لا يحتاج الأمر لأكثر من العودة لمسلسل شهير بإسم «الكتابة على لحم يحترق» أو مسلسل أردني ريفي شهير إسمه «قرية الفرجة» مع فارق جديد هذه المرة..على كادر «الجزيرة»، وتحديدا نقلا عن فضائية الحشد الشيعي المتباهية يقف نوري المالكي وقاسم سليماني وسط حلقة من الميليشيات كـ»مصاصي دماء» يترقبان لحظة الإنقضاض الأولى على لحم الأبرياء من أطفال الفلوجة.
كما يحصل في حمص تماما تعاقب الفلوجة كلها شجرا وحجرا وبشرا لأنها خضعت بقوة الإرهاب القسري وقطع الرؤوس لمصاص دماء ثالث يزعم تماما هو الآخر ما يزعمه القاسمي والمالكي، فالحرب كلها من أجل السماء وبالوكالة عنها والجميع كفار برأي الطرف الآخر.
يحتار المرء وهو يتلقف الصورة نفسها في محطة «العربية»… من هو الأجبن؟ من قرر مبكرا وضع المدنيين في فالوجة الأنبار درعا يحمي أوهامه بخلافة مبتكرة صنعت في أقبية أجهزة الإستخبارات الغربية أم من يعقد إجتماعا عسكريا بكل أوسمته العسكرية عنوانه قتل كل نفس حي في مدينة الفلوجة المكلومة.
الفارق بسيط برأيي الشخصي الأول نقول نحن من أهل السنة إنه «مجرم وخارج عن الدين» أما الثاني فهو بطل قومي تدرب في معاهد عسكرية وأسقط من حساباته «شرفها» وهو يقبل بالاجتماع أصلا مع مجرمين باسم «عصبة الحشد» .
لبيك يا عباس
الفلوجة مثلنا تماما علقت بين «مجرمين» في أتون حرب طائفية يستفيد منها فقط أفغيدور ليبرمان وزير الحرب الإسرائيلي الجديد… المجرم الأول يضع عمامة سوداء أو بيضاء ويعدنا بالجنة والموت ويزعم أنه سيحرر الأمة والثاني بلا إنتصارات حقيقية يقود حربه ضد لحم الفلوجة المحترق تحت شعار «لبيك يا عباس».
عباس الصحابة والأنبياء والشرفاء بريئون تماما من هذا التوظيف والتلوث المذهبي الفكري وها هو نتنياهو يحتفل فيستعين بليبرمان، بينما قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، يحمل نياشينه وخبراته ويقف على أبواب الفلوجة برفقة أكبر لصوص العراق ليراقب اللحم وهو يحترق.
يحتفل نتنياهو فيما يسهر البغدادي والعدناني والقحطاني وكل «الزمرة» إياها على تخييب آمال الأمة في مشاهدة ولو رصاصة واحدة فقط تتجه ضد من يحتل المسجد الأقصى !
تقنية الخطاب الملكي
شخصيا، أعجبتني التقنية العصرية الحديثة، التي استخدمت في بث التلفزيون الأردني للخطاب الأخير للملك عبدالله الثاني، بمناسبة عيد الإستقلال ومئوية الثورة العربية الكبرى.
أقف في مقدمة الصف عندما يتعلق الأمر بالأداء البائس لإدارة الإعلام في الديوان الملكي طوال الأعوام الخمسة الماضية، خصوصا بعدما غادرها المهنيون الأفذاذ وتخطفتهم المناصب.
ولكن الأداء كان عصريا وحديثا ومؤثرا عندما تعلق الأمر برؤيتي كمواطن للملك يتحدث لي من القلب للقلب ويختلط صوته كمعلق بالصورة والتاريخ، بدون وعظ أو إرشاد أو أدوات خطابة كلاسيكية… لعله أبرز خطاب سمعته للملك في الجانب التقني وليعذرني الزملاء الذين لم يعجبهم الأمر فقد أعجبني .
احتفل بالاستقلال وادفع «مخالفة مرور!»
بمناسبة عيد الإستقلال أيضا تحدثت فضائية «رؤيا» المحلية مع عشرات المواطنين في أجواء الإحتفالات، خصوصا بعدما انقسم رجال الأمن العام لقسمين – كما حصل في مدينة العقبة وفقا لأحد الأصدقاء – الجزء الأول يوزع الأعلام والإبتسامات على المواطنين، والجزء الثاني يوزع مخالفات المرور على السيارات المزدحمة والمحتفلة.
يبدو أن تقنية «الجباية» إياها – التي تحدث عنها رئيس الوزراء باعتبارها الحل اليتيم للمعضلة الاقتصادية – عابرة حتى لاحتفالات الإستقلال، فقد شحن الرأي العام وتحدث تلفزيون الحكومة عشرات المرات عن احتفالات وطنية رفعت معنويات الناس فخرجوا للشوارع قبل أن تترصدهم كاميرات دائرة السير وتعدهم بتوثيق واحصاء مخالفات المرور بدعوى الاحتفال وفقا لما أعلنه الضابط المعني .
اضطررت شخصيا للدوران بسيارتي حول أربعة أحياء حتى أصل لنقطة سكني، بسبب إغلاقات مرورية، لأن الخيل والهجن كانت تتدرب في الموقع، ولم ألمس إعتراضا من دائرة السير على وقتي وعلى استعمال الشارع العام لغايات التدريب على إحتفالات وكنت فرحا كمواطن بالواقع ولم أشعر بأي سوء إلا عندما علمت بأن المحتفلين ستحرر مخالفات بحقهم.
في الأحوال كلها الفوضى المروية، التي تثيرها المواكب الرسمية عندما تعبر شخصيات نافذة لا تثير غيرة الجهات المختصة على «القانون» ومرة أخرى كان يمكن للناس أن تفرح بالاستقلال لساعات عدة بدون مخالفات مرور، لأن التجمهر والتجمع بحد ذاته كان شغفا وطنيا… مرة أخرى الحكم في واد والأجهزة التنفيذية في واد آخر تماما .
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين