أهي محاولة صادقة لمنع الفساد المالي والاداري المستشري في اجهزة المنظمات الرياضية الدولية؟ ام انها انتقام من جانب بعض الدول لفشلها في الحصول على موافقة اقامة الالعاب لديها؟ اليس الفساد مستشريا في اوصال النظام الدولي ومؤسساته السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية وغيرها؟ البعض تحدث عن الفعل الامريكي بانه يهدف لـ «تدويل العدالة» والضرب بيد من حديد على ايدي المفسدين في هذا النظام، ولكن هل ان امريكا قادرة على ترويج العدالة على الصعيد الدولي؟ يضاف الى ذلك: هل التحقيق في الفساد المنسوب للاتحاد العالمي لكرة القدم تعبير عن رغبة مطلقة في القضاء على الفساد في الاجهزة الدولية ؟ وبمعنى آخر هل ان الهزة التي تعرض لها الاتحاد خطوة ضمن مشروع دولي لاستهداف الفساد والقضاء عليه امر شبيه بما تمارسه امريكا والغرب من انتقائية في السياسات والمواقف على كافة الصعدان؟ فهل سيشهد العالم استهدافا للاحتلال الاسرائيلي الذي تعتبره الامم المتحدة غير مشروع؟ وهل ستقبل الولايات المتحدة بتصديق بروتوكولات روما والانضمام لمحكمة الجنايات الدولية؟
أيا تكون الاجابة على هذه التساؤلات فثمة حقائق يجب الالتفات اليها لكي تكون قراءة ما يجري موضوعية بقدر معقول. اولاها: ان بعض الدول التي لم يحالفها الحظ للفوز باستضافة كأس العالم شعرت بالامتعاض والاهانة، وسعت بشكل جاد للبحث في خلفيات اتخاذ القرارات التي حرمتها من ذلك. ثانيها: ان التقصي الحالي قد تنحصر دائرته بما صاحب القرارات الاخيرة من فساد ورشوة، بينما سيجد الباحثون لو وسعوا نطاق عملهم تاريخا طويلا من الفساد المالي والتدخلات السياسية في القرارات السابقة كذلك وفي ما يتعلق بسياسات الاتحاد بشكل عام، وحتى في انتخاب رئيسه. فثمة اشارات واضحة للاتصالات التي سبقت الدورة قبل السابقة التي اقيمت بحنوب افريقيا، ودور الرئيس الراحل، نيلسون مانديلا في التواصل مع ادارة الاتحاد قبل اتخاذ القرار. كما سيجد فريق التقصي نفسه امام مزاعم بان جنوب افريقيا انفقت قرابة 10 ملايين دولار لضمان فوزها بعقد الدورة في 2010. ثالثها: ان الولايات المتحدة تحركت بدفع من اطراف اخرى لمد ذراعها «القضائية» الى مؤسسات الاتحاد، ووظفت امكاناتها الاستخباراتية واجهزتها العديدة لكشف ملابسات قرارات الاتحاد، وبالتالي ستكون مسؤولة قانونيا واخلاقيا عن اي خلل في البحث واي تقصير في ما يتعلق بالمؤسسات الاخرى التي توجه لها اصابع الاتهام بالفساد. رابعها: ان مؤسسات اخرى مهمة مارس كبار مسؤوليها شيئا من «الفساد» لضمان عقود رياضية وتجارية. فادارة الاتحاد العالمي لسباق السيارات «فورمولا 1» واجه اتهامات بذلك، وقدم رئيسه للمحاكمة امام القضاء الألماني بميونيخ، ولكنه استطاع الافلات من تلك المحاكمة بعد ان دفع 100 مليون دولار. وهنا يطرح التساؤل عن مدى امكان احتواء الفساد اذا كان بالامكان شراء العدالة الدولية بدولارات الاثرياء.
