خرج مئات وربما الآلاف من نساء مصر في الأيام الأخيرة وأغلقن الشوارع احتجاجا، لم يطلبن حياة رفاهية، لم يطلبن عطورا وشوكلاتة ودباديب وذهبا وهدايا ثمينة، لا بمناسبة عيد الحب ولا بمناسبة يوم المرأة العالمي، كل ما طلبنه هو توفير العيش وحمايته لأسرهن فهتفن، «عايزين عيشنا»، المصريون يسمونه العيش، والعيش هو الحياة، فهل كثير أن يطلب المصريون عيشهم كفاف يومهم؟
كيف يمكن تفسير ظهور أزمة العيش بين فترة وأخرى في دولة عمرها آلاف السنين، هذه المشكلة ما أن تختفي حتى تعود لتطفو على السطح من جديد، متى ستنتهي قضية العيش في مصر إلى الأبد، متى يصبح الرغيف قضية مفروغا منها، ومن ذكريات الماضي السحيق، ألا يشعر المسؤولون بالخجل عندما يخرج الناس إلى الشوارع طالبين العيش وليس أكثر، علما أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.
كيف يمكن أن نفهم أزمات الخبز، المادة التي يعتمد عليها المصري أصلا في غذائه، رغم موارد مصر العظيمة، التي حاول حكام مصر دائما وأبدا تقزيمها وادعاء الفقر، ثم الاستعداد للتسول وطلب الفكّة من المواطنين، ثم إعلان الرئيس الانقلابي عن استعداده لبيع نفسه كرمى لخاطر مصر، كل هذا لتبرير سوء إدارتهم وفسادهم وفشلهم، ثم يمننون شعب مصر العظيم بأنهم يوفرون له العيش، مصر التي تملك في مدينة الأقصر لوحدها ثلث آثار العالم، وقناة هي روح التجارة العالمية، مصر ذات الثلاثة آلاف وخمسمئة كيلومتر من السواحل على البحرين الأبيض والأحمر، مصر المليون كيلومتر مربع والطاقات البشرية والعقول والعبقريات في شتى المجالات، مصر الألف وخمسمئة كيلومتر من مجرى النيل والثروات الطبيعية التي تعتبر كنوزا يحسدها عليها العالم، تقول أبحاث إن الثروات غير المستغلة في مصر تبلغ مئات المليارات من الدولارات، كيف يمكن أن تظهر فيها أزمة الخبز بين حين وآخر وإلى متى؟
من يدّعون أن التكاثر وما يسمونه الانفجار السكاني ليس سوى تمويه وتضليل، فهناك دول أكثر عددا وأقل ثروة طبيعية من مصر، وهناك من هم مثلها عددا ولم نسمع فيها عن أزمات خبز ولا لحم ولا كعك ولا حليب، وإذا وجدت أزمة كهذه فهي لن تبقي ولن تذر أحدا في الحكم. هناك أزمات في دول بحجم مصر وأصغر وأكبر منها ولكنها أزمات من أنواع أخرى، هناك أزمات وزارية على كيفية إدارة أنجح، هناك أزمات قد تنشأ بسبب تصرف مسؤول غير لائق مع موظف أو موظفة، هناك استقالات بسبب فشل خطة عمل، أو تأخير في إنجاز مشروع، رأينا استقالات بسبب شبهة باختلاس بضعة لترات من البنزين، أزمات قابلة للحل قضائيا، أزمات يشعر فيها المواطن أنه حر وكريم في وطنه، وأنه قادر على مقاضاة أكبر رأس في البلد، وأكبر رأس في البلد يخشى أن يظلم مواطنا واحدا، والأهم وبمناسبة يوم المرأة العالمي الثامن من آذار، هناك اجتهادات في كيفية تمكين المرأة من الوصول إلى أمكنة العمل وإدارات الشركات ومراكز القرار السياسي والاقتصادي، هناك صراع ضد تهميش المرأة ومنحها إمكانية المساهمة الحقيقية في الإنتاج وعجلة الاقتصاد، ولكن لا يوجد هذا الادعاء المزمن بالفقر والأفواه الجائعة، ولا المشكلة التي تجعل النساء يخرجن طالبات توفير العيش، يدمي القلب مشهد سيدات مصر يتظاهرن لأجل العيش.
هناك في الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها تجري تحقيقات مع شرطي قتل مواطنا أو استعمل عنفا مبالغا فيه ضده، ولكن لا يوجد تبرئة تامة لمن يقتل سوى في دولة الاحتلال وتوأمها أنظمة الاستبداد العربية، التي لا تحقق أصلا مع شرطي أو رجل مخابرات يقتل مواطنا، أو مع مسؤول أمر بقتل متظاهرين، وإذا حققت فبصورة شكلية فقط لامتصاص نقمة المواطنين، ومن ثم تبرئته.
لا نستطيع فهم أزمة الخبز والأزمة الاقتصادية عموما في مصر سوى بأنه الفساد وسوء الإدارة وسوء إنتاج وتوزيع الثروات، أي أنه فساد في السياسة وفي النظام، وفي الوقت ذاته لا نتوقع إدارة سليمة من نظام أتى بطريقة انقلابية، ظننا في لحظة ما أنها طريقة انتهت إلى الأبد، وإذا بها تأتي من مصر رأس العرب الذي لا بد من شفائه كي يصحو العرب من غيبوبتهم.
لا يمكن لنظام العسكر في مصر أن يواصل لعبه بورقة الإرهاب على أنها سبب أزماته، فقضية الإرهاب مفضوحة أصلا، وحتى لو ظهرت بعض مظاهر إرهابية بالفعل فهي نتيجة وليست سببا، وبالطبع كل إنسان شريف ضدها، ولكن لا يمكن تحميل أزمات النظام على ما يسميه «الإرهاب» إلى الأبد، كذلك لا يمكن تحميل المسؤولية على مسؤول أو موظف هنا أو هناك، هناك خلل أساسي في الصميم وفي طريقة الحكم ذاتها، نعم لقد حاول الشعب المصري الإصلاح فثار ونجح على إرغام نظام مبارك الفاسد على الاستقالة، وجرت انتخابات حرة وأفرزت ما أفرزت، ولكن قوى الاستبداد عادت والتفت على رغبة شعب مصر بالحرية وأكل العيش بكرامة وبلا منّة من رئيس أو مسؤول وانقلبت على الشرعية، نعم الفقر في مصر ليس قضاء وقدرا، بل هو من صنع رجال الدولة وأولي الحل والربط في هذا النظام.
كاتب فلسطيني
سهيل كيوان