الفلبين: روليت التعذيب ـ من السحب من الأعضاء التناسلية إلى الإيهام بالغرق الشرطة تواصل إستخدام وسائل تعذيب «ترفيهية» ضد المعتقلين

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: يراهن المتسابقون في برنامج الألعاب العالمي «عجلة الحظ»، الذي عرضه وبثه التلفزيون الاسكتلندي من عام 1988 حتى 2001، على عاملي الحظ والتخطيط تبعاً لمعرفة اللاعب لأنواع الرهانات المختلفة المتاحة. اكتسب البرنامج شهرة واسعة فأعيد إنتاجه في بريطانيا وأمريكا إلى أن وصل إلى أكثر من خمسين بلداً حول العالم. كانت الفلبين من بين الدول التي عرضت البرنامج من عام 2002 حتى 2008. إلا أن البرنامج أعيد إحياؤه من جديد العام الماضي في زاوية مظلمة من مركز احتجاز سري في محافظة لاغونا، جنوب العاصمة مانيلا، حاملا معه تحديثاً لافتاً صنعه خيال رجال الشرطة، أي المتسابقون، في فن التعذيب، وكان ضحيته السجناء. وهكذا تحولت عجلة الحظ في لاغونا إلى عجلة روليت للتعذيب الذي يلفها الشرطي بيده حتى تستقر عند إحدى الخانات التي تحدد اسلوب التعذيب الذي سيعتمده على الضحية. مورست هذه اللعبة على ثلاثة وأربعين معتقلاً داخل المنشأة كانوا يراهنون، هم أيضاً، على حظهم في تلقي التعذيب بحسب تنوع خانات العجلة بين الصدمات الكهربائية والخنق بالأكياس البلاستيكية والضرب المبرح، والإيهام بالغرق. وعلى مدى شهور، كان الضابط المتسابق الذي أدى قسم «حماية المواطن وخدمته» يسحب سجيناً تلو الآخر من زنزانته إلى مركز الاحتجاز السري، يراهن على وسيلة التعذيب المفضلة، يلف العجلة وينتظر ظهور النتيجة. والعجلة زاخرة بالخيارات ما بين «30 ثانية في وضعية الخفاش» التي يُعلق المحتجز فيها مقلوبا كالخفاش لمدة 30 ثانية، و»20 ثانية في وضعية ماني باكياو» التي سُميت تيمنا باسم الملاكم الفلبيني الشهير، والتي تعني قيام الضباط بتسديد اللكمات للمحتجز بشكل متواصل طوال 20 ثانية. إلا أن «عجلة التعذيب» اكتشفت لاحقاً خلال زيارة روتينية أقامتها لجنة الفلبين لحقوق الإنسان إلى المدينة. وقالت لجنة التحقيق الأولي أن رجال الشرطة كانوا يقومون بهذا العمل إما للحصول على المال، أو استخراج المعلومات، أو ارغام السجين على الاعتراف، كشكل من أشكال التسلية أو الترفيه.
وأُسندت التهم عقب إجراء تحقيق رسمي إلى 10 أعضاء من ضباط الشرطة وتم اعفاؤهم من مناصبهم. لكن الإدانة اقتصرت على العقوبة الإدارية، إذ لم تتم مقاضاة أحد منهم ولم تأخذ العدالة مجراها بالنسبة لضحايا التعذيب من السجناء.
فضيحة عجلة التعذيب ما هي إلا رمزا من رموز وسائل التعذيب التي تستخدمها الشرطة على السجناء والمحتجزين في الفلبين على الرغم من اقرار قانون مكافحة التعذيب في عام 2009 والزيادة في عدد البلاغات المتعلقة بارتكاب الشرطة للتعذيب. بل أن ما اكتُشف في لاغونا هو مجرد غيض من فيض، كما يقول هازل غالانغ فولي، الباحث المعني في الفلبين في منظمة العفو الدولية. فوفقا لتحقيقات صدرت مؤخرا عن منظمة العفو الدولية فان التعذيب لا يزال حيا يُرزق ويرتكب في وضح النهار بأساليب متعددة مثل الصعق بالكهرباء والإيهام بالغرق والاغتصاب في أكثر من مدينة. ووثقت منظمة العفو الدولية تعرض امرأة للتعذيب والاغتصاب على متن احدى حافلات الشرطة بينما هلل الضباط لذلك، ولم تتم مقاضاة الشخص الذي تعرض لها. بل ان أحد الذين قاموا بتعذيبها قد أصبح الآن عضوا في مجلس النواب. وفي 23 تموز/يوليو 2014، اطلق سراح شخص آخر من ضحايا التعذيب، وهو فيرناندو أوبيدينثيو، الذي ظل مسجوناً لمدة تسع سنوات بتهمة حيازة مخدرات، إلى أن أصدر أحد القضاة حكماً يقضي باسقاط التهمة بعدما اتضح أنها ملفقة مما يذكِّر على نحو مرير بالمصير الذي تواجهه ويواجهه آخرون كثيرون ممن يرزحون سنوات في سجون الفلبين في انتظار المثول للمحاكمة.

