الفلسطيني سعيد الشيخ يطرح أسئلة الشتات في «تغريبة حارس المخيم»

حجم الخط
1

ستوكهولم – من سمر الصالح:
في «تغريبة حارس المخيم»؛ الرواية الصادرة حديثاً للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ، كل الطرق تؤدي إلى السرد بحرفية الكتابة الدرامية، مهما اقترب النص من التوثيق واتكأ على مفاصل تاريخية حفرت آثاراً فجائعية في الحياة الفلسطينية.
هي «غربة أخرى» كما يقول الشاعر محمود درويش في إحدى قصائده، يستحضرها سعيد الشيخ في كتابة، هي مزيج من الواقع والخيال ضمتها أربعة فصول متلازمة بين السرد الأدبي والتاريخي، وعلى مدى زمني يمتد إلى ثلاثين سنة مشحونة بذاكرة من الأهوال التي تعود إلى أحداث النكبة الأولى عام 1948. وإن بدأ تاريخ الرواية من عند الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 الذي أفضى إلى خروج الفدائيين الفلسطينيين من المدينة وركوبهم البحر وما تبعه من أحداث مجزرة «صبرا وشاتيلا»، فإن التاريخ لن ينتهي إلا عند النهايات العميقة، عند يوم القيامة الذي يشهده «يوسف سعد الدين» بطل الرواية وزوجته «أمينة»، وهما في زيارة لربوع الوطن المغتصب، إذ يشهدا بأم أعينهما كيف دولة الاحتلال تتفسخ بتدخل من السماء، ولكن حتى ذلك التاريخ الذي يبقيه الكاتب غامضا ومتأرجحاً بحدوثة أو باحتمالية حدوثه، فإن الرواية تحفل بالشقاء الفلسطيني وتحديات الوجود.
المجزرة .. نياماً جاءتنا الفؤوس وكأن الرواية هي حياة ثانية لأبطال تخطاهم الموت؛ وأي حياة؟ يوسف سعد الدين وزوجته أمينة وابنهما عمر وزهرة التي ستصبح ابنتهما بالتبني بعدما انتشلتها أمينة من فم الموت وهي على صدر زوجة أخيها المقتولة، هؤلاء جميعا كُتب مصيرهم على غير مصير الآلاف من أهل المخيّميْن الذين حصدت المجزرة أرواحهم.
وليس المهم هنا إن جاء بهم الكاتب من الواقع أو أوجدهم من خياله، المهم في السرد هو الضوء الذي سيُسلّط على حياتهم بعد المجزرة لتصبح الكتابة بمجملها كتابة درامية مكثفة تحمل دلالات عن أهوال لا تنفك عن السيرة الفلسطينية.
يغوص الكاتب في أدق التفاصيل وإلى أعماق الكائن الإنساني المفجوع وهو أمام الهزيمة والخسارة، ويصف ما غفل عنه التوثيق كشرط أساسي يقوم عليه العمل الروائي بارتباطه بالهمّ الإنساني: «لا لوعة في هذا الكون تضاهي لوعة امرئ بأمه وأبيه وهما يُذبحان مع إخوته أمام نظره، وهو لا يدري أيضا في أي لحظة يأتي عليه الدور. لا أستطيع أن أصف كيف هو الشعور، أحتاج إلى كل لغات الأرض وقد لا تفي في وصف شعور فقدان الوالديْن والاخوة بضربة واحدة وبظروف غير طبيعية. لا أتخيّل جحيماً فوق هذا الكوكب يماثل هذا الجحيم». وجحيم البطل الذي تمنى الموت بين من ماتوا يجد له الكاتب مبررا لنجاته التي تسعد الأموات في ألا يندثروا وتندثر قضيتهم مع مواراتهم في المقابر الجماعية. « كم مقبرة جماعية أيها الجسد، يا جسد الفلسطيني المقطّع.. شريدا تمضي في الحياة واللحد لا يلمّ مماتك كما هيّأك الخالق، كأنك مختبر للوحشية، مسيح العصر؛ من سلالة النور منذورا للشقاء والآلام».
لا يغلق الكاتب هذا الفصل إلا مع حضور بعثة أممية إلى مسرح المذبحة، جاءت تبحث عن ناجين لإخراجهم من الجحيم ولتخفيف الآلام والمخاطر التي لا زالت تحوطهم، فيهاجر بطل الرواية غير مقتنع مع عائلته الصغيرة إلى السويد.

أيها الثلج، كيف الشقاء في بياضك؟

في هذا الفصل يقترب السرد من الكتابة التسجيلية، بعدما تخفت أصوات الدراما التي رافقت فصل المجزرة، هنا يسجل الكاتب بدايات نشوء الوجود العربي في السويد خلال ثمانينيات القرن الماضي. الحفاوة السويدية تجعل بطل الرواية مع زوجته يشعران بأنهما قد انتقلا إلى عالم مختلف عن العالم الذي غادروه. كانا يحتاجان إلى كثير من الوقت ليفهما البوْن الشاسع ما بين أدوات المجزرة التي عبثت بجسديهما وروحيهما، وبين الأدوات الطبية بأيدي الأطباء السويديين التي راحت ترمم روحيهما من ندوب المجزرة. وليقررا أن الإنسانية لم تغادر الكوكب بعد. أحداث كثيرة يشهدها هذا الفصل، نظرا لمرور سنوات عديدة على وجود العائلة في منفاها السويدي. وكان على العائلة أن تواجه تحديات كثيرة في الصقيع السويدي إن بدأت من الاختلاف الثقافي، فإنها لن تنتهي عند سؤال الهوية وسؤال الوجود برمّته «هل من وجود طبيعي خارج وطن الأجداد؟ وهل من وطن طبيعي خارج اللغة؟ .. كانت العائلة، كلما انخرطت أكثر في المجتمع السويدي تشعر بأن شيئاً ينقص من ذاتها، حتى عندما حصلت العائلة على الجنسية السويدية، في وقت كانت فيه السلطة الفلسطينية تبني مؤسساتها على أجزاء من الوطن المغتصب، حسب اتفاقيات أوسلو التي غبنت الحقوق الفلسطينية حسب بطل الرواية ما جعله يشعر بالقلق على مكوّنه وكينونته ويطلق سؤاله الذي يشبه الصرخة في ليل الشتات: «هل يصير سياج الوطن أعلى من سياج الاحتلال؟ وهل تصير هذه السلطة الناشئة مقبرة تضم رفات أحلام الفلسطيني بالحرية وتقرير المصير؟».
يصير الشقاء في حياة العائلة هنا مضاعفاً، فندوب المجزرة لا تنمحي سريعاً، وشروط الاندماج التي تضعها الحكومة السويدية لا تتوفر لدى أفراد ما زالت ذاكرتهم تحمل أهوال الاقتلاع وأهوال الحروب التي لاحقتهم إلى المخيم، وفي أعماقهم يشعرون بأن المخيم مازال يشكل شخصيتهم وهويتهم. والقول هنا لبطل الرواية الذي يروي الكاتب على لسانه: «ما معنى أن أكون هنا وسط هذه القيمة الإنسانية التي يمنحني إياها القانون السويدي، وجذوري هناك تجتث وترسل إلى المحرقة كي تتم الإبادة التي رسمت لنا منذ قرن من الزمن»

الهاوية… حين اشتعال النيران في الثياب!

«منى وبلال» هما ابناء يوسف وأمينة اللذان ولدا في السويد، وهما أيضا أبناء الواقع الذي فرض نفسه بقوة وترك تأثيرا على السلوك والطباع. منى تبدو واثقة من خياراتها؛ وهي بذلك على عكس بلال الذي يبدو متردداً وتائها. وهي ذكية فوق العادة متفوقة في دروسها وناجحة في علاقاتها الاجتماعية. بنَت شخصيتها على النمط السويدي، على الرغم من كل الحنو، والاحتضان العائلي من الوالدين اللذين حاولا أن يزرعا في الأبناء العادات والتقاليد الشرقية. وهذا لم يمنعها من التصرف تجاه أبيها كما تتصرف أي فتاة سويدية حين يقع الخلاف. «هل هذه ابنتي؟ كيف تكون ابنتي وهي انكسار ظهري وانكسار عنفواني؟ ترسلني وأنا في الستين من العمر إلى السجن بتهمة إساءة معاملتها». وقاع الهاوية الذي يهز العائلة يتجسد حين تترك منى منزل ذويها لتصبح حرة من كل ماضيها وفي كنف المجتمع السويدي الذي يشد من أزرها. تتوالى الضربات في حياة العائلة، وتأتي الضربة الثانية من آخر العنقود «بلال».. فبعد أن عاش تائها بين الثقافتين العربية والسويدية ومراهقة متهتّكة، فجأة يهتدي إلى طريق المصلّيات في المدينة، وهناك تتلقفه «الذئاب» وترسله إلى سوريا للقتال بجانب «داعش». «ابنك بلال سعد الدين خرج من السويد إلى بريطانيا، ومن هناك سافر مع آخرين إلى تركيا ولكن وجْهتهم الأخيرة كانت سوريا للالتحاق بمجموعات الجهاديين». هكذا يتلقى يوسف الخبر من جهاز المخابرات السويدي لتغيم الدنيا في وجهه وتنهار أمينة مغمياً عليها في البيت، ثم تتوالى الأيام عليهما وهما يتشاركان في الأمراض؛ منها الحقيقي ومنها الوهمي.
انتفاضة الأطياف.. حين مشينا إلى الشعاع كان يوسف يدري حينما اصطحب زوجته أمينة التي باتت تعاني من داء المفاصل في زيارة للوطن المغتصب، بأنه يرمّم الروح من حرائق المجزرة ومن انكساراتها المتراكمة في الشتات. كان يريد للظهر المنحني أن يستقيم بإسناده إلى أشجار الطفولة في قريته التي محاها الاحتلال. ولينال شيئا من الغبطة بلقاء أبناء عمومته الباقين في البلاد؛ وليغادره الشعور الذي رافقه طيلة عمره بأنه مقطوع من شجرة. في مكان القرية لم يُبقِ الاحتلال إلا قلعة من الزمن البيزنطي ومقبرة «الأشراف» التي تحتضن رفاة أهل البلد، يصادف في يوم زيارة أطلال القرية أن تزحف بلدوزورات الاحتلال إلى داخل المقبرة لإزالة قبورها في عملية بحث عن الآثار.
وهنا يجعل الكاتب الحكاية تتأرجح بين الواقعي والتخييلي، ويجعل المكان يتوحد في الزمان. بين الحدث واحتمالية حدوثة فاسحاً للغرائب السحرية أن تفرض نفسها على مشهدية السرد.

خاتمة

إن مجيء سعيد الشيخ من عالم القصيدة والقصة القصيرة، لم يجعله مرتبكاً وهو يدخل عالم الرواية، ويبدو في روايته الأولى متمرّساً وعلى معرفة تامة بالأمكنة التي يقصدها، ذا دراية في تفكيك محنة شخصياته التي يأتي بها لتكون معبرة عن آرائه وأفكاره. وهو يكتب بدمع العين، حيث لا يُخفى انحيازه الواضح إلى أبطاله وهم يسمون في عذاباتهم، وقد خصص لهذه العذابات لغة شعرية جعلت السرد أن يرتقي إلى حالة من التوهج.
صدرت الرواية عن «منشورات ألوان عربية» في السويد، وتقع في 268 صفحة من القطع المتوسط، وهي العمل الروائي الأول لسعيد الشيخ بعد عدة كتب أصدرها في مسيرته الأدبية توزعت بين الشعر والقصة القصيرة.
«تغريبة حارس المخيم» رواية مميزة، لا يمكن إغفالها عند الحديث عن المنجز الروائي الفلسطيني. وبهذا المعنى هي جديرة بالقراءة وتحتاج إلى مزيد من الدراسة والتقييم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية