لسنوات طوال اعتقد العرب أنه في كل ما يتعلق بكفاحهم ضد إسرائيل، يعمل الزمن في مصلحتهم، وبالتالي فإن كل ما عليهم أن يفعلوه هو ألا يفعلوا شيئا، وعند حلول اليوم سيقع النصر على إسرائيل كثمرة ناضجة في أيديهم. معظم الدول العربية، وعلى رأسها مصر السادات، فهمت أن الزمن يلعب بالذات إلى جانب إسرائيل، وأن كل يوم إضافي من دون سلام يمنعها من معالجة أزماتها من الداخل ونهايته تقربها، وليس إسرائيل، إلى انهيار اجتماعي واقتصادي.
أما الفلسطينيون، وينبغي الاعتراف أن معهم إسرائيليين غير قليلين أيضا بقوا بالمقابل متمسكين بفكرة أن الزمن الذي ينقضي من دون إيجاد حل للنزاع يعمل في طالح إسرائيل ولهذا السبب يمكنهم أن يمتنعوا عن اتخاذ قرارات قاسية وبالأساس أن يمتنعوا عن التنازلات في الطريق للسلام على أمل أن تكون إسرائيل هي التي تتراجع او حتى تنهار أولا، وكبديل أن تفرض الأسرة الدُّولية عليها قبول الموقف الفلسطيني.
إن محاولة الرئيس ترامب، بإسناد مصري بل وسعودي، التفكير من خارج العلبة ومحاولة تفكيك بعض الألغام في الطريق للسلام، مثل مسألة القدس، أخرجت أبا مازن عن توازنه وهزت ثقته بأن كل ما عليه أن يفعله هو ببساطة أن ينتظر ـ وعند الحاجة حتى نهاية كل الأجيال ـ حتى حل النزاع بشروطه ووفقا لمطالبه.
لقد كان رد أبي مازن إعلان حرب دبلوماسية على الولايات المتحدة ؛ترامب. ولكنه بذلك يفوت الفرصة المشكوك في أن تتكرر، لتحريك مسيرة سياسية من قبل الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تدفع مسيرة كهذه إلى الأمام. يمكن لأبي مازن أن يذرف دموع التماسيح على أكتاف الاتحاد الأوروبي، ولكن الوحيدة التي يمكنها حقًا أن تساعد الفلسطيينيين، وعمليًا أيضا ساعدتهم حتى اليوم أكثر من أية جهة أخرى (سواء ماليا أم سياسيا) هي الولايات المتحدة.
الولايات المتحدة هي وسيط نزيه في النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. وعلى ما يبدو أيضا لن تكون، برغم أن أروقة النظام في واشنطن كانت دوما محافل مالت إلى الجانب العربي. ولكن من قال إن هناك حاجة إلى وسيط نزيه من أجل الوصول إلى اتفاق؟ فمعظم اتفاقات السلام التي تحققت في العالم، ولا سيما الاتفاقات التي جلبت معها السلام والاستقرار، ليست اتفاقات العدالة الكونية هي التي تقبع في أساسها او أن من أسهم في تحقيقها كان وسيطا نزيها. في معظم الحالات يدور الحديث عن اتفاقات كانت المصالح هي التي أدت إلى تحقيقها وتحافظ عليها منذئذ.
وبشكل عام، هل فلاديمير بوتين في سورية هو وسيط نزيه؟ بوتين يدفع إلى الأمام بنجاح غير قليل مسيرة سلمية في سورية ستؤدي إلى الهدوء والاستقرار. ولكن بالتأكيد ليس فيها اية عدالة لمئات آلاف السوريين الذين قتلوا في الحرب او للملايين الذين طردوا من الدولة ـ ولا لجماعات الثوار الذين ضربوا ضربات نزيهة إلى أن رضوا بقبول رعايته والحديث بوساطته مع بشار الأسد.
أبو مازن يمكنه أن ينتظر حتى التعب لوسيط نزيه ولسلام عادل، وفقا لعالم مفاهيمه او مفاهيم أوروبا. ولكنه لن يجد وسيطا أفضل من دونالد ترامب، وكل صفقة يفوتها اليوم لأنها لا تلبي المطالب الدنيا للفلسطينيين ستعرض عليه في المستقبل، إذا ما عرضت على الإطلاق، في ظروف أصعب بكثير.
ولكن بدلا من ذلك يفضل أبو مازن تكرار رسالته للدكتوراة في جامعة موسكو في بداية الثمانينيات، التي كان موضوعها العلاقات بين النازيين والحركة الصهيونية. منذ اتفاقات أوسلو تنكر أبو مازن لما كتبه في الدكتوراة، ولكن قوله في خطابه الأسبوع الماضي أن المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري، يفيد بأنه يسعى إلى إجراء انعطافة إلى الوراء.
يحتمل أن يكون أبو مازن يفضل مثل سلفه، ياسر عرفات الالتصاق بالوضع الراهن والامتناع عن قرارات صعبة وشجاعة، حتى لو لم تكن شعبية، ولكنه بذلك لن يخدم مصلحة المنطقة وقبل كل شيء مصلحة أبناء شعبه. ولا يزال، أبو مازن أفضل للفلسطينيين من حماس إذ مثلما علمنا نموذج داعش، يمكن للتطرف أن يثير الانطباع بل وأن يردع. ولكن نهايته هي أنه يجلب المصيبة على رأس من يسيرون خلفه.
إسرائيل اليوم 21/1/2018