ثمة حقيقة تستحق التأكيد بان من الضرورة بمكان التصدي للفساد المالي والاداري في المنظمات الدولية. فالفساد آفة تنخر في الجسد الانساني حتى تقتله. واذا كانت سياسات بعض الدول التي تمتلك وفرة مالية كبيرة تعتمد سياسة شراء السياسات والمواقف بالمال سواء بالدفع المباشر للافراد، كما يحدث للكثير من البرلمانيين الاوروبيين، خصوصا البريطانيين، ام بدعم المنظمات المتميزة كمؤسسات البحث والعصف الذهني وحتى المنظمات الحقوقية، ام بتوظيف شركات العلاقات العامة للدفاع عن انظمة الاستبداد، فان جنوح بعض حكومات «الدول الديمقراطية» للممارسات التي تنطوي على فساد مالي واخلاقي امر مقلق جدا. فقد رفضت الحكومات البريطانية المتعاقبة التحقيق في ما صاحب صفقة «اليمامة» التي وقعتها بريطانيا مع السعودية في 1985 لتزويدها بطائرات التورنادو، وهي قضية ما تزال تقلق الناشطين في مجال الرقابة العامة ومكافحة الفساد. لقد اتهم محققو النيابة الأمريكيون مسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا» بما اسموه «الابتزاز والتزوير وغسل الأموال لعشرات الملايين من الدولارات على مدار 24 عاما ، ما أدى إلى «إفساد كرة القدم».» وقال المحققون إنهم اكتشفوا عشرات من عمليات التلاعب، من بينها منح تنظيم نهائيات كأس العالم 2010 لجنوب أفريقيا. ووجهت التهم لـ 11 شخصا، اعتقل 7 منهم في مدينة زيوريخ السويسرية الاسبوع الماضي، بينما سلم نائب رئيس فيفا السابق، جاك ورنر نفسه للشرطة في بلده ترينيداد وتوباغو.
واتهمت المدعية العامة الامريكية، لوريتا لينش، ان بعض المسؤولين التنفيذيين في الفيفا «استغلوا مواقعهم لاستجداء الرشاوى». كان رد فعل رئيس الفيفا، سيب بلاتر، الحظر الفوري والمؤقت لنشاط الاشخاص المتهمين. وبرغم المطالبة من جهات عديدة بتأجيل الانتخابات الرئاسية التي اجريت في المؤتمر السنوي يوم الجمعة الماضية، الا ان بلاتر أصر عليها وفاز فيها بدورة رئاسية خامسة، الامر الذي سيزيد الوضع تعقيدا. فبرغم عدم توجيه تهم مباشرة لبلاتر بالفساد المالي، الا ان تراكم تهم الفساد لـ «فيفا» على مدى العشرين عاما الماضية جعله في موقف لا يحسد عليه، واصبح رحيله مطلب شخصيات دولية عديدة خصوصا رئيس الوزراء البريطاني الذي قال انه يفضل رحيله المبكر.
وسيتضح مدى اصرار مناوئي بلاتر وادراته في الفترة المقبلة، فهل ستحدث مقاطعات واسعة للدورتين المقبلتين ام سينحصر السجال بالضوضاء الاعلامية؟
ان من الخطأ الشديد فصل ممارسات الفساد بالاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» عن الفساد المستشري في المنظمات الدولية الاخرى. والامم المتحدة نفسها ليست بعيدة عن ظاهرة الفساد الذي يتخذ اشكالا شتى. فحين تهدد امريكا منظمة الامم المتحدة الاسبوع الماضي بوقف كافة المستحقات المالية لاجهزتها اذا استمرت في توجيه انتقادات للسياسات الاسرائيلية، أليس ذلك تجسيدا للفساد السياسي والاخلاقي؟ جاء التهديد بعد ان اتضح ان مكتب الامين العام للمنظمة الدولية سوف يدعم خططا لشجب اسرائيل بسبب قتلها الاطفال الفلسطينيين مع سبق الاصرار. وتتهم الممثلة الخاصة للامين العام حول الاطفال والنزاعات المسلحة الجيش الاسرائيلي بقتل 500 طفل وجرح 3300 آخرين خلال العدوان الاسرائيلي على غزة في الصيف الماضي. فما لم تتوقف هذه السياسات الهادفة للضغط على الامم المتحدة والجهات الدولية الاخرى لتغيير سياساتها بما يتناسب مع السياسات الغربية، فسيكون من حق الآخرين استخدام ما لديهم من وسائل ضغط على الجهات الدولية لتكون مواقفها منسجمة مع سياساتهم. ان المجتمع الدولي يعاني من انتشار الفساد المالي والاخلاقي وازدواجية المعايير والانتقائية السياسية بمستويات غير مسبوقة، الامر الذي من شأنه اضعاف مبادىء العمل الدولي المشترك والتضامن الدولي لمكافحة الجريمة والفساد والمخدرات والارهاب. ومن الخطأ الكبير التعاطي مع القضايا بشكل انتقائي او منفرد، ولا بد من طرح الاخلاق كجانب اساسي في المشاريع الدولية، السياسية والاقتصادية والرياضية، واستخدام معايير مشتركة ومتفق عليها لمحاصرة الظواهر المدمرة لعالم يئن تحت وطأة الفساد على كافة الصعدان.
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي