«الفانتاستيك» والتباسه بالممكن الجمالي

ارتبطت الرواية بالحكاية، والإنسان قبل الكتابة كان ساردا، غير أن الرواية وهي تعمل على تشكيل الحياة عن طريق أفعال الشخصيات والتمثل والرؤية للعالم كانت تواجه ما يهدد الإنسان بالسعي نحو الخلود عبر سبر أغوار الذات وحركة الإنسان في عالم يرغب بنسيان هبة الحياة الواحدة.
الرواية كصورة للزمن الحديث بتعبير ميلان كونديرا، ارتبطت بمؤسس الأزمنة الحديثة ميغيل دي ثيرفانتيس وحملت فاعلية رمزية ارتبطت بالإبستيمي المشكل لسياقها المخصوص، وبالطاقة التخييلية التي جعلت الروائي- الحديث- يحاور الكوجيتو «الأنا» راصدا أغوارها، أو محاولا استعادة الزمن، كما هو الحال مع مرسيل بروست الذي ستقوده الرغبة في استعادة الحياة في آخر الأجزاء السبعة لرواية «البحث عن الزمن الضائع» إلى اكتشاف قدرات الأنا الخلاقة والرغبة في كتابة رواية تستعيد الزمن وتؤسس لعلاقة الوعي بالزمن كمحاولة للانتساب للعالم وحدس الواقع المكاني، وتفاوت نسب الارتباطات بين الأنا والزمن، وإدراك العالم على أنحاء مختلفة بعيدا عن ميتافيزيقا الجسد، وعن هيراقليطس وهو يخاطب مستمعيه» لا تصغوا إليّ بل اصغوا إلى صوت اللغوس».
الرواية وهي تؤسس مشروعيتها بعيدا عن أوديسا العقل كانت تتجاوز المعهود والطمأنينة لصالح القلق الذي نصادفه في أعمال بوشكين. والمحرم الذي أفضى بغوستاف فلوبير إلى مثول «مدام بوفاري» أمام القضاء الفرنسي. والاحتفاء بالغموض في قصص إدغار آلان بو. وبالرعب في رواية «فرانكشتاين» لماري شيلي. والخوف من مصاصي الدماء لجوزيف شريدان. والخيالات المجنحة لخورخي لويس بورخيس، غير أن الرواية وهي تجد في هذه الطاقة التخييلية إمكانات جمالية رفيعة كانت تستند إلى ما يسميه تودوروف بالعجائبي المرتبط بالتردد والالتباس.
«فالعجائبي يحيا حياة ملؤها المخاطر، وهو معرض للتلاشي في كل لحظة، يظهر أنه بالأحرى في الحد بين نوعين، هما العجيب والغريب، أكثر مما هو جنس مستقل بذاته. ويبدو أن واحدة من اعظم حقب الأدب فوق الطبيعي، هي حقبة الرواية السوداء، تحمل إثبات ذلك. «ص 65 من كتاب تزفيتان تودوروف «مدخل إلى الأدب العجائبي» ترجمة الصديق بوعلام وتقديم محمد برادة.
وينماز الأدب العجائبي بالرغبة في الانزياح عن المعهود، وهو ما يحقق لهذا النمط من الكتابة ممكنها الجمالي. وعلى نحو خاص فقد أعاد الفانتاستيكي والعجائبي والغرائبي في تشكلاته المختلفة، الاعتبار لجنس الرواية انطلاقا من المتخيل السردي المخصوص ولعوالمه التي تتداخل عوامل مختلفة في تشكيلها. فالرواية الفانتاستيكية تحتفظ بالواقع المعاش كنقطة انطلاق لتشيد عالما سرديا على نحو ما نجد في رائعة خوان رولفو الموسومة بـ«بيدرو بارامو»، حيث يتعايش في قرية كومالا الأحياء والأشباح فوق الأرض وتحتها. الفانتاستيك هنا قوى غير مفهومة ملتبسة من حيث الكيان وصورها المنتجة غير المكررة تعتمد على كون السارد ينتج لنا نماذج لقوى مخيفة ومرعبة ومهددة، انطلاقا من صورة غير نموذجية وغير معادة. وتبعا لهذا السياق فالفانتاستيك ليس مفهوما أحادي المعنى، فلقد ارتبط هذا المصطلح بوصفه انتفاءً للألفة، وبالغرابة التي يصفها مارتن هيدغر بالحيز المكاني الفارغ.