قانون شكلي

بالرغم من مرور 5 سنوات على تمرير الفلبين قانونا يجرم التعذيب، قالت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2015 أن الممارسات لا تزال منتشرة، حيث تلجأ الشرطة إلى «طرق قصيرة» لانتزاع اعترافات من المشتبه فيهم ويستمر مع هذه الانتهاكات الافلات من العقاب جنائيا. واعترفت الشرطة الوطنية الفلبينية هذا العام باستمرار الانتهاكات لكنها قالت انها اتخذت إجراءات ضد الضاط المخطئين. وقال تقرير للجنة حقوق الإنسان العام الماضي إن 55 من الناجين من التعذيب وصفوا أشكالا مختلفة منه، من بينها اللكمات والركلات في الجسم والخنق الوشيك باستخدام الأكياس البلاستيكية والصعق بالكهرباء وقيام ضباط الشرطة بسحب المشتبه فيهم من أعضائهم التناسلية باستخدام السلاسل. وقال التقرير انه لم يعرف أي جان قد أدين بموجب قانون مكافحة التعذيب الصادر في عام 2009.
ويعتبر معظم ضحايا التعذيب في الفلبين من ذوي الخلفيات الاجتماعية الفقيرة والمهمشة. وفي 2014 ذكرت «لجنة حقوق الإنسان في الفلبين» أنها سجلت 75 حالة تعذيب في 2013 و28 حالة من كانون الثاني/يناير إلى تموز/يوليو 2014. وأشارت غالبية تقارير التعذيب إلى ضباط الشرطة بأنهم الجناة المزعومون. ولم يُدن أحد من الجناة بموجب قانون التعذيب. وفتح «مجلس الشيوخ» تحقيقاً في أمر التعذيب على أيدي الشرطة بعد يوم من بث منظمة العفو الدولية تقريرها «فوق القانون: التعذيب على أيدي الشرطة في الفلبين» في 4 كانون الأول/ديسمبر.
ويقول هازل غالانغ فولي، الباحث المعني في الفلبين في منظمة العفو الدولية: للأسف، فان سوء استخدام السلطة لا يزال متفشياً على نطاق واسع، ويبدو أن حقوق الإنسان قد استُبعدت من نطاق «الطريق القويم». مضيفا: يمثل التعذيب السر القذر والمفضوح في الفلبين، وهو بمثابة مرض متأصل ومزمن. وبالرغم من أن القانون الفلبيني يحظر التعذيب، وبالرغم من أن الفلبين وقَّعت على جميع مواثيق حقوق الإنسان الدولية المتعلقة بالقضاء على التعذيب، فان هذا كله لا يعدو أن يكون مجرد حبر على ورق.

مذبحة ماغوينداناو

ما زالت المحاكمات مستمرة بشأن مذبحة ماغوينداناو التي وقعت في 23 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2009 وقتلت فيها الميليشيات المسلحة من قبل الدولة التي يقودها مسؤولون حكوميون 58 شخصا، بينهم عشرات من الصحافيين المحليين بالرصاص والفؤوس والمناجل، دفن معظمهم في ثلاثة قبور جماعية. ووقعت المذبحة بسبب خطط أحد الحكام لترشيح نفسه لمنصب حاكم اقليم ماغوينداناو في الانتخابات التي اجريت في ايار/مايو عام 2010. وقال للصحافيين حينها، بعد ان قدم أوراق ترشحه لمكتب اللجنة الانتخابية «الموت وحده هو الذي يمكن ان يمنعني من الترشح لمنصب الحاكم». رافق قافلة مانجوداداتو التي ضمت 50 سيارة جنود من الجيش ووحدات شرطة مدربة على القتال ومرت من الطريق نفسه الذي سلكته قافلة الزوجة التي شملت عشرات الصحافيين وأوقفها نحو مئة مسلح. وظل المدافعون عن حقوق الإنسان والصحافيون المحليون والشهود، في محاكمات مذبحة ماغوينداناو، عرضة لخطر القتل غير المشروع. ومع ذلك، اقتصرت معظم الإجراءات على جلسات استماع لتحديد قيمة الكفالة فقط. وبحلول نهاية العام، ظل نحو 85 من 197 من المشتبه فيهم ممن صدرت بحقهم مذكرات اعتقال طلقاء، ولم يدن منهم أحد. وظل الشهود على المذبحة وأسرهم عرضة لخطر الهجمات، بما في ذلك القتل، ما سلط الضوء على ضعف الحماية الحكومية. وفي تشرين الثاني /نوفمبر، أطلق مسلحون مجهولون النار على دينيس ساكال وبوتش سدغال، وكان من المقرر أن يشهدا ضد المشتبه بهم الرئيسيين في المذبحة في إقليم ماغوينداناو، مما أسفر عن مقتل دينيس ساكال.
لجنة حماية الصحافيين ومقرها نيويورك وصفت هذا القتل الجماعي بأنه أسوأ حادث دامي مفرد للصحافيين في التاريخ. وحتى قبل هذه المذبحة وصفت اللجنة الفلبين بأنها ثاني أكثر بلد خطورة بالنسبة للصحافيين.

اكتظاظ السجون

يعد اكتظاظ السجون ونظام الرصد المستقل لأماكن الاحتجاز من أبرز المشاكل التي تواجهها سلطات السجون في الفلبين. وقد حثت الأمم المتحدة هذا العام السلطات على معالجة هذه المسألة كجزء من الجهود الرامية لحماية الأشخاص المحرومين من حريتهم من التعذيب والمعاملة القاسية. وقالت سوزان جبور، التي ترأس وفد لجنة هيئة الأمم المتحدة المعنية بمنع التعذيب في الفلبين «نعتقد أن آلية وقائية وطنية فعالة ومستقلة وذات موارد جيدة ستكون حاسمة في منع التعذيب وسوء المعاملة، وتحسين ظروف الاحتجاز عن طريق نظام الزيارات المنتظمة».

واجب منع التعذيب

حسـب مـا تنـص عليـه المـادة 5 مـن الإعلان العالمـي لحقوق الإنسان الـذي اعتمدتـه الجمعية العامـة للأمم المتحـدة عـام 1948، لا يجب اخضـاع أحـد للتعذيـب والمعاملـة أو العقوبـة القاسـية أو اللا إنسانية أو المهينـة. ونظـرا للأهمية الخاصة التي تولي حظر التعذيـب، فـإن الالتزامات التقليديـة للـدول باحترام ومحاسبـة وتحقيق حقوق الإنسان يرافقها التزام آخر بمنع التعذيب إذ يتعـن عـلى الـدول إتخاذ تدابير ايجابية لمنـع وقوعـه.

التعذيب أزمة عالمية

في تقريرها، تتهم منظمة العفو الدولية حكومات في مختلف أرجاء العالم بعدم الوفاء بالتزاماتها باستئصال شأفة التعذيب، بعد انقضاء ثلاثة عقود على تبني الأمم المتحدة، في 1984، «اتفاقية مناهضة التعذيب» التي شكلت منعطفاً تاريخياً في هذا المضمار. وفي هذا السياق، قال سليل شتي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، وهو يطلق حملة أوقفوا التعذيب، آخر الحملات العالمية لمنظمة العفو لمكافحة انتشار التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في عالمنا المعاصر: إن «لحكومات شتى في مختلف أنحاء العالم وجهان في هذا الصدد- فهي تحرِّم التعذيب في القانون، ولكنها تسهِّل ممارسته في الواقع الفعلي». والتعذيب ليس حياً يرزق وعلى ما يرام، فحسب، وإنما ينمو ويترعرع في العديد من بقاع العالم. ومع تزايد عدد الحكومات التي تسعى إلى تبرير التعذيب باسم الأمن القومي، فان ما تحقق بدأب من تقدم في هذا المضمار على مر السنوات الثلاثين الأخيرة يتعرض للتجريف. لقد صادقت 155 دولة على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، منذ 1984، وتناولت أبحاث منظمة العفو الدولية 142 منها. وقد لاحظت منظمة العفو أن ما لا يقل عن 79 من هذه الدول لا تزال تمارس التعذيب – أي ما يربو على نصف الدول الأطراف في الاتفاقية. ناهيك عن أن 32 دولة أخرى عضو في الأمم المتحدة لم تتبن الاتفاقية بعد، رغم أنها ملزمة أيضاً بالتقيد بالحظر العالمي المفروض على التعذيب. وعلى مدار السنوات الخمس المنصرمة، أصدرت منظمة العفو الدولية تقارير بشأن التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة تناولت ما لا يقل عن 141 بلداً من كل إقليم من أقاليم العالم. بيد أن الطبيعة السرية للتعذيب تعني أنه من المرجح أن يكون عدد البلدان التي تمارس التعذيب أكبر من ذلك في واقع الحال. ويتخذ التعذيب، في بعض هذه الدول، شكلاً روتينياً ومنهجياً.
(منظمة العفو الدولية)

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية