إسطنبول – «القدس العربي»: بعد خروج كان أشبه بـ«المستحيل» من قطاع غزة، ومعايشة عذاب معبر رفح وكابوس الترحيل لمطار القاهرة الدولي، بدأ الفلسطيني أمجد محمود رحلة الهجرة واللجوء من مدينة إسطنبول التركية إلى أوروبا شاقاً البحر إلى إحدى الجزر اليونانية وصولاً للنمسا بعد أن مر بمقدونيا وصربيا وكرواتيا وسلوفينيا، براً.
ويقول أمجد (29 عاماً) الذي بدأ مساعيه للهجرة منذ قرابة العامين، وهو يسرد لـ«القدس العربي» التفاصيل الكاملة لمغامرته الطويلة: «بعد أن وصلت إلى طريق مسدود في مساعي بناء حياة جيدة في قطاع غزة الذي انعدمت به مقومات الحياة الكريمة، قررت الخروج بأي طريقة. كان قراري منذ عامين، ومن وقتها وأن أسعى للخروج ولكن إغلاق معبر رفح وتوفير مبلغ يساعدني في رحلتي كانا أهم عائقين، إلى أن تمكنت من ذلك أخيراً وها أنا أنام اليوم في النمسا».
الخروج من قطاع غزة
رحلة أمجد كان لا بد لها أن تبدأ بالخروج من قطاع غزة، ولأن الخروج من القطاع المحاصر منذ 8 سنوات لا يمكن إلا من خلال عدة شروط أهمها الحصول على تأشيرة دخول «فيزا» علاج أو طالب في دولة أخرى، وانتظار فتح معبر رفح، والتمكن من الحصول على فرصة في سجلات وزارة الداخلية الفلسطينية لتكون من بين قرابة 500 مسافر فقط تسمح السلطات المصرية بإدخالهم من أصل قرابة 15 ألف فلسطيني مسجلين للسفر عبر معبر رفح المنفذ الوحيد لقطاع غزة إلى العالم.
أمجد وبعد جهود حثيثة تمكن من الحصول على تصريح دخول إلى الأراضي التركية «فيزا علاج» ساعده فيها أصدقاء له يعيشون في إسطنبول، عبر استصدار أوراق من مستشفى لإجراء عملية جراحية، حيث مكنته هذه الأوراق من الحصول على الفيزا بعد تقديم طلب إلى السفارة التركية في مدينة القدس المحتلة.
في الثالث من شهر كانون الأول /ديسمبر الجاري فتح معبر رفح لمدة يومين، بعد إغلاق دام أكثر من 100 يوم، كانت هذه فرصة أمجد الوحيدة للخروج ممن وصفه بـ«السجن»، فسعى بكل قوة ومن خلال بعض العاملين في المعبر من أجل الخروج بحجة استكمال العلاج من إصابته التي تعرض لها بسبب شظايا صاروخ أطلقته الطائرات الإسرائيلية عام 2005 قرب منزله في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.
وبالفعل تمكن من الخروج في اليوم الأول لفتح المعبر، بعد أن اضطر للمبيت ليلة كاملة داخل الصالة المصرية بسبب بطء وصعوبة الإجراءات التي تتخذها السلطات المصرية، وسُمح له بالوصول إلى مطار القاهرة الدولي عبر حافلات الترحيل «المرافقة الأمنية».
من رفح إلى القاهرة فإسطنبول
على الرغم من إنهاء إجراءات ختم جواز سفره في الجانب المصري من معبر رفح ظهر يوم الخميس، الثالث من الشهر الحالي، احتجزت السلطات المصرية المسافرين حتى صباح اليوم التالي بسبب إجراءات منع التجوال المطبقة في شبه جزيرة سيناء بسبب تردي الأوضاع الأمنية.
انطلقت الحافلة التي تضم عشرات الفلسطينيين المرحلين إلى مطار القاهرة، وبدل أن تستغرق 5 ساعات للمطار، أخذت أكثر من 12 ساعة بسبب صعوبة الإجراءات الأمنية والمرور عن عشرات من حواجز الجيش المصري، الذي عامل المسافرين بشكل سيئ جداً وقام بتفتيش الأمتعة والتلفظ بالشتائم دون أي مبرر، بحسب ما يقول أمجد لـ«القدس العربي».
وفي ساعة متأخرة من مساء هذا اليوم وصلت الحافلة إلى مطار القاهرة، حيث اضطر للمكوث قرابة 12 ساعة فيما يعرف بـ»غرفة الترحيلات» إلى حين حلول موعد طائرته إلى مدينة إسطنبول التركية، وبالفعل وصل أمجد لإسطنبول، وكان في استقباله محمد وهو ممثل عن شبكة المهربين التي تواصل معها أمجد لتأمين وصوله إلى إحدى الجزر اليونانية.
وقال «جلست لمدة ثلاثة أيام في أحد الفنادق في مدينة إسطنبول، كنت خلالها على تواصل مباشر مع المهرب وكان يرافقني ممثل عنه، ساعدني بالتحرك في المدينة والتعرف عليها، إلى أن اخبرت أن أحزم حقائبي للسفر إلى مدينة إزمير التركية النقطة قبل الأخيرة للانطلاق إلى البحر».
ويضيف «ذهبنا إلى محطة الباصات المركزية في إسطنبول وحجزوا لي تذكرة حافلة لمدينة إزمير التي وصلتها بعد 8 ساعات، فاستقبلني شخص آخر من نفس الشبكة المسؤولة عن تهريبي، وحجز لي غرفة بأحد الفنادق وسط المدينة، جلست فيه لمدة يومين».
ويتابع «في مساء اليوم الثاني وصلت سيارة تابعة للمهربين وأقلتني من الفندق إلى مدينة صغيرة ساحلية تبعد عن إزمير ساعتين، وصلنا إلى هناك وبعد ترتيبات كبيرة وصلنا إلى نقطة الانطلاق، وبدأ المهربون بضخ الهواء بالزورق المطاطي المخصص للرحلة، وتركيب الموتور، لكن حدث أمر غريب حيث تصادم مهربونا مع مجموعة أخرى من المهربين وحصل إطلاق نار بينهم، بعد ذلك أمرونا بالركوب بعد أن مشينا قرابة 50 مترا داخل مياه البحر، كنا 30 شخصا أغلبهم من سوريا وبعضهم من العراق وأفغانستان وعائلات وأطفال أحدهم لم يتجاوز عمره الـ 10 أيام».
وفي معلومة لافتة، يقول أمجد إن المهربين لا يقودون المركب، وإنما يطلبون من أحد الركاب القيام بذلك ويعطونه بعض التعليمات والتدريبات السريعة، موضحاً أنه وبعد أن سار المركب قرابة 200 متر داخل المياه تعرض المحرك لعطل فني توقف على أثره المركب وحينها دب الرعب في قلوب الركاب وكان الخوف سيد الموقف. وقال انه نزل عدد من الشبان وساعدوا بإرجاع الزورق المطاطي إلى الساحل، وقام المهربون بإعادتنا إلى أحد الفنادق القريبة بانتظار إصلاح العطل وإعادة المحاولة من جديد، وبالفعل بعد يومين وفي ساعات الفجر الأولى اصطحبونا مجدداً لنقطة الانطلاق، تحركنا وبعد ساعة و15 دقيقة وصلنا جزيرة (فارماكوس) اليونانية».
وعن مشاعر الركاب أثناء الرحلة البحرية، يقول أمجد «الدقائق الأولى كانت مرعبة، عم الصمت والخوف الزورق الذي كانت تتلاعب به الأمواج، وكلما ازداد الخوف ارتفع صوت قراءة القرآن والدعاء، جميعنا شعرنا بأن دقائق تفصل بيننا وبين الموت أو الحياة على الرغم من أن الجميع كان يرتدي ستر النجاة التي باتت تباع علناً في العديد من المناطق في تركيا».فور الوصول قام أحد الركاب بتمزيق وإعطاب الزورق المطاطي كما أمرهم المهربون خوفاً من لجوء السلطات اليونانية إلى إرجاعهم على متنه، بحسب أمجد الذي أوضح أنهم وبعد وصولهم لرصيف الجزيرة بدقائق وصلتهم قوة من الأمن اليوناني وقامت بتفتيشهم وسحب أي آلات حادة منهم، والتأكد من عدم حملهم لأسلحة أو ممنوعات ومن ثم نقلتهم إلى مكان احتجاز وصفه بـ»السيئ جداً»، حيث اضطر المهاجرون إلى إحراق جزء من ملابسهم المبللة من أجل التدفئة عليها والتخفيف من حدة البرد القارص.
وبعد انتظار لمدة يوم كامل جاءت باخرة عسكرية يونانية ونقلت المهاجرين إلى جزيرة (ليروس) اليونانية حيث استقبل ممثلون عن الصليب الأحمر والأمم المتحدة اللاجئين، وتم أخذ البصمة الجنائية للجميع وتسجيل جنسيات المهاجرين، حيث ادعى أمجد أنه من «فلسطينيي سوريا»، كونهم تتم معاملتهم نفس معاملة السوريين والعراقيين والأفغان، وهي الجنسيات الثلاث التي تلقى تسهيلاً كبيراً هذه الفترة بحسب السياسيات الأوروبية الحالية.
واضطر المهاجرون إلى الانتظار لمدة ثلاثة أيام داخل مخيم تشرف عليه الأمم المتحدة وتوفر فيه وجبات الطعام والملابس، من أجل الحصول على «الخارطية» وهي وثيقة تخول اللاجئ حرية التنقل داخل البلد لمدة محددة، 6 أشهر غالباً، وبعد الحصول على «الخارطية» حجز أمجد باخرة إلى العاصمة أثينا مقابل 50 يورو ووصل إلى هناك بعد رحلة امتدت لـ8 ساعات.
تزوير الأوراق للدخول إلى مقدونيا
كون أمجد فلسطيني الجنسية من قطاع غزة، فهو من غير المسموح له بدخول أوروبا كلاجئ بسبب عدم تصنيف الأراضي الفلسطينية كمناطق حرب غير آمنة، كسوريا والعراق، ولذلك كان لزاماً على أمجد العمل على تزوير أوراق رسمية تثبت أنه من فلسطينيي سوريا حتى يسمح له باجتياز الحدود المقدونية.
يقول: «بحسب ما عرفت فإن هذه الأوراق يتم إعدادها في إسطنبول واليونان بسهولة، توجد مكاتب وشبكات تزوير تفعل لك ما تريد، فمثلاً يمكن استصدار هوية سورية لا يمكن كشفها بمبلغ 500 دولار، بالنسبة لي اضطررت للبقاء في اليونان لمدة أسبوع حتى أتممت استصدار وثيقة ميلاد تثبت أنني فلسطيني سوري حيث كلفتني قرابة 100 يورو فقط».
ويضيف: «استلمت الوثيقة المزورة وتوجهت إلى الحدود اليونانية مع مقدونيا، عن طريق الحافلة بمبلغ 30 يورو حيث وصلت إلى نقطة تابعة للأمم المتحدة قرب الحدود، تلقينا معاملة جيدة من الشرطة اليونانية وسهلت دخولنا من بوابة حديدية إلى داخل الأراضي المقدونية، حيث أوقفنا الجيش المقدوني وتعامل معنا بشكل سيئ من خلال التحقيق والتأكد من عدم وجود عناصر إرهابية أو مواد متفجرة، وقاموا بفصل كل جنسية على حدة، وقامت السلطات المقدونية بتسليمنا «خارطية» جديدة، وسمحت لنا بإكمال طريقنا».
من مقدونيا لصربيا وكرواتيا وسلوفينيا
يضيف أمجد: «بعد إنهاء إجراءاتنا مع السلطات المقدونية توجهت إلى الحدود الصربية بسيارة عمومية مقابل 25 يورو ووصلنا إلى النقطة الحدودية بعد ساعتين، لكن بعد ذلك اضطررنا للمشي قرابة 5 كيلومترات للوصول إلى مركز الأمن الصربي للحصول على (الخريطة) حيث حصلنا عليها خلال دقائق».
ويضيف: «لم أرغب في الانتظار في مخيمات الأمم المتحدة التي توفر الطعام والخدمات، وانطلقت فوراً إلى الحدود الكرواتية بالحافلة مقابل 40 يورو، كانت الطريق طويلة واستغرقت 9 ساعات، وبالفعل دخلنا الحدود الكرواتية بالقطار استقبلتنا الشرطة ومنحتنا (الخارطية) بعد التفتيش وأخذ البصمة الجنائية وأكملنا طريقنا في القطار إلى سلوفينيا، حيث تم اتباع إجراءات التفتيش نفسها وأخذ البصمة ومن ثم انطلقت إلى النمسا».
النمسا.. المحطة الأخيرة
وبعد إنهاء الإجراءات من سلوفينيا، توجه أمجد بالقطار إلى الحدود النمساوية، يقول: «استقبلتنا الشرطة النمساوية ونقلتنا في باصات عسكرية إلى مخيم كبير لاحتجاز اللاجئين وتم فرزنا بناء على الجنسية وسؤال اللاجئين عند البلد الذي يريدون التوجه إليها أو رغبتهم في البقاء في النمسا».
ويتابع: «الكثير ممن كانوا معنا اختاروا الذهاب إلى ألمانيا والبعض توجه إلى كندا وأنا اخترت البقاء في النمسا، وقام أحد أصدقائي الذين يعيشون هناك بكفالتي وإخراجي من المخيم وأنا الآن أقطن معه، حيث سأقوم بتسليم نفسي لمركز الأمن لتقديم البصمة الرسمية ليتم فرزه على مخيم إلى حين موعد المحاكمة بعد قرابة 6 شهور، حيث يتم خلالها منحي إقامة مؤقتة أو دائمة وفرزي إلى إحدى المقاطعات بشكل رسمي».
ويختم أمجد حديثه لـ«القدس العربي» بالقول: «كانت أيام صعبة للغاية عشنا التعب وخطر الموت بالبحر والمعاناة والإذلال في بعض الأحيان، ولو أن الحد الأدنى من مقومات الحياة متوفر في قطاع غزة لما فكرت بالخروج منه، لا أعلم إن كنت سأستمر هنا أم أنني سأعود إلى القطاع لو تحسنت ظروف الحياة فيه».
إسماعيل جمال