في الفانتاستيك الحيز ملتبس ولغز غير مفهوم. أما القوى فهي فوق طبيعية وغير مألوفة، لأنها صورة متخيلة لممكن كينونة أخرى في الوجود. أما الغريب فهو تحول في الكيان من صورة مألوفة إلى أخرى غير مألوفة. وعدم الألفة يتأتى من عدم فهم التحول، ومن ثم يُصار الحكي إلى الكشف عن صيرورة التحول من أجل الفهم. أما العجيب فهو الانتقال من حال إلى حال.. فالحدث هنا متحول، على سبيل الذكر تحول غريغور سامسا إلى حشرة في رواية «المسخ «لفرانز كافكا. والانتقال من ضفة إلى أخرى ينتج عنه سوء الفهم الناجم عن استضمار صيرورة التحول. أما القوى فهي طبيعية غير أن عدم ألفتها يأتي من انتقالها من حال إلى حال لأنها صورة متخيلة عن طريق استبدال الكينونات.
وفي السياق نفسه فالعجيب هو انتقال من حالة إلى أخرى مثل الانتقال من الفقر إلى الغنى، أو من البشاعة إلى الجمال بفعل تدخل قوى سحرية. هذه الرؤية المرجعية تمكننا من فهم تحولات عائلة بويندا في بلدة ماكوندو، ومظاهر السعادة بين « العقيد أوريليانو» و»بتراكوتس»، واللعنة القاسية المجسدة في حياة أورسولا في رواية «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز. فالحدث في العجائبي هو مجابهة بين قوى إنسانية وقوة سحرية. وعدم ألفة هذه القوى لا يأتي من كينونتها، بل من أفعالها لكونها تجسيدا لصور متخيلة لممكن كينونة رمزية موروثة.
الأدب يرتبط بالكتابة التي تعلن بداياته في الفضاء الأدبي تبعا لتصور موريس بلانشو. والفانتاستيك يرتبط بمشروعيته الجمالية انطلاقا من إبدالاته النصية، وطاقته التخييلية التي تجعله مساهما على نحو فاعل في دينامية زمنية لا تنفك في التلاشي والتكون، متجاوزا الفهم الأرسطي للزمان بوصفه تتابعا للأفعال السردية. ومساهما في مد الجسور مع الأشكال السردية القديمة التي تحتفي بالحيوات بعيدا عن جلبة الفروسية والواقعية، واقترابا مما يسميه جيل دولوز بالشخصية المفهومية المتسمة بالغموض والسرية المفرطة. ولكونه يبدد الادعاء بكونه يرتبط بالعوامل الأسلوبية واللغوية، لأنه يحلم بتشييد العالم وفق صياغات تستعصي على الفهم الخطي والمعهود القرائي، فإنه يشير إلى الاختلافات والاختلالات، وإلى الذات المبهمة وإلى التشظي واللامتناهي لما نعتقد أنه مكتمل ونهائي لشخصيات فقدت الأرض، لأنها كانت منشغلة بالميتافيزيقا بدل الكينونة.
ولأنه كذلك يمكن عده بوتقة لنشاط إبداعي يتسم بتعدد مكوناته وأفقا للتفكير في الوقائع الجديدة وتقاطعاتها بعد الدعامات النظرية التي راكمتها بشكل خاص المدرسة الشكلانية وكتابات كاستيس، وروجي كايو، وأندريه ميكيل، وإيرين بيسبير، فضلا عن الرؤى العربية على نحو ما نجد لدى شعيب حليفي في «شعرية الرواية الفانتاستيكية»، ومن ثم يمكن عده فاعلية ترميزية لما نعيشه، لكونه يمنحنا القدرة على تجاوز الأشياء بالمفهوم البشلاري لأنه يرتبط بالالتباس والمحتمل الجمالي.

كاتب مغربي

عبد السلام دخان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية