الفساد و«الاقتصاد الشيطاني» جعلا ترويض الجوع ممكنا!

وما زلنا مع ‫«‬ترويض الجوع‫»‬، وقد نوهنا المقال الماضي عن استعانة أحد وزراء محلب بشركة أمريكية للوجبات السريعة لتطوير التعليم في منطقة ‫«عزبة خير الله‫»..‬ وهي أكبر عشوائية في البلاد، وتقع على هضبة بين حي ‫«مصر القديمة»‬ وحي ‫«دار السلام‫»‬ في شمال ضاحية المعادي الراقية في القاهرة؛ يسكنها أكثر من ستمئة ألف نسمة؛ محرومين من أبسط الخدمات، ومن الصرف الصحي، والمرافق التعليمية تكاد تكون منعدمة‫.. ‬ومنذ أن تخلت الدولة عن دورها الاجتماعي والرعوي؛ عاثت الاحتكارات والهيئات الأجنبية في مصر فسادا، وأوكلت لنفسها أدوارا كانت تقوم بها الدولة‫.‬
سبق وأن أثَرنا قبل سنتين ‫(‬في‫ 4‬/5 /2013)‬ قضية اختراق شركة احتكارية أمريكية للمشروبات الغازية للقرى الأكثر فقرا بدعوى التطوير، وحمل العنوان ‫«‬ما شأن الشركات الأمريكية متعددة الجنسية بتطوير القرى المصرية؟!‫»‬ وذلك بعد أن اعلنت تركيزها على التنمية المجتمعية؛ ‫«تجديد المدارس والوحدات الصحية، وتوصيل المياه، وإنشاء مراكز للشباب، وتطوير بعض أعمال البنية التحتية»، وتم لها ذلك في أيار/مايو 2011؛ أي بعد الثورة بأشهر قليلة‫(!!)..‬ على أن يكون المعدل تطوير عشر قرى في السنة حتى 2020.
وحين مارست نفس الشركة هذا الاختراق في الصين رضخت لضوابط الدولة لعمل الشركات الاحتكارية على أرضها، وكلفت سلطاتها الصحية بفحص وتحليل منتجاتها، وأسفر عن وجود مواد مسببة للسرطان؛ بنسبة تتجاوز نظيرتها في أمريكا بـ14 ضعفاً، ونظيرتها البريطانية بـ34 ضعفا؛ ووجدت ‫«‬المواد المسرطنة» في أربع منتجات للشركة، وتدخل في مادة «الكرامل» التي تضفي جاذبية ومذاقا على لون وطعم المشروبات‫.‬
وتلك الشركة نفسها أبرمت عقد شراكة مع ‫«وزارة الشباب والرياضة‫»‬ في القاهرة‫.‬. والفحص والتحليل المعمول به في الصين ليس على نفس المستوى في مصر‫..‬ ويتكرر الموقف مع شركة أمريكية أخرى؛ متخصصة في الوجبات السريعة؛ ‫و‬بارت منتجاتها في دول أوروبية وغربية عديدة، وأوقفت كثير من المدارس البريطانية توزيع وجباتها على تلاميذها‫..‬
ومن المعروف أن الاحتكارات والشركات المتعددة الجنسية ليست جمعيات للبر والصدقة‫..‬ أو أنها تخلت عن العمل الاحتكاري من أجل العمل الخيري، أو تحولت لإدارات تابعة لوزارات الشؤون الاجتماعية والتضامن الاجتماعي‫..‬ لترعى فقراء مصر‫..‬ وتتحمل مسؤولية تنمية ريفهم وتطوير عشوائياتهم‫!!‬ وحتى لو قامت بهذا في بلدها الأصلي فهي تخضع هناك لقوانينه وتراعي ضغط الرأي العام لمستهلكيه‫.‬
وحين علم المخرج الأمريكي مورغان سْبِريُوك بأضرار منتجات هذه الشركة؛ أجرى تجربة على نفسه، وأثبت بالدليل القاطع حجم الضرر الذي لحق به، ويلحق بالمعتمدين على هذه الوجبات‫.‬ وواظب على تناول ثلاثا منها يوميا لمدة شهر، وكان قبلها قد أخضع نفسه لفحص طبي كامل أثبت سلامته وخلوه من الأمراض‫..‬ وأثناء خوض التجربة وبعدها عرض نفسه على الطبيب، الذي شخص حالته بأنها ناتجة عن إدمان الخمر، والسبب الحالة التي وجد عليها الكبد وكانت متردية للغاية، بجانب هزال وضعف شديدين، وزيادة في الوزن بلغت 25 كيلو غراما‫ في شهر.‬
ويبدو أن الوزير المصري ‫»الهمام‫» لم يكفه بؤس أهل ‫«‬عزبة خير الله»‬ فأبى إلا أن يزيده، وسلم أطفالها وأبناءها لشركة في وجباتها «‬سم قاتل‫»‬؛ ولفظتها بلادها الأصلية وتقلص سوقها فيها، فاستدارت إلى فقراء مصر لإفراغ سمومها في أمعاء أبنائهم؛ عوضا عن البوار الذي أصابها من جراء المقاطعة التي تتعرض لها‫!!.‬
وشركة الوجبات السريعة الأمريكية؛ وقد منحها أحد وزراء محلب مسؤولية تطوير التعليم في أكبر عشوائية مصرية؛ يعكس‫ ‬وجها من أوجه ‫«ترويض الجوع‫»..‬ وهي سياسة متبعة من حكومات مصرية متعاقبة منذ ما بعد ‫«‬انتفاضة الخبز‫» في 1977‫‬ و«انتفاضة حرامية‫»‬؛ كما سماها السادات.
