بيروت ـ «القدس العربي»: من تعيش قصيدته في وطنه، ويعيش وطنه في قصيدته، ومن يعاني غربة عن بلاد ينطق بلغتها، ويعشق بمشاعرها ناجى ربه وقال «هب لي بلاداً ملاذا». مروان مخول الشاعر القادم من الجليل الفلسطيني المحتل، مضمراً قدراً لا يُعقل من الحب، مرّ ببيروت كالحلم.
رجع إلى أرضه تاركاً جمهوراً اكتشفه بإعجاب. في لبنان نجح مخول بكسر المحرم الذي حال دون إنجاز حُلم عمره لسنوات. صاحب ديوان «أبيات نسيتها القصائد معي» يطفح شعره العاطفي والوطني وجداً وقوة. شاعر مشاكس في لغته وموضوعاته وحتى في حضوره. يؤمن بالشعر تواصلاً مع جمهور. يتقن فن الوقوف على المسرح ملقياً ما لديه. اختبر فن التنويع في الوقفة، في الصوت، وفي دفق المشاعر التي يتبادلها مع الحضور، في بيروت صار مروان مخول حالة شعبية. معه كان هذا الحوار:
■ لماذا أنت في بيروت؟
□ من الطبيعي أن أكون في بيروت. هي ممنوعة. ولا سبب مقنع يمنعني منها. لا أقبل ولا اتقبل فكرة أن أحرم من التواصل الطبيعي، مع مكان هو جزء مني. هذا ما أقوله بلسان الفلسطينيين الذين يعيشون في الداخل. على المستوى الشخصي أمي لبنانية، ومن حقي الطبيعي التواصل مع نفسي. ولا معنى لفلسطينيتي دون لبنانيتي. على العكس لدي شعور بالانتماء العاطفي المرضي تجاه جزئي اللبناني، لأن عدم التواصل معه مفروض عليَ، وكذلك عدم التواصل مع جزئي العربي بشكل عام. من أجل هذا أنا في لبنان.
■ لبنان كان مستحيلاً في نصك الشعري بعد أن أصبح المستحيل حقيقة هل قضى على الشغف؟
□ عندما يتلاشى الشغف تموت القصيدة، ويموت شاعرها. كانت بيروت محطة مهمة. القطار لا زال يسير، والمحطة المقبلة ليس لي تحديدها الآن. أنا عائد إلى وطني لأتابع الكتابة، وتثقيف ذاتي. شكلت بيروت محطة جماهيرية مهمة أغنت مسيرتي الشعرية. هي ليست الأخيرة، ولعلها الأولى.
■ تركت لدى المنصتين لأمسياتك صدمات إيجابية. هل كان الحال نفسه لديك على الصعيدين الأدبي والعاطفي؟
□ شهر حزيران/ يونيو من سنة 2015 هو الأجمل في حياتي. أنا في كم هائل من الفرح أعجز عن وصفه. خلطة تحقيق الذات مع زيارة هذا المكان، إلى جانب كسر التابو في منعي من زيارته، بحد ذاته يغنيني، بمجرد شعوري بالإنجاز. ففي ذلك إنجاز. والإنجاز يُمتعني دون المطاعم والمقاهي والبحار. للزيارة أثرها الأكيد، وسيكون لها أثرها المستقبلي.
■ لنبدأ من النطفة الأولى لشعر مروان مخول. من هو محرّضك؟
□ وعيي إن قصدت بالسؤال الجمهور، فهو أحياناً عدوي وأحاول صراعه. وألا أعطيه ما يتوقع مني. أحاول أن اختلف، وأن تختلف نصوصي من قصيدة إلى أخرى. دائما أسعى كي لا يكون لي لون خاص، بل ألوان عديدة، يجمعها خيط رفيع وخاص. لست مع نمط واحد يطلبه المستمعون، أو تريده ذائقة المتلقي. سعي دائماً لاختراع خلطة جديدة تختلف بين نص وآخر. سبب يرهبني ويرفع منسوب قلقي. لا أكتب الكثير من الشعر، بل القليل منه في السنة.
■ بالسؤال عن أشعارك الأولى هل غلب فيها الوطني على شقاوة عمرك؟
□ مطلقاً. كتابي الأول مراهق رومانسي فقط، ويحمل عنوان «رسالة من آخر رجل».
■ هل تكتب الشعر بتلقائية وانسياب أم تحتاج لأن تنعزل وتدخل الحالة التي يرويها الشعراء؟
□ لا أعرف قواعد يرسمها الشعراء ولست معنياً بها. لي أسلوبي في الكتابة، وانطباعاتي وتأثراتي. لا أعيش في محيط أدبي. ولا شيء أدبيا في حياتي اليومية. ولا وجود لإنسان منظور على المستوى الأدبي والشعري في حياتي. وإن سألتني عن موقفي حيال ذلك، فهو يسعدني وليس العكس.
■ هل لهذا الواقع أن يحررك من أمر ما؟
□ يحررني من المربعات. من الطرق والمدارس. يجعل مني إنسانا يفكر بمعزل عن الآخرين. ما أريده هو أن أشبه قصيدتي. أعترف بتقوقعي عن أجواء المثقف. ربما لأنني لا أشبه المثقفين بقدر ما أشبه الناس، وأنا أقرب إليهم. هذا ليس افتعالاً مني بل السبب يكمن في أني حتى عمر الـ17 لم أقرأ كتاباً. وحتى هذا العمر أيضاً لم أواظب على وظائفي المدرسية مرة في حياتي.
■ يبدو أنك مشاكس أبدي؟
□ هذا هو الإنسان الذي أتكون منه. عملت لتطوير نفسي واستلحاقها في اللحظة الأخيرة من الدراسة الثانوية. انتبهت في اللحظة المناسبة بأنني أتخلف دراسياً. وتراءى لي كم سيشكل ذلك من خطر وغربة على مستقبلي. في اللحظة التاريخية المناسبة انقلبت رأساً على عقب. وفي ذلك الوقت تكونت شخصيتي البعيدة عن المثقفين.
■ وما هو الكتاب الأول الذي طالعته في عمر الـ17؟
□ كما كل مراهق في الدنيا قرأت نزار قباني.
■ ألم تقرأ حتى جريدة الاتحاد التي كنت تبيعها؟
□ كنت أتصفحها كطفل. والصحيفة كانت المادة الوحيدة التي كنت أقرؤها.
■ هل لا يزال زمننا يتسع للقصيدة الكلاسيكية في رأيك؟
□ هذا ليس بزمانها، ولست من أنصارها. من مهمة الشعر والفن أن يتوازيا مع العصر. قرأت الكثير من الشعر الكلاسيكي وحفظته لتعلقي به. ما آخذه على القصيدة الكلاسيكية أن الوزن والإيقاع ووقع القافية محدود. المتلقي يتوقع أين ينتهي البيت الشعري من القافية، فلا خلق موسيقي حينها. انتصر للشعر المسموع وليس المقروء. لا يحفزني الكلام الذي ينتهي بالقوافي. تغير موقفي المعجب بالقصيدة الكلاسيكية. أنا مع التحرر من كافة الشكليات لصالح الصورة الشعرية الغرائبية الجديدة والمحدثة. أبحث لأن تكون قوة القصيدة كامنة في الخلق الجمالي بحد ذاته، وليس في استعمال مفردات آتية من المعجم ولا صلة لها مع الواقع. قوة القصيدة ليست في تعقيد اللغة، بل في الغريزة الشعرية وقوة التعبير عن الصورة المطلوبة.
■ في شعرك غنائية تنتمي للزمن السريع تلقيها بما يشبه غناء الراب. هل هو إيقاع حياتك أم تعبير غاضب؟
□ هو إيقاع حياتي أولاً، وإيقاع شاعر من أشياء اغضبتني، وليست جميعها سياسية. هي ظروف جعلت مني شاعراً صاخباً.
■ وهل لنا بملامسة تلك الظروف؟
□ سجلي لديك وعداً بأننا سنعود لهذا الحوار بعد عشرين عاماً من اليوم، حيث سترينني شخصاً وشاعراً مختلفاً، وبالطبع سأكون أهدأ بكثير.
■ هل يقلِقُك قلَقُك؟
ـ نعم. القلق هو أهم صفة خارج النص للشاعر. وقد تكون الأهم من حيث انعكاسها ضرراً أو نفعاً عليه. القلق سلاح ذو حدين. يمنح النص صفة الامتياز، لأن الجد يقود العمل. والمبالغة في القلق تؤدي لإحباط وبالتالي لفشل في الكتابة.
■ لشعرك قضية فهل يعيش شعرك في وطنك أم العكس؟
□ لسنا هنا حيال شخصيتين معنويتين منفصلتين. شعري جزء من وطني، ووطني هو قصيدتي. كلاهما عندي واحد. وأنا جزء من مركب وطني. ربما كان السؤال جائزاً في مراهقتي وليس الآن.
■ في شعرك تعبير وسبك لغوي يشي بثقافة عميقة فمتى استطعت تكوينها، رغم بدايات حكمتها الشقاوة؟
□ بدأت الكتابة وأنا في الرابعة عشرة من عمري، والقراءة وأنا في السابعة عشرة. ولأنني أدرك حجم الوقت الذي هرب مني، من دون مطالعة غصت فيها وبتطرف. قرأت ساعات تلو ساعات وساعات. أكاشفك بما يلي: إن صحت لي صفة مثقف، فهذا ليس نتيجة لآلاف الكتب التي قرأتها في السنوات الأخيرة، بقدر ما هو نتيجة حتمية لكوني ابن الحياة. عشت تجربة غنية جداً. سواء في حياتي في الداخل الفلسطيني. وفي عملي في الهندسة، ومحاكاة الشارع والناس والشعب والموظفين والعمّال والحرفيين. وفي سفري شبه الشهري لإحياء أمسيات في شتى أرجاء العالم. في أسفاري اكتشفت حضارات الدنيا. تجربتي جعلت من قصيدتي واقعية، وساهمت في تطوير ثقافتي. هذا هو الواقع.
■ هل في رأيك هناك زمن جميل للشعر كما هناك زمن جميل لما مضى من الغناء؟
□ لست من المعجبين بالماضي. وأشعر بأن الماضي دائماً سيكون جميلاً، بما فيه الماضي الذي نعيش فيه الآن، يحن الإنسان إلى جماليات تلك المرحلة. لا أحن لأي ماضٍ، أريد أن أعيش اللحظة الراهنة وآخذ منها إيجابياتها. وبالتالي أتعامل بشكل صحيح مع سلبياتها. أخبرك بأن صراعي الوحيد أخوضه مع الأكبر سناً مني. ومع أصحاب الذائقة التي اعتادت شعراء آخرين، تماماً كما يخوض الفنان أو الموسيقي صراعاً مع جيل سبقه، ولا يعترف به. وهذا طبيعي. الجيل الجديد يشكل خطراً على أمن الذائقة لدى الجيل السابق. أي جديد طارئ على هذه الدنيا يتقبله المتلقي الأكبر سناً بمحدودية الضمان، ومع ألف علامة سؤال. هذا سلوك غرائزي طبيعي في الإنسان وأحترم وجوده. أستمر ليس من فراغ، بل لأن 99 في المئة من جمهوري هم من جيلي وما دون، وليس ما فوق.
■ في بعض شعرك العاطفي شقاوة ومرح وصور جميلة فهل تُكثر منه؟
□ لا أخطط الكتابة عن شعر ما وبهذا الكم أو ذاك، ولا أفتعل القصيدة. ما ترينه هو نتاج ما أشعر به. أمنيتي التخفيف من حدة القصيدة السياسية، وأنا في بحث.
■ «صورة آل غزّة» كم تحمل من لعب على الكلام؟
□ ليكن لك قراءة ما تشائين في هذا العنوان.
■ هل تعمّق حزن شجرة الباسيفلورا لدى جارك اليهودي بعد صدور ديوانك بالعبرية أم العكس؟
ـ لا أخاطب اليهود كمجموعة عرقية واحدة. ومصادفة الجيران من حولي صهاينة وأرفض التعامل معهم. نعم ترهبهم الباسيفلورا. الآن ونحن معاً في مقهى مربوطة في الحمراء هم مستفزون وهذا يفرحني. أحب أن أستفزهم.
■ هل من أثر إيجابي لترجمة أشعارك إلى العبرية؟
□ تُرجمتُ ولم أسع لذلك. وحين ترجمت قصائدي قرأها الكثير من اليهود، ومن قارئي العبرية، اعتقد أن في ذلك شيئا صحيحاً وصحياً أن يقرأ المتلقي الآخر، خاصة الواقف على الحافة ما بين بين، بين اليمين واليسار، بين الصهيونية واليهودية، فيتعاطف مع المقولة والفكر، أو مع الصور الشعرية الإنسانية الموجودة في القصيدة، كي يؤدي ذلك إلى تعاطف مع قضيتي، وآخذ جزءاً ولو صغيراً جداً من اليهود لصالح قضيتي، ودفاعاً عنها. لا مانع من التعامل مع اللغة العبرية ومع اليهودي كإنسان. أزمتي مع الصهيوني والمحتل.
■ ما هي الخلطة السحرية للتوازن الذي أقمته بين عملك كمهندس في الحديد والإسمنت وبين الشعر؟
ـ في ذلك الكثير مما يضير بي. العمل في الهندسة يستهلك مني ساعات طويلة يومياً، فيرهقني. لهذا أنا مقل في الكتابة. انما هذا التعامل اليومي مع الكثير من نوعيات الناس أدى لقصيدة آتية من المجتمع. حتى السياسي منه آت من المجتمع. العمل في الهندسة قلل قصائدي لكنه لمّعها وأعطاها نبضاً شارعياً. قصيدتي بنت الشارع وليست بنت الغرف المغلقة. قصيدتي ليست بنت الثقافة الورقية، بقدر ما هي بنت الثقافة الورقية الحياتية المعاشة.
■ هل لك أن تصف أعالي الجليل المحتل وأنت تحتسي القهوة صباحاً؟
□ سأصف لك المساء في الجليل: النجوم فوق الجليل.. عيون الساهرين في الجنة.. تنظر إلى الأرض.. فيصدمها التشابه في المطرحين.
■ لماذا الأسود رداؤك الدائم؟
□ هنالك أكثر من سبب سأقول واحداً منها. أولاً أحب هذا اللون منذ صغري. أشعره لوناً مظلوماً بحيث نصف كل سيئ به. كما ونلصقه بكل أمر تشاؤمي وشرير. أنا متأكد بأننا دائماً نصبغ الشخص بصفات معينة كونه ينحدر من فئة معينة. إن رأينا الأسود مقبلا من بعيد، فهذا فأل شر. هو سبب جعلني اتعاطف جداً مع هذا اللون، إضافة إلى حبي له. الأسود كونه هو اللون الوحيد الحقيقي، الصريح والشفاف والمباشر لأنه غير مخلوط. بينما كافة الألوان تتشكل من خليط. ثمة أسباب أخرى تمازجت وجعلتني ارتدي الأسود دائماً، أتركها لنفسي.
■ تركت الكثير لنفسك في هذا الحوار فمتى التصريح؟
□ بعد عشر سنوات من الآن.
تصوير: فلافيا جوسكا بشارة
زهرة مرعي