الفلسطيني صبحي فحماوي: الصمت جعلني أكتب أفضل ممّا أتحدث

حجم الخط
0

حوار : نضال القاسم
في العام الماضي أصدر الكاتب صبحي فحماوي رواية «على باب الهوى»، التي خبّأ فيها خبرات سنين طويلة في الكتابة الأدبيّة كقاص ومسرحي وروائيّ، ممّا صبغ الرواية بالجِدّة والعمق معاً، ليس على المستوى الأسلوبي واللغوي والمهارات الإبداعية، بل وعلى المستوى التقني لإخراجها فنياً. مؤخراً، ومن حيفا، أصدر روايته الثامنة بعنوان «سروال بلقيس»، وفيها سردٌ تصويري مدهش لحياة العذاب والتشرد التي يعيشها أهالي المخيمات الفلسطينية. في هذا اللقاء مع صبحي فحماوي استطعت سبرَ بعض أغواره العميقة، التي هي جزء من مشروعه الإبداعي، الذي عبّر عنه في أعماله الكثيرة المُميّزة، من حيث خصوصيّة موضوعاتها، المرتبطة ارتباطاً عميقاً بالبيئة المحلية، التي تمزج بين الواقعي والرمزي والخيالي في مشاهد تثير الدهشة والإعجاب.

■ ما هي المحطات التي ترى من الضروري الوقوف عندها، لسبر أغوار تجربتك الإبداعية؟ ومن هو الشخص الأول الذي ترك أثرًا في حياتك؟
□ محطات تجربتي الأدبية كثيرة، في روايتي «الإسكندرية 2050» قلت إنني تنقّلتُ في ربوع الكرة الأرضية، ابتداء من شلالات النرويج، إلى صحاري الرمال المحروقة، واستمتعتُ بجمال الحدائق الأندلسية العربية، وقذفني تسونامي الشرق الأقصى إلى سور الصين العظيم، واحتفلت مع الفيتناميين المتحررين من استعباد اليورانيوم المنضّب، فإذا بي أعيش الحفلة اللاحقة على رمال الوطن العربي، المُنَفّض من نفطه الذهبي الأسود. وتجمدتُ لأكون تمثالاً في جليد آلاسكا، وقفزت من برج برلين الدوّار، إلى برج إيفل الواقف في السماء.
أمّا المحطة التي تنهي سبر أغوار تجربتي الروائية فهي الزمن، المرض أو الموت. كما قال الروائي غابرييل غارسيا ماركيز: «هناك متسع من الوقت للراحة بعد الموت».
■ متى خرجت على ثقافة العائلة والبيئة والقرية؟
□ كان خروجي عندما بدأت أفكر واستخدم حواسي الخمس، إضافة لحاستي السادسة. لكنني لم أخرج على ثقافة القرية، وإنما أُخرِجت من القرية قسراً، قريتنا التي عشت فيها شهرين تحت وابل من الرشاشات النارية وقصف الطائرات المُغيرة على وطني، فبقيت بلا قرية وبلا ثقافة قرية.
■ كيف امتهنت الكتابة الروائيّة؟
□ كنت وما زلت رجلاً قارئاً مراقباً مفكراً، فاعلاً بصمت، وهذا الصمت جعلني أكتب أفضل ممّا أتحدث. قال لي مدير مدرسة في بلد خليجي عملت فيه معلماً ذات يوم: «يا غريب، كن أديب»، أي اصمت. فصمتُّ، وبقيت صامتاً إلى يومنا هذا، وكان لا بد أن أبُقّ الحصوة من فمي المصمت، ولهذا تدفقت ينابيع السرد القصصي والروائي والمسرحي من بين شفتيّ المُصمَتَتَين.
لم تكن لي صديقات ولا قصص غرام حقيقية، فقرّرت أن أصور الغرام في خيالي بكل أشكاله من حبّ الوطن إلى حبّ المرأة، خاصّة أنني لم آخذ فرصتي في العيش كما أريد، كنت وما زلت أعيش كالأيتام على مأدبة اللئام، كنت وما زلت غريباً داخل وطني ومدينتي وحتى نفسي.
■ هل القصة القصيرة عتبة ضرورية لكتابة الرواية؟
□ أعتقد أنّ القدرة على السيطرة على كتابة القصة أسهل من السيطرة على عالم الرواية، ولذلك؛ نعم، قد يكون هذا هو الطريق، وإن كان ليس بالضرورة، فكثير من القاصين استمروا قاصين، وتألقوا في هذا المجال.
■ هل قدسية كتابة الرواية هي التي تفرض على كاتبها نوعاً من الهيبة، وهل بوسع أي كاتب أن يصبح روائياً؟
□ من يؤلف رواية مرموقة – في اعتقادي- أهم ممّن يملك عمارة مرموقة، لأنّ الرواية تبقى للأجيال، ولكن العمارة يتم تجريفها مع الزمن.
ولا أعتقد أنّ بوسع كلّ الكتاب أن يكونوا روائيين، فالسرد الروائي يتطلّب موهبة لكتابة الرواية، وقراءة مستمرة للروايات والشعر والفكر والفلسفة والتاريخ والدراما والمسرح، ومختلف أنواع الإبداعات العربية والعالمية، وظروف استثنائية، وشخصية خاصة.
■ هل ثمّة تصور لديك عن العالم؟ أو فلسفة ما تُدافع عنها؟
□ أرى العالم يسير بنظامه الرأسمالي المتوحش نحو الهاوية، فرأسماليو العالم لا يكترثون بدمار البيئة التي نعيش عليها، وقد اقترح أحدهم في روايتي «الحب في زمن العولمة» تصدير «بطاقة الجاذبية» المُخصّصة للأغنياء فقط، وبطاقة تعمل «ضدّ الجاذبية الأرضية» تلصق بأجساد الفقراء، بحيث يُطرد مليارات الفقراء عن الأرض بفعل الطرد المركزي ليبقوا الأرض هادئة للأغنياء فقط، وهذه الفكرة شاهدتها أمس على القناة الألمانية، حيث كان فريق من العلماء الألمان والصينيين يبحثون مسألة الجاذبية وضديّتها، ومسألة نقل الأجسام أو الكتل في الفراغ بسرعة أعلى بكثير من سرعة الضوء. هذه الفكرة المخيفة، والجديدة هذه الأيام، كتبتها عام 2006 ولم يلتفت إليها أحد.
الفلسفة التي أدعو إليها هي وقف القتل، وقف تدمير الأرض بالقنابل الفسفورية والنووية وبالرصاص، واستنكر القتل حتى لو باليد أو بالسكين. النظرية الأمريكية التي لم تُنفّذ ولن تُنفذ، تقول: «مُرّ، ودعهم يمرون»، ولكن التطبيق الرأسمالي المتوحش يتنافى عملياً مع هذه النظرية الجميلة.
■ أي واقع وأي مستقبل تراه للرواية العربية في الأردن؟
□ روايتك التي تصدرها تفقرك إلى الأبد يا رجل، ورواية الغربي التي يصدرها تغنيه إلى الأبد، في العالم العربي، خاصة الأردن، لا تجد رواياتنا من يطبع منها ألف نسخة، إلا إذا بعت أهلك واشتريت بثمنهم موافقة دار نشر تنشر لك روايتك.
لقد باعت الإنكليزية جي.كي. رولينج من روايتها «هاري بوتر» بستة مليارات جنيه استرليني، مع أنّ رواياتها مبنية على أساس خيالات «ألف ليلة وليلة». قل لي بالله عليك: إلى متى تنتظر حتى يدر الأدب العربي كله ستة مليارات فلس، وليس جنيها استرلينيا؟
لا مستقبل للأدب العربي في مواجهة تسونامي الأدب الغربي الدافق علينا بأذرعه الحديدية، ذات القفازات الحريرية، إلا بتوجيه الدولة الملتزمة، ودعمها للتأليف وللترجمة وصناعة الأفلام السينمائية.
هناك انهيار للأدب العربي، مقارنة بالتدفق الأدبي الغربي المدعوم من الرأسمالية المتوحشة التي تبث سمومها عبر الرواية والتلفزيون والسينما المرتبطة بعضها ببعض في كل لا يتجزأ.
■ تتميز التجربة الروائية العربية في الأردن، وتجربتك بشكل خاص، بانفتاحها على التجريب، فكيف تفهم هذا المصطلح، وكيف تتعامل معه؟ وما هو مفهومك للحداثة؟
□ كل رواية جديدة هي تجريب في مجالها، والتجريب هو الذي يصنع الحداثة في السرد الروائي. وكل أدب مرموق حديث هو حداثة في حد ذاته.. حتى الروائي المرموق نفسه «يتحادث» على نفسه – إذا جازت العبارة- أو يحدث نفسه، في كل رواية جديدة مرموقة يصدرها، لكن حبذا لو يتوقف الروائي المبدع في قمة عطائه، ولا ينتج روايات مريضة في نهاياته.
■ أبطال قصصك ورواياتك؟ أيهم ما زال حاضراً في ذاكرتك ويعيش معك؟
□ لا أومن بعبارة «أبطال الرواية»، وأستبدلها في هذا العصر المهزوم بعبارة «شخصيات الرواية». ولا أريد أن أعدّد لك الكثير، إذ أنني لا أنسى من شخصيات رواياتي أحداً، لكن سأذكر الفتى «كنعان» الذي كان بادرة تحول الإنسان الحالي المتوحش إلى إنسان أخضر نباتي يعيش على التمثيل الضوئي بدل قتل خروف أو دجاجة ليأكل.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية