حتى قبل أن يتضح مصير ما تسمى «فضيحة الطريق السيّار شرق ـ غرب» المنظورة أمام محكمة جنايات الجزائر العاصمة منذ أسبوعين، أُعلِن أن محكمة جنايات مدينة البليدة بجنوب غرب العاصمة بدأت أمس نظر «فضيحة أخرى» دخلت سجلات التاريخ هي الأخرى، تسمى «قضية عبد المؤمن خليفة».
يمكن النظر إلى النصف المملوء من الكأس والقول إن في هذا الاستعجال عزم السلطة الجزائرية على محاربة الفساد المستشري من خلال ترك العدالة تأخذ مجراها في أكبر قضيتي نهب واستيلاء على أموال الشعب.
لكن ليس من الفطنة تجاهل النصف الفارغ من الكأس. فهذا الإصرار قد تكون وراءه رغبة في التخلص من بعض ملفات الفساد التي تزكم روائحها الأنوف منذ سنوات ولم يعد ممكنا الاستمرار في إخفائها. إضافة إلى أن كثرة قضايا الفساد ونهب المال العام تجعل من الصعب على السلطة تجاهلها كلها وكل الوقت. وهناك أيضا عامل البحث عن امتصاص قليلا من النقمة الاجتماعية على هذا الفساد المستشري بين زُمر في دوائر الحكم تزداد ثراء، مقابل فقر مدقع يفتك بفئات عريضة من عموم الناس.
إذاً، التقت أكثر من مصلحة وسبب في الدفع باتجاه طي بعض قضايا الفساد، وكلها تخص نهب المال العام واستعمال السلطة والنفوذ والثراء الفاحش بغير وجه حق.
يجب الاعتراف بأن الفساد والطمع في المال العام «ثقافة» غير جديدة في المجتمع الجزائري (قديما كانت كلمة «البايلك» هي الشائعة في إشارة إلى الملك العام السائب الذي لا يخص الفرد مباشرة)، لكنه تطور مع الزمن والحقب السياسية ليصل ذروته في عهد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.
في فترة بوتفليقة غاب الحياء وانهارت ثقافة الدولة واختفى الخوف من العقاب، فأصبح الاستيلاء على ما للدولة رياضة وطنية يتزعم ممارستها قادة ومسؤولون كبار في الدولة. والدليل أن القضايا الكبرى المطروحة أمام المحاكم اليوم تتضمن كلها أسماء وزراء ومسؤولين كبار، كمتهمين وكشهود، لكنهم لا يُمسّون بسوء، بل بعضهم كوفئ بترقيات وظيفية وإدارية.
لسوء حظ الجزائر وعامة الجزائريين (وحسن حظ اللصوص) أن فترة بوتفليقة شهدت طفرة كبرى في أسعار النفط جعلت مداخيل الجزائر من العملة الصعبة تتضاعف في سنوات معدودة.
ونظراً لعجز الرئيس وحكوماته المتعاقبة عن إبداع حلول اقتصادية ناجعة لأزمات المجتمع الجزائري، كان اللجوء إلى الحلول السهلة: رشوة المجتمع بمشروعات لا تتوفر على أركان الصمود، مثل برامج تشغيل الشباب بمنحهم قروضا ميسَّرة وهبات مالية. وهكذا وُزِّعت المليارات يمينا وشمالاً دون أن تخلق فرص عمل ومشروعات جادة.
كانت هذه البرامج أكبر كذبة لإلهاء المجتمع، بل لإفساده. كانت ثمرة هذه البرامج الأبرز تسرب ثقافة الطمع (في أخذ القروض وعدم تسديدها لأي سبب من الاسباب) إلى عقول الجزائريين فتحولت إلى موضوع حديثهم المفضل. في الأثناء كان الحوت الكبير يغرف من خزائن الدولة بلا حسيب.
كانت هناك أيضا في عهد بوتفليقة مشروعات كبرى أغرت بالخوض فيها خزائنُ الدولة المتخمة، الطريق السيار شرق ـ غرب أحد هذه المشروعات. لكن وبدلا من أن يصبح هذا المشروع مفخرة ورمزاً مضيئا، تحوّل إلى أحد أبرز عناوين نهب المال العام: أكثر الأرقام تحفظاً تقول إن هذا الطريق الذي يناهز طوله 1200 كلم استنزف ضعف ميزانيته الأولى حتى قبل أن ينتهي.
اليوم، تتكدس مئات ملفات الفساد في مكاتب القضاة والمحققين، خليط من قضايا «السردين» الذي نال الفتات، وبعض من قضايا سمك القرش.
الذي يقرأ الصحافة الجزائرية هذه الايام يلمس نبرة تشاؤم في مصير القضايا/الفضائح المنظورة أمام المحاكم. أغلب التوقعات تذهب باتجاه عدم انتهاء القضايا إلى محاسبة المذنبين الحقيقيين من كبار اللصوص، أو في أحسن الأحوال التضحية بأحدهم لذر الرماد في العيون.
أسباب التشاؤم مشروعة وقوية. فالجزائر ليست صاحبة رصيد يُذكر في الشفافية وتحقيق العدالة وحماية المال العام. والجزائريون يدركون، من تجارب سابقة، أن تحقيق العدالة في القضايا الجنائية الكبرى لم يكن يوما بنداً رئيسيا في جدول اهتمامات السلطة (قبل وبوتفليقة ومعه). في أغلب الحالات لا يخرج الأمر عن تصفية حسابات داخل النظام ومع مسؤولين سابقين أُطيح بهم وفقدوا سطوتهم.
وهناك أسباب موضوعية يتعلق بعضها بأسئلة حول قدرة القضاء الجزائري على الفصل في هذه القضايا بكل ما فيها من تعقيدات وامتدادات إلى الخارج تتداخل مع قوانين دول أخرى وتحتاج للاستعانة بخبرات دولية وترجمات لعدة لغات، وما يتطلب ذلك من وقت وجهد وإمكانات.
ولا يبدو القضاء الجزائري، بتركيبته البشرية والبيروقراطية، جاهزاً لمعارك كبرى خارج حدوده. إذا صحت رواية أن المنظومة القضائية/الأمنية الجزائرية عجزت عن إقناع الشرطة الدولية (إنتربول) بملاحقة وزير النفط السابق شكيب خليل الهارب في الولايات المتحدة، بسبب خطأ في صياغة في نص مذكرة الطلب، فكيف يمكن الوثوق في قدرة هذه المنظومة على طرق عمق ملفات أخرى على الصعيد الدولي؟
تحتاج السلطة الجزائرية إلى معجزة لإقناع الرأي العام المحلي بصدق نواياها (إن كانت فعلا صادقة) في طي هذه القضايا بالعدل. لقد جرت مياه كثيرة تحت جسور الفساد ولم يعد ممكنا وقف تدفقها.
كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي