«الفرسان البيض» للبلجيكي جواكيم لافوس: السّوق الأسود للمنظّمات غير الحكوميّة البيضاء

حجم الخط
0

باريس- «القدس العربي»: قد يكون من بين ما أراد له الفيلم أن يصل إلى مُشاهده هي تلك الحالة في الوسط ما بين خياريْن لا مبرّر إخلاقي لأي منهما، ولا خيار ثالث يكون مَخرجا لتلك الحالة. ليس من السهل، لا أثناء المُشاهدة ولا بعدها، لا التّمني بأن تحقق المنظّمة غير الحكوميّة مَهامها ولا التمني لها بالإخفاق، لما سيترتّب على ذلك في كلا الحالتيْن.
يعود ذلك الإرباك إلى أسباب منها القصّة الحقيقية التي قام عليها الفيلم، والحوارات التي دلّت عليه حول الاحتماليْن، والأداء اللافت لصاحب السعفة الذهبية عن أفضل ممثل في مهرجان كان الأخير، فانسان لاندون (جاك) قائد المجموعة الملائم سلوكه للاحتماليْن: إنّها منظّمة تسعى لإنقاذ الأطفال مرّات، وتسعى للإتجار بهم مرّات أخرى.
عُرض فيلم المخرج البلجيكي جواكيم لافوس «الفرسان البيض» في مهرجاني تورنتو وسان سبستيان، وينقل قصّة حقيقية لمنظّمة غير حكوميّة فرنسية اسمها «Zoé’s Ark»، التي حاولت أن ترحّل 103 أطفال من تشاد إلى فرنسا، كي يتم تبنيهم هناك، كان ذلك في 2007 ورافقه جدال كالذي يثيره الفيلم لدى مُشاهده، انتهى باتهامهم بالتّجارة بالأطفال.
أمّا الفيلم فأحداثه تدور في دارفور، والمنظّمة اسمها «تحرَّك من أجل الأطفال». يبدأ بأفراد المنظّمة، معهم صحافيّة (فاليري دونزيلي) بكاميرتها لتنجز ريبورتاجاً عن عمل المنظّمة، يصلون بسيارات الدفع الرباعي إلى بيت في الصحراء ليكون مقرهم، مجهّزين بالمعدّات، بينهم طبيب وممرضة. تبدأ رحلتهم في البحث عن أطفال يتامى، يصرّون على أن يكون الأطفال يتامى، يتعاملون مع سماسرة، يصلون إلى قرية ويتّفقون مع من بدا المسؤول عنها بتزويدهم بالأطفال، وذلك لإخراجهم من القرية إلى فرنسا ليتم تبنيهم والاعتناء بهم ضمن شروط حياتيّة جيدة، كما يقولون، تتطوّر القصّة وتتطوّر التعقيدات والصعوبات ليحصلوا على عدد من الأطفال ويجهّزون لذهابهم جميعاً إلى فرنسا.
لكن، وعلى طول الفيلم، هنالك شكوك في عمل المنظّمة الغامض في بعض جوانبه، وشكوك في كيفيّة حصولها على ما تريده، فجاك يسرع، كما يبدو، في تقديم المال، مرّة رشوة ومرّة يسميها مكافأة، يسلّم أوراقاً نقدية مضمومة، باليد، بدون وصل وبدون وثائق، اتفاقهم مع مسؤول القرية أثار العديد من الشكوك، فالطرفان يكذبان على بعضيْهما، هم يريدون بأي وسيلة الحصول على الأطفال، وهو عينه على مكافأتهم، يغشّهم بأطفال غير يتامى ويأخذ مالهم، إضافة إلى كل ذلك لا نرى لهم أي عمل رسمي مع جهات معروفة للحصول على ما أتوا من أجله.
والتوتّر المسيطر على معظم الحوارات قد يخرج عن نطاق العاديّ، بعضه غير مبرّر في السّياق، إلا إن اعتبرنا أنّ هنالك ما يقلقهم غير الحصول على الأطفال وترحيلهم بسرعة قبل أن يكتشف أحد أمرهم، حتّى طائرة النقل التي ستصل بهم إلى فرنسا تمَّت رشوة من يستطيع تدبيرها، وتعاملهم مع السمسار غير الراغب في أن تصوّره الصحافيّة، غير المدركة لكل ما يحصل كما يبدو، بدون أن يعني ذلك أنّها لا تحمل وداً لهم.
طلب منها جاك مرّة منحها صوراً لأهالي الأطفال بعد زيارتهم للقرية، للتدقق منها. رفضت فسألها كم تريد لمنحه الصّور فأجابت بأنها ترفض للمبدأ وليس للمبلغ. في هذا الحوار القصير بين قائد الفريق والصحافية ندرك فرقاً بين الاثنيْن، بين من يعمل لمبدأ ومن يعتقد بإمكانيّة رشوة الجميع وشرائهم، هذه الصورة المتكرّرة عن جاك تثير شكوكاً أكثر تجاه المبدئيّة في عمل المنظّمة.
لكن هل يحتّم ذلك أن المنظمة تهرّب الأطفال للاتجار بهم؟ ليس تماماً، وهنا كان الاحتمالان اللذان أشرت لهما في بداية هذه الأسطر، بمعزل عن القصّة الحقيقية، لسنا أكيدين تماماً إن كانت منظّمة جاك تسعى حقيقةً لإخراج الأطفال اليتامى كعمل إنساني يقوم به متطوّعون أم كانت تسعى لتهريب أطفال إلى فرنسا والتربّح منهم. قد تكون بعض التفاصيل ترجّح الاحتمال الأخير، وأميل إليه، إلا أنّ الجواب يبقى غير حتمي.
ينتهي الفيلم بدون أن يدرك المُشاهد إن أراد فعلاً للأطفال أن يخرجوا أم أن يبقوا، للقصّة أساساً دورٌ في إيجاد هذا الإرباك، لكنه ما كان ليوجد بدون الحوارات الجيّدة وبدون الأداء المربك، كان لا بد أن يكون مربكاً، لفانسان لاندون.

سليم البيك

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية