الفلوجة… التمرد لا يشفى عسكريا

حجم الخط
11

منذ عقود اختطت تلك المدينة الفراتية المحافظة طريقها المتميز وفرضت طريقتها، سواء طريقتها الصوفية عندما كانت تعج بحلقات الدراويش، حين قاومت احتلال بريطانيا بالاربعينيات، أو طريق السلفية الجهادية التي قادها لمعركتين هما الاكبر في تاريخ مواجهات المقاومة مع الاحتلال الامريكي.
تصاعد عنفوان السلفية الجهادية في الفلوجة حتى قبل الاحتلال الامريكي، فمنذ التسعينيات برز شبان جهاديون يملؤهم حماس وتسكنهم أفكار تتجاوز محيط مدينتهم، نحو أفق إسلامي كعمر حديد ومحمد العيساوي.
هذا التيار السلفي جعل الفلوجة في عهد صدام حسين في اواسط التسعينيات بلا محال للمشروبات الكحولية، بل المدينة الوحيدة بالعراق التي ليس فيها دار للسينما، بعد أن قام عمر حديد المحمدي ومجموعته بإحراقها، ما دفع الدولة العراقية لمراعاة خصوصية مدينة المساجد، والإحجام عن افتتاح الدار مجددا، رغم أنها واصلت مطاردة حديد وقتلت رفيقه، ليغادر المدينة مختبئا بين الموصل وهيت.
كان حديد ذاك الشاب الفتوة، المحبوب من قبل الناس، الخلوق ابن المساجد،عندما رأيناه في إحدى المرات بحي الجولان بالفلوجة كان يمكن تمييز ملامحه القيادية، ورغم تشدده في كثير من الممارسات كالدعوة لإغلاق محال تصفيف الشعر النسائية، إلا أن صيته كمنتصر للمستضعفين بالمدينة طغى على أي شيء آخر، فبعد سقوط النظام وقدوم الاحتلال عاد عمر حديد المحمدي مع محمد العيساوي، كابرز قياديين محليين لتنظيم «التوحيد والجهاد» بقيادة الزرقاوي في ذلك الوقت، وبعد هجمات شنها مع فصيله على القوات الامريكية الحديثة القدوم للعراق آنذاك، أصبح بالإمكان ان ترى اسم حديد مكتوبا على حيطان المدينة، فلم تكن قد مضت أيام على سقوط بغداد حتى شهدت الفلوجة أعنف مواجهة مسلحة مع القوات الامريكية، كان ذلك بعد إطلاق النار على مظاهرة كانت تحتفي بميلاد صدام حسين في الثامن والعشرين من أبريل، أي بعد الاحتلال بأسبوعين تماما، وأذكر أننا عندما دخلنا المدينة بعدها بأيام، وجدنا أن لغة العداء للقوات الامريكية والحكومة العراقية في اعلى مستوياتها، ولم يكن غريبا ان ترى الأطفال يتجمعون عند قدوم رتل امريكي ليرفعوا أحذيتهم بوجوههم، وهو ما لم يكن يفهم معناه الجنود الامريكيون لاختلاف الثقافة، وربما فهموه جيدا عندما ضرب بوش بالحذاء بعدها بسنوات! لم يكد يمضي عام على دخول القوات الامريكية للعراق، حتى كانت أكبر خسائرها في العراق تقع في المناطق السنية، وأهمها الفلوجة ومحيطها، إلى أن حدثت الواقعة الشهيرة، عندما قتل حراس شركة «بلاك ووتر» أثناء مرورهم برتل لسيارات رباعية الدفع وسط الفلوجة، وخرجت يومها الصورة الاشهر التي تصدرت صفحة «نيوورك تايمز»، امريكيون معلقون على جسر الفلوجة! بعد أن شن الأمريكيون معركتهم الاولى للانتقام من الإهانة التي لحقت بهم، برز اسم عمر حديد أكثر، خصوصا بعد فشل الامريكان في اقتحام المدينة وانسحاب قوات المارينز وتسليمها السلطة المحلية في الفلوجة لمجلس محلي من أبنائها اختير لقيادته الصوفي الجهادي الشيخ عبد الله الجنابي، وضم ممثلين عن «قاعدة التوحيد والجهاد»، ومجموعات أخرى في تجربة وئام فصائلي نادرة، حتى ان مقرا للحزب الإسلامي كان موجودا داخل الفلوجة، رغم العداء المتأصل بين إخوان العراق وجهاديي القاعدة، الطرف الأقوى في الفلوجة، خلال الستة اشهر التي ظلت فيها الفلوجة مستقلة عن سلطة حكومة بغداد والقوات الامريكية، وهو ما لم يرق لهم، فجاءت المعركة الثانية التي اعادت المدينة لسيطرة الامريكيين وحلفائهم السنة من الاخوان المسلمين في العراق والحزب الاسلامي وصحوات الانبار. أما عمر حديد فقد قتل في المعركة الثانية، بعد أن اقتحم الأمريكيون الفلوجة وظل يقاتل من بيت لبيت رغم رجله المصابة.
ذهب حديد وتبعه العيساوي، وبعد تلك السنين برز جيل آخر من الجهاديين من المتأثرين بحديد والزرقاوي، في وقت كانت فيه الفلوجة تواجه أقسى أيام الحصار، فبعد سيطرة الامريكيين على الفلوجة نهاية 2004، أحيطــــت بالكامل بأسوار من التحصينات، وأغـــلقت جميع منافــــذها، وخصص لدخول المدينة اربعة او ستة منافذ فقط كما أذكر، وحددت لسكان المدينة أوقات للدخول والخروج، ووضعت هويات خاصة، ورغم ذلك وبـعـــد سنوات قليلة، وخلال الحراك السني الذي عم المحافظـــات الســـنية، عادت الفلوجة كأول مديـنة تخرج عن سيطرة القوات الحكومية حتى قبل الموصل نفسها، بنحو ستة اشهر، لذلك فإن نجاح القوات الحكومية والميليشيات بالسيطرة على الفلوجة وإن حصل بعد اسابيع من العملــيات التدميــرية، لن يكون مستقرا، وإن طال لسنوات وإن تم تهجير معظم السكان، كما في جرف الصخر، وكما حصل في اكثر الحملات الامريكية عنفا، فلن يقمع عنفوان مدينة احترفت التمرد، فالتمرد لا يشفى عسكريا.

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

الفلوجة… التمرد لا يشفى عسكريا

وائل عصام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية