■ يُستعمَل مفهوم الهرمينوطيقا للدّلالة على «علم التفسير»، أو «فن التفسير»، وهو مفهوم تشمل معانيه كل العمليات التأويليّة من فهمٍ وتفسيرٍ وشرحٍ وتأويلٍ وترجمة. ويرجع أصل «هرمينوطيقا» حسب الفيلسوف الألماني هاينز جورج غادامير إلى «هرمس» رسول الآلهة إلى البشر، والوسيط الذي كان صلة وصل بين تفكير الآلهة وتفكير البشر، حيث كان يزوِّد البشر بما يساعدهم على فهم ما يبلِّغه لهم، كما تحكي الأساطير اليونانية.
أصبحت الهرمينوطيقا في العصور الوسطى منهجاً لتفسير الكتاب المقدس وتأويل أحكامه، وهو مشروع «أنشأه وأداره آباء الكنيسة بوعي منهجي دقيقٍ، وعلى وجه الخصوص عند القديس أوغسطين في مؤلفه العقيدة المسيحيَّة». وقد انطلق التفكير المنهجي والتقني حول الهرمينوطيقا، وأساليب تفسير النصوص وتأويلها مع اللاهوتي يوهان كونراد دانهاور، وبالضبط سنة 1654.
في القرنين التاسع عشر والعشرين، ستعرف الهرمينوطيقا تطورات مهمة على يد رواد كبار أمثال: شلايرماخر، دلتاي، هايدغر، غادامير، هيرش، كارل أوتو آبل. كما أسهمت الظروف السياسيَّة والاجتماعيّة التي أعقبت هذه الفترة في تطور هذا العلم، وفي تحديث طريقة عمل سدنته. وبفضل التيار الإصلاحي البروتستانتي ستعرف الهرمينوطيقا صحوة وانتعاشة جديدتين، ما دفع العديد من اللاهوتيِّين إلى العودة إلى المصادر الأصلية، لإدراك معنى تلك النصوص وفهمها، بعدما تعرضت للتحريف والإفساد، على إثر ما عرفته المجتمعات الأوروبية من صراعات واضطرابات.
بعد ذلك ستتخذ الهرمينوطيقا بما هي نظرية عامة للتأويل بعداً فلسفيّاً، إذ ظهرت مجموعة من الطروحات الجديدة، أضفت على التأويل أبعاداً جديدةً اُصطلح على تسميتها بالهرمينوطيقا المعاصرة، وهي طروحات تجتمع حول مبدأ أساسيٍّ ينطلق من كون القراءة الواحدة غير كافية للتوصل إلى فهم المعنى الذي يتميز بعدة خصائص منها: الإمكان، والتعدد، والافتراض. ومن ثمة انتقل موضوع التأويل من النص الديني إلى مجالات الفلسفة والنقد الأدبي والعلوم الإنسانية.
تعتبر العلاقة مفسر/نص، أهمّ إشكالية شغلت وتشغل بال فلاسفة الهرمينوطيقا، ويؤكد نصر حامد أبو زيد على أن هذه المعضلة لا تخص الفكر الغربي وحده، بل وجدت في تراثنا العربي القديم والحديث على حد سواء. «هناك في تراثنا القديم، وعلى مستوى تفسير النص الديني (القرآن) تلك التفرقة الحاسمة بين ما أُطلق عليه «التفسير بالمأثور» وما أُطلق عليه «التفسير بالرأي» أو «التأويل»، وذلك على أساس أن النوع الأول من التفسير يهدف للوصول إلى معنى النص عن طريق تجميع الأدلة التاريخية واللغوية، التي تساعد على فهمه فهما «موضوعيّاً»، أي كما فهمه المعاصرون لنزول هذا النص من خلال المعطيات اللغوية التي يتضمنها النص وتفهمها الجماعة. أما التفسير بالرأي أو «التأويل» فقد نُظر إليه على أساس أنه تفسير «غير موضوعي» لأن المفسر لا يبدأ من الحقائق التاريخية والمعطيات اللغوية؛ بل يبدأ بموقفه الراهن، محاولا أن يجد في القرآن (النص) سنداً لهذا الموقف، وقد أُطلق على أصحاب الاتجاه الأول أهل السنة والسلف الصالح ونُظر إلى هذا الاتجاه ـ غالبا ـ نظرة إجلال واحترام وتقدير، بينما كانت النظرة إلى أصحاب الاتجاه الثاني ـ وهم الفلاسفة والمعتزلة والشيعة والمتصوفة ـ نظرة حذرٍ وتوجس، وصلت في أحيان كثيرة إلى التكفير وحرق الكتب».
تكشف العلاقة تفسير/ نص عن نفسها في التراث العربي الإسلامي، حسب أبو زيد من خلال وجود اتجاهين: واحد يتجاهل المفسر ويلغي وجوده لحساب النص وحقائقه التاريخية واللغوية. وآخر لا يتجاهل هذه العلاقة، بل يؤكدها، على خلاف في مستويات هذا التأكيد وفاعليتها بين الفرق والاتجاهات التي تتبنى هذه الزاوية.
كاتب مغربي
المهدي مستقيم