تحترق دماؤكم لمشهد امرأة عربية تقبّل يد شرطية مقدونية كي تمررها الحدود! يا من لم يحرق أكبادكم زحف والد مع أطفاله تحت سياج أسلاك حدودي شائك، يا من لم يوقظكم من عماكم واحد وسبعون إنسانا يختنقون لحظة بعد لحظة على مدار ساعات في شاحنة مقفلة حتى الموت، يا من لا يشغل بالكم شيء سوى الخشية على اللاجئين من التنصير! اطمأنوا فلن يتنصر أحد، وإذا تنصر عشرة من مليون لاجئ، فاعلموا أنهم تنصروا قرفا مما رأوا في أوطانهم.
واعلموا أنه قد يعتنق الإسلام من الأوروبيين مقابلهم أضعافا، لسبب بسيط، أن لدى الأوروبيين حرية القرار، ولن يضع عليهم أحد حد الرّدة، ولن يُهددوا بقطع رقابهم وحرق بيوتهم إذا ما أسلموا.
أيها المسلمون، ليكن واضحا أن الأوروبيين باستقبالهم ملايين المسلمين والعرب الهاربين من ديارهم، إنما يفعلون هذا أولا بقوة قوانين بلادهم ودساتيرها الإنسانية التي تلزمهم بإغاثة الملهوف، فللاجئ الهارب من وحوش بلاده حقوق قانونية.
إلى جانب القوانين، فهناك التربية منذ الطفولة المبكرة جدا على أهمية الإنسان أولا وقبل أي قيمة أخرى، بغض النظر عن الرحم الذي «انزلط» منه، صحيح توجد حركات متطرفة من منطلقات سياسية وعنصرية ضد الأجانب، وخصوصا ضد العرب والمسلمين، إلا أن يد القانون وحتى الناس العاديين فوق أيديهم.
واعلموا أن الكنائس في معظم مدن أوروبا شبه فارغة أيام الأحد، وبالمقابل نذكركم أن عندنا في كل قرية عدد من المساجد التي تمتلئ يوم الجمعة وتفيض فيفرشون الحُصر في الشوارع، وعندنا مواسم العمرة والحج بالملايين، وفي العالم العربي مليون مئذنة ويزيد، وعندنا مساجد على الماء وتحت الماء وفي الفضاء ومذهبة ومفضضة ومكيّفة وأخشابها من الأبنوس وقبابها تناطح السحاب، ورغم ذلك لم نر نخوة إسلامية عربية لإغاثة الملهوفين، إلا المضطر لوجود حدود له مع سوريا والعراق.
القضية في جوهرها ليست دينية، القضية هي وعي الإنسان بإنسانيته، ومحافظته على صورة الإنسان في كل الظروف مهما قست، لقد نزعت الأنظمة عنا صورة الإنسان، وصدق من قال إننا تطورنا من إنسان إلى قرد، وها قد تطوّرنا من قردة إلى زواحف.
أوروبا هذه الأيام تستقبل المسيحي والشيعي والسني والعلوي والدرزي والإسماعيلي والموحد والبيزنطي والملحد واللاديني، تمنحهم من رزقها وحتى تزوجهم من بناتها ونسائها، وتسمح للمسلمين ببناء مساجد ليقيموا فيها شعائرهم، وإذا لم يأت مسلم آخر يفجّرها، فالمرجّح أن تكون أكثر أمنا في أوروبا منها في بلاد العرب والمسلمين.
الأوروبيون ليسوا منزهين، وليسوا كلهم سواء، وفي حقب تاريخية كثيرة كنا أفضل منهم، ولكنه مكر التاريخ وانحطاط الأنظمة، عندما كانت أوروبا متعصّبة دينيا ولها ثأر قبل أكثر من 500 عام، وبعدما طردت المسلمين من الأندلس، أقامت محاكم تفتيش للمسلمين واليهود اضطرتهم أن يرحلوا أو أن يتنصروا، أوروبا الاستعمارية بعد الحرب العالمية الأولى ليست أوروبا اليوم، وأوروبا اليوم في مناطقها الجغرافية ليست سواء، فرانكفورت وبروكسل وفيينا ليست كالمجر أو بلغراد، وغرب ألمانيا أكثر تقبلا من شرقها للأجانب، ويبقى أساس قوة أوروبا هذه الأيام في قوانينها ودساتيرها، إلى جانب التربية الإنسانية على تقبل الآخر وتفهّم ضعفه ومد يد العون له، وها هي تستقبل ملايين المسلمين الهاربين من محاكم التفتيش في بلادهم، إنها أوروبا العلمانية المتنورة وليست أوروبا الدينية.
٭ كاتب فلسطيني
سهيل كيوان