لا نتصور أن أحدا من المصريين انتظر التعديل الوزاري، ويده على قلبه، فقد لا يقدم التعديل حلا، ولا يؤخر غضبا، والغالبية الساحقة من المصريين، لا تنتظر تغييرا جوهريا مع تبدل الوجوه، وحتى لو جرى تغيير الحكومة بكاملها، واستقدام رئيس وزراء جديد، فالمشكلة الكبرى ليست في الوزراء، ولا في الوزارات، بل في السياسات التي لا تصنعها الحكومة، بل يصنعها الرئيس وحده.
ورغم صياغة دساتير جديدة، والتغير السريع نسبيا في أسماء الرؤساء خلال سنوات ما بعد الثورة، فإن القاعدة ظلت كما هي، وظل الرئيس هو الرئيس، وهو الذي يصنع أدواته التنفيذية، ويختارها غالبا حسب تقارير الأجهزة. والحكومة التي نعرفها، يأتي أفرادها عبر ترشيحات وتزكيات الأجهزة، ونادرا ما تكون بينهم كفاءة تلفت النظر، حتى في حدود المعنى البيروقراطي أو التكنوقراطي الضيق، فلا لمسة سياسة لدى أحدهم، وهذا مفهوم بحكم طرق التفضيلات المتبعة، وبلا كفاءة تنفيذية غالبا، اللهم إلا في استثناءات تشذ أحيانا على قاعدة العجز الخلقي العامة، فأغلب الوزراء لا يختلفون في الهوى عن أسلافهم من وزراء المخلوع مبارك، وإن تراجعت ـ ربما انحطت ـ معايير الكفاءة المهنية، وهم أقرب إلى «فرز عاشر» من المخازن القديمة نفسها، وإلى موظفين متواضعي الذكر والقيمة، يجيئون ويذهبون، دون أن يتذكرهم أحد، اللهم إلا عند ضبط أحدهم متلبسا بقضية فساد، وعلى طريقة ما جرى لوزير الزراعة السابق صلاح هلال المسجون مدانا في قضية «رشوة الكرافتات».
أكثر من ذلك، لا تبدو الحكومة التي نعرفها هي الأداة التنفيذية الوحيدة، ولا تبدو في موضع ثقة خالص للرئيس السيسي، اللهم إلا بعض الوزراء، بينهم ـ بالطبع ـ وزراء السيادة، كما بعض الآخرين من وزارات تنفيذية، يشكلون جميعا ما قد تصح تسميته بالحكومة الوسيطة، ويجتمع بهم الرئيس على نحو متواتر، ويناقش معهم أدق التفاصيل التنفيذية، وبالذات في المشروعات الكبرى الجديدة، التي تتولاها غالبا حكومة الرئيس الأولى، أو ما قد تصح تسميته «حكومة الجيش».
وقد لا يصح لعاقل إغفال وجود الإنجاز، لكن الانحياز يبدو غائبا وضبابيا، والانحياز هو جوهر السياسة، التي تغيب بدورها في الاختيارات الداخلية بعامة، فأولويات التصرف بالموارد المتاحة هو جوهر السياسة الاقتصادية، والموارد هائلة على نحو ما يبدو في إنجاز مشروعات تكلفت نحو تريليوني جنيه مصري من خارج موازنة الدولة، وقد كان ممكنا ولا يزال، أن تذهب في سبل أخرى أكثر إلحاحا، وليس فقط في أعمال البنية الأساسية الضرورية، كالطرق والمدن ومحطات الطاقة الجديدة، ومن الممكن توجيهها، أو حتى توجيه نصف الموارد لبناء مصانع كبرى، فلا حل لأزمة اقتصاد البلد سوى بأولوية التصنيع الشامل، وبناء قاعدة إنتاجية متسعة، تمتص فوائض البطالة، وتنتج سلعا مصنعة، تحل محل الواردات وتضاعف طاقة التصدير، وقد جرى ويجري شيء من ذلك، وإن كان أقل كثيرا من حدود الكفاية المطلوبة، وثمة مصانع أساسية عامة في مجالات النسيج والسيارات والحديد والصلب والأسمدة والإسمنت وغيرها، يجري إهلاكها وتخسيرها، ومن الواجب أن تمسها بركة الإنجاز السريع، وأن تنهض سياسة شاملة، تدمج الصناعات العسكرية والمدنية، وتعبئ الموارد المالية والفنية، وتنقذ مشروع المليون ونصف المليون فدان، الذي يتباطأ إنجازه، ويكاد يضيع في دهاليز البيروقراطية الفاسدة، ومن الممكن، ومن الواجب، ألا يترك أثر البداية فيه يذهب مع الريح، فالزراعة الحديثة تحولت إلى صناعة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي لا يتم بأعمال مقاولات متناثرة، تقيم إنجازا هناك، وتترك الخراب في الأراضي الزراعية القديمة حول النيل، بفوضى قرارات بيروقراطية عبثية، تحول الفلاحين إلى معدمين، ولا تنتهي سوى بمزيد من تبوير الأراضي، وزحف عشوائيات مباني الأسمنت على ما تبقى من الأراضى الأكثر خصوبة، وقد لا يتسع المقام لتفاصيل أكثر، فالمهم هنا ظاهر بغير التباس، وهو ضرورة وجود سياسة اقتصادية حاكمة، وهذه هي الفريضة الغائبة إلى الآن، ولا يفيد في تبرير الغياب، إطلاق كلمات مجوفة عائمة من عينة «اقتصاد السوق» و»ضبط السوق»، فلا شيء منضبط في مصر الآن، ربما عدا قطاع الإنجاز بإدارة وإشراف هيئات الجيش، وضع من فضلك خطا أحمر فاصلا، وتأمل ما يجري بعده، فلن تجد سوى فوضى التخريب الشامل، والهلاك باسم الإصلاح، والعودة إلى عناوين « الخصخصة» و» المصمصة» و»روشتة صندوق النقد»، وتحميل أغلبية المصريين تكاليف وفواتير إنقاذ لا يأتي أبدا، وليس خافيا ما جرى بعد تعويم الجنيه وخفض دعم الطاقة، فقد احترقت أيادي وجيوب الفقراء والطبقات الوسطى، وصارت أسعار السلع الأساسية تزيد كل يوم، بل كل ساعة، ودون أمل في وقف توحش الغلاء عند حد منظور، فالجهاز الإداري للدولة فاسد بالجملة، وطبقة المحتكرين تصنع أسعار السوق، والحكومة التي نعرفها هي أم الفساد والعجز، وتسعون بالمئة من المصريين صاروا تحت خط الفقر، ويبشرونك بالمزيد من إحراق غالبية المصريين في أفران الغلاء، وعلى طريقة خطط زيادة أسعار وفواتير خدمات المياه والغاز والكهرباء والنقل، وبرامج الإلغاء الكلي للدعم المتبقي في مجالات الطاقة والغذاء، وبدعوى أن موازنة الحكومة يتفاقم عجزها، وأنها لا تستطيع مواصلة تقديم الخدمات المتاحة بالأسعار المدعمة، وهو كلام يبدو لطيفا في ظاهره، وإن انطوى على تزييف وخداع جوهري، فلم يحدث أبدا أن انخفض عجز الموازنة مع تعويم الجنيه وخفض الدعم، بل تضاعفت فواتير وأقساط وفوائد الديون الخارجية المقومة بالدولار، الذي اقترب سعر صرفه من حاجز العشرين جنيها بعد التعويم، كما تضاعف عجز الموازنة نفسه، وإن كان التحسن الوحيد الذي جرى عرضيا هو خفض الواردات، وتناقص العجز في الميزان التجاري بقرابة التسعة مليارات دولار، حسب الأرقام الرسمية، لا لشيء جديد، سوى عجز المستوردين عن توفير الدولارات بأسعارها المجنونة، وليس لتوافر سلع مصرية بديلة بأسعار معقولة، وقد يكون تقييد الاستيراد مطلوبا، ولكن بشروط سياسة جديدة، توفر المدخلات المحلية لصناعة حقيقية، وليس صناعة صورية وتجميع وتغليف، كما هو قائم الآن غالبا، مع وقف حمى الاستدانة الخارجية، ووقف تنفيذ برنامج الخراب الذي يشرف على تنفيذه صندوق النقد الدولي، ووقف ما تبقى من برامج إلغاء الدعم، فليس بوسع غالبية المصريين أن يتحملوا أكثر، وليس بوسعهم أن يواصلوا بطولة البقاء على قيد الحياة، وليس بوسعهم أن يداروا غضبهم ونفاد صبرهم، فمستويات الدخول والأجور تتآكل، والجنيه المصري صار يساوى «بصلة» بالمعنى الحرفي، ومتوسط الأجور للذين يعملون أقل من عشر متوسط الأجر العالمي، ويراد لهم أن يشتروا كل شيء بالسعر العالمي، فما بالك بالعاطلين والذين بلا دخل منظور، وهؤلاء هم الأكثر عددا بين الفقراء والطبقات الوسطى، ولا تكفيهم بالطبع صدقات الحماية الاجتماعية المزعومة من نوع برامج «تكافل» و»كرامة»، ولا تسد رمقهم مئات الجنيهات التي تصرف لهم شهريا، بينما حد الفقر في مصر الآن يكاد يصل إلى ستة آلاف جنيه شهريا، وهو ما يبرز حقيقة تفشى الفقر في مصر الآن، وانزلاق الطبقات الوسطى إلى قاع البؤس، بل وتحميلهم وحدهم فواتير الإنقاذ المزعوم للاقتصاد المنهك، وبدعوى عجز الموارد المتاحة، مع أن العجز مصطنع، والموارد الذاتية التي يمكن توفيرها هائلة، لو توافرت سياسة عادلة، فالفساد يستنزف ما يزيد على مئتي مليار جنيه سنويا، أي أن فاتورة الفساد وحدها، تساوي ضعف تكلفة الدعم الذي يريدون إلغاءه، وتساوي حصيلة الضرائب التي تجمعها الحكومة سنويا، بينما فاتورة التهرب من دفع الضرائب تصل سنويا إلى 400 مليار جنيه، أي إلى ما يساوي 22 مليار دولار بأسعار الصرف الحالية، والرقم الأخير رسمي تماما، وأعلنه عمرو المنير نائب وزير المالية لشؤون الضرائب، وهو يساوي نصف إجمالي الموازنه الحكومية، لكن أحدا لا يريد أن يلتفت إلى تحصيله، والسبب مفهوم، فلا تستطيع الحكومة أن ترفع عينها إلى أعلى، ولا أن تقود حملة لتحصيل حقوق الدولة الضائعة عند الكبار، وهم طبقة الواحد بالمئة من المصريين، التي تحتكر نصف إجمالي الثروة المصرية، وهؤلاء وحدهم لا يمسهم أحد، ولا يجرؤ على التفكير في فرض نظام الضريبة التصاعدية على الدخل، والكفيل بمضاعفة موارد الموازنة العامة في ضربة واحدة، بل يدللهم الحكم، ويخضع لإرهابهم ومصالحهم، ويلغي ضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة طاعة وانقيادا لمشيئة المضاربين والمحتكرين، مع أن صندوق النقد الدولي نفسه، طالب بإعادة فرضها، ومع إلغاء ضريبة البورصة، جرى إلغاء الضريبة الاجتماعية التي كانت تقررت بأمر رئاسي، وكلها تصرفات تبدد موارد البلد، وتترك المجال خاليا للصوص، وتفاقم الفساد الذي يعترف به الرئيس السيسي نفسه، ويعتبر خطره مساويا لخطر الإرهاب، مع أن الفساد أخطر بمراحل، ولا تكفي الحرب المتقطعة ضده بغارات الرقابة الإدارية وغيرها، فالمطلوب شيء آخر مختلف، هو السياسة العادلة لا مقاولات الإنجاز المتفرقة، المطلوب تغيير يصنع السياسة، ويهتدى بعلامات التصنيع الشامل وكنس الفساد والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطنى والديمقراطية السياسية، المطلوب صناعة نظام سياسى، وليس مجرد سلطة أمنية، والبديل هو أن تأكلنا الفوضى التي تزرع الغضب.
كاتب مصري
عبد الحليم قنديل