ويستطيع المرء أن يجزم الآن وهو مرتاح الضمير؛ بأن نظام ما بعد حرب 1973، فقد استقلاله بشكل كامل.. ويحسب‫،‬ سواء وعى أو لم يع؛ ملحقا على منظومة مافياوية عالمية كبرى؛ يتوازى أثرها على الدولة والمجتمع مع أثر ما أحدثته الوجبات السريعة على صحة المخرج الأمريكي‫..‬ بجانب الأثر ‫الفادح للإهمال الحكومي البالغ لصحة المواطنين وحياتهم.‬
والسؤال هو كيف نجحت حكومات متعاقبة في «‬ترويض الجوع»‬؟‫..‬ والرد يكمن في شروط اختيار المسؤولين؛ وهو أن يكونوا من منعدمي الكفاءة ومن فاقدي الحس الوطني والاجتماعي، بالإضافة لوجود شرطين آخرين، أولهما‫؛‬ تقديم أوراق اعتماد القبول الصهيو غربي‫.‬ وثانيهما رفض دور الدولة والعداء للقطاع العام، وهناك من رشح وزيرا في التعديلات الأخيرة، وكان تصوره أن الشروط المطلوبة متوفرة فيه‫..‬ ولما لم يحلف اليمين قيل له‫:‬ «صاحبك مش مع الخصخصة، ومتعاطف مع القطاع العام‫»(!!).‬ وهذا يبين أهمية تعقيم المسؤول من «‬فيروس‫» الانحياز للفقراء، أو تشجيع تدخل الدولة إذا كان سيحد من سطوة الاحتكارات وتجبر رجال الأعمال‫..‬ وهذا كان من أسباب إقالة محمد النواوي؛ المدير التنفيذي للشركة المصرية للاتصالات، فلم يكن على هوى أصحاب شركات المحمول الكبرى‫:‬ ‫«‬موبينيل‫»‬ و‫«فودافون‫»‬ و‫«‬اتصالات‫»‬، وعوقب بسبب لتحمسه لشركته، وتأييده لتملكها شبكة رابعة للهواتف المحمولة‫..‬ وتساهم فيها الدولة والمصارف العامة بـ80٪ من الأسهم، ويبدو أنه نسي أن شرطا أساسيا لتعيينه وتعيين أي مسؤول في مؤسسة تملك فيها الدولة هذا الكم من الأسهم؛ هو أن يتولى تخريبها وتخسيرها والإسراع في خصخصتها‫..‬ وكان سيكافأ ويرتقي إلى أعلى المناصب، فمهمة المسؤول في مصر تخريب البلاد وإذلال العباد‫!!‬
والجوع أعلى درجات الفقر؛ لا يُوفر للفرد الحد الأدنى من الغذاء والشراب لاستمرار الحياة، مع معاناة التشرد وفقدان المأوى، والعجز عن تلبية متطلبات العلاج.
والجوع أوجد جوعا آخرا؛ هو «الجوع المعرفي» أو الثقافي، الذي انهار بالقيم الثقافية والاجتماعية والأخلاقية، وأوقع غالبية المواطنين نهبا للتضليل والدجل والسحر والنصب والكذب.. وهو ما أدى إلى إدانة المعارف غير المنقولة وغير التلقينية، وإلى إهدار قيمة العلم وإهمال التعليم، والعزوف عن الاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين من المتقدمين، وتحول كثير من الشباب إلى «حيوانات مسلحة» تفترس الضحية بلا أي شعور بالذنب‫..‬ وقد استغل هذا التحول في ‫«‬ترويض الجوعى‫»‬ من خلال التماهي في جماعات الجريمة المنظمة، ومليشيات الاقتتال الطائفي، وجماعات الذبح المذهبي، وعصابات نهب الأموال والسطو على الأراضي.. وإخضاعهم لنظام السمع والطاعة، وممارسة القتل من أجل القتل.. وتحولت حواضنهم إلى غابات وكهوف تتربص ببعضها البعض، والأسباب جاهزة، و‫»كتالوغها‫»‬ حاضر‫!!‬
ويمكن التعرف على حواضن «ترويض الجوعى» بالتدقيق في مسار الاقتصاد طوال العقود الأربعة التي مضت.. وفيها سلمت النظم المتعاقبة قيادات البلد والدولة لأكثر الناس سعارا وتوحشا؛ والأكثر اعتيادا على النهب والتخريب والسطو واللصوصية، والأكثر ممارسة للعنف وتعطشا للدماء؛ ويوفر لهم «الاقتصاد الموازي»؛ الخفي والأسود كل سبل العيش؛ وإن تغلبت عليه السرية، ورغم علانية معاملاته ووضوحها للعيان.. ويمكن رصدها في الأسواق، ومحلات البيع والشراء، ووجود دائن ومدين، وربح وخسارة، ونقد ومقايضات.. والأفضل تعريفه بـ»الاقتصاد الشيطاني»، وقد أضحى كيانا ديناصوريا مراوغا؛ يتهرب من الاستحقاقات المطلوبة؛ رسوم وضرائب وغرامات.. ويستفيد من الخدمات المقدمة للقطاعات الأخرى.. بتنوعها وتعدد أشكالها.
وكان ‫«الاقتصاد الشيطاني» يمثل نسبة ثلاثين في المئة من مجموع الاقتصاد الكلي قبل ثورة 2011. وحسب تقدير الخبراء والباحثين الاقتصاديين فإن النسبة ارتفعت إلى خمسين في المئة بعد الثورة؛ أي أن نصف اقتصاديات البلاد تحت سيطرة «الشيطان».. الذي تمكن من تحييد الجوع، ولم يبقه حافزا كافيا لتحريك الشارع.. وهكذا أظن.. «وليس كل الظن إثم»!!

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية