أثار خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في السادس والعشرين من سبتمبر/ أيلول الماضي حفيظة الإدارة الأمريكية وإسرائيل معا، بسبب تأكيده على إصرار الفلسطينيين إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية على كامل أراضي الاحتلال الثاني عام 1967، ومن دون ذلك لن تكون هناك مفاوضات غير محددة بجدول زمني ونتائجها محددة سلفا. وشن هجوما على إسرائيل، وذكر انها تكرس العنصرية والتمييز، وتمارس جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني. وأكد ان من ارتكبوا المجازر ضد الفلسطينيين لن يفلتوا من العقاب، وإذا ما فشل مشروع قرار انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وفق جدول زمني محدد في مجلس الأمن فلن يكون هناك سوى خيار التوجه إلى المحكمة الدولية.
واعتبرت الإدارة الأمريكية ان الخطاب «مهين واستفزازي ومرفوض» ويضر بجهود السلام، ويجب العودة إلى طاولة المفاوضات، في حين ان بنيامين نتنياهو كان قد ذكر في خطابه الذي ألقاه في الجمعية العامة يوم 29 سبتمر/ أيلول ان الإرهاب الحقيقي هو ما قامت به «حماس» ضد إسرائيل. وخاطب عباس قائلا: جرائم الحرب الحقيقية التي ينبغي التحقيق فيها، هي تلك التي ينفذها شركاؤك في حكومة الوحدة. وأنا على استعداد لحل وسط تاريخي، ليس لأن شعب إسرائيل يحتل أرض فلسطين وإنما العكس!!
مثل هذا الادعاء يحيلنا إلى المقولة الصهيونية العنصرية الأولى التي زعمت ان الشعب الفلسطيني ما هو إلا «شعب مترحل»، وانه صدف أثناء ترحله، أن كان موجودا في فلسطين، عندما جاءت الغزوات الصهيونية الأولى، وان عليه الاستمرار في ترحاله، والعودة إلى الصحراء العربية الواسعة التي جاء منها!!. ليتردد صدى ذلك في الشعار الكاذب:»شعب بلا أرض لأرض بلا شعب». ثم توالت فصول العدوان والاحتلال والطرد والتشريد والقتل والاعتقال ومصادرة الأراضي، وغير ذلك من عذابات وإهانات تجاه الشعب الفلسطيني، وكل ذلك تمت إدانته بقرارات موثقة من الأمم المتحدة، بل انها دعت في قرارات شهيرة إلى عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه وأملاكه (القرار رقم 194) أو إدانة الاحتلال الصهيوني لبقية فلسطين في العام 1967 من خلال القرار رقم 242، وعشرات القرارات الأخرى. فلماذا تطلب الإدارة الأمريكية من الفلسطينيين العودة إلى طاولة المفاوضات، وهي تعرف حق المعرفة، ان هناك عشرات القرارات الأممية التي تدعو إلى إحقاق الحقوق وإعادتها إلى من سلبت منهم، أي من الشعب الفلسطيني، وان الإدارة الأمريكية وغيرها من إدارات أوروبية ساهمت مساهمة فاعلة وناشطة وبإصرار، منذ أربعينات القرن الماضي في إرساء أركان الكيان الصهيوني في فلسطين، وانها كانت وما زالت تستعمل ما تملكه من صلاحيات استعمال حق النقض (الفيتو)، لإفشال كل القرارات التي يمكن ان تدين الممارسات والإجراءات والقوانين والاحتلالات الصهيونية، تجاه حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه ووجوده وحياته. فهل ان ذلك وغيره ليس من الإهانات لكل ما هو إنساني في القاموس الأمريكي أو الأوروبي المتصهين؟ وكيف وبأي منطق يمكن اعتبار هذا الأمريكي أو الأوروبي وسيطا نزيها، أو راعيا للسلام؟! علما ان طاولة المفاوضات هذه التي تستمر الدعوة للعودة إليها، قد نخرها سوس الاختراقات الصهيونية منذ أكثر من عشرين عاما، كما ان المفاوضات الأخيرة التي سبقت العدوان الصهيوني على قطاع غزة، أفشلتها السلطات الصهيونية بعدم إفراجها عن الدفعة الأخيرة من معتقلي ما قبل اتفاق أوسلو. مع ان تلك المفاوضات كانت تحت إشراف وزير الخارجية الأمريكي شخصيا، فإلى أية طاولة للمفاوضات يجب ان يعود الفلسطيني، ولماذا لم يوصف التصرف الصهيوني بأنه «مهين واستفزازي ومرفوض».
ان مطالبة السلطة الفلسطينية بالعودة إلى طاولة مفاوضات وهمية، لم تحقق ولم تنجز إي إنجاز سياسي حقيقي، بل نسجت المزيد من التكبيلات والخيوط والشروط الجديدة، واحتلالات متلاحقة للأراضي والبيوت واعتقال وطرد متزايد للسكان، تطبيقا لمقولة «أرض أكثر وشعب أقل»، إلا من نوع التكرار والاجترار في مطالبة الفلسطينيين بالعودة إلى متاهتها، وهو من نوع الاستمرار في محاولات حلب التيوس، أو الاستمرار في «تجريب المجرب».
وإمعانا في تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وإتاحة الفرص المتمادية للكيان الصهيوني في مصادرة المزيد من الأراضي والبيوت، ومنع قيام دولة فلسطينية، علقت الإدارة الأمريكية في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري على إعلان السويد عن توجهها للاعتراف بدولة فلسطينية، بالقول: ان أي اعتراف دولي بدولة فلسطينية هو أمر سابق لأوانه. وهذا «الأوان» هو من نوع «انتظارات غودو» الذي قد لا يأتي، وهو أيضا ما تسعى إسرائيل إلى مصادرته وجعله ملكا استعماليا لها، وذلك للاستمرار في دأبها المتسارع في مصادرة الأراضي وبناء مستعمرات جديدة، وغيرها من ممارسات احتلالية، عاف الحبر وآلات الطباعة والكمبيوتر من الاستمرار في إعادة كتابتها. وآخر فصول هذا الاستعمال هو ما أعلنت عنه الإدارة الإسرائيلية، وذلك بالشروع في بناء وحدات استيطانية جديدة في القدس الشرقية في أوائل هذا الشهر، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التنديد بهذه الخطوة، كما ودانت الولايات المتحدة هذا المشروع، فما الذي حصل عليه الفلسطينيون من مئات هذا النوع من الإدانات؟
وإمعانا في النكاية، وإصرارا على تحدي أي سلطة أممية أو غيرها فإن الإعلان عن المشروع الاستيطاني الجديد تزامن مع لقاء في البيت الأبيض جمع الرئيس أوباما مع نتنياهو، وهذا ما كان يحدث أثناء كل زيارة أو محادثات بينية. فأي «أوان» هذا الذي يجب ان ينتظره الفلسطينيون؟ وهل عليهم «تجريب المجرب دائما وأبدا» أو يعيدون «محاولات حلب التيوس» مرارا وتكرارا. وقد جاء في الأمثال ان «خائب الرجاء ما زال ينتظر دبسا من مؤخرة النمس»! فيا ويل الخائب، وما عليه سوى تمديد الرجاء، مرارا وتكرارا إلى ما لا نهاية، تماما كحالة «سيزيف» مع الصخرة، بحسب الأسطورة اليونانية.
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