عمان – «القدس العربي»: كحارسة للتراث ومجددة له ليصل إلى الجيل الجديد، أحيت الفنانة الفلسطينية الملتزمة دلال أبو آمنة الذاكرة الفلسطينية، في حفلين منفصلين لقيا نجاحا باهرا في العاصمة الأردنية عمان، حيث من النادر جداً بل من ضروب المستحيل أن تشاهد فناناً يقدم حفلين في الأردن في فترة لا تتعدى الشهر ويلاقي النجاح الكبير ويكون الحفل الثاني الأكثر حضوراً وجماهيرية من سابقه.
أطلت أبو آمنة على جمهورها الذواق في مهرجان «حراس الذاكرة» الذي اقامته جمعية «الحنونة» للثقافة الشعبية، بتهليلتها «نامي» التي أبكت مستمعيها اللذين جاءوا ليحتفلوا معها بالنصر وليستعيدوا ذاكرتهم مع من حرسها.
ومن أرض الناصرة التي جاءت منها ذكرتنا دلال بأحد أهم المعالم هناك «عين العذراء» فغنت لها «عين العذرا عينا» وحيث انها واحدة من حراس الذاكرة فقد اصرت أن تحرس ذاكرتنا بتقديم التراث الفلسطيني الأصيل وتذكرنا به بموال «يا دار» وأغنية «مشان الله يا خويا» التي أعيت معها قلوب الحاضرين واستمطرت بها عيونهم مرة ثانية في وصلة بكاء وحزن وشوق للوطن والتي تغني فيها فتقول في أكثر مقاطعها ايلاماً وخاصة لمن يعلم ان الغائبين لن يعودوا ابدا.
«ياخويا ارجع عالدار قهوات ابوي عالنار .. أمي تدعي ليل نهار ليوم رجعوك ياخويا».
دلال لم تبخل على جمهورها ابدا فقدمت لهم بصوتها الساحر رائعتها الخالدة قصيدة «بلادي» تبعتها برائعة فيروز «زهرة المدائن».
ولان الحضور كبير والتفاعل هائل كان لابد من استلهام الهمم وشحذها بــ»منتصب القامة» و»أناديكم» وعدد من الأعمال التي لم تحتج فيها لغناء الكورال خلفها فكل الحضور كانوا يغنون معها بصوت واحد وهتاف لاهب.
«يجب أن نتغنى بالحياة والحب وبجمال فلسطين وتراثها وليس فقط أن نتذكر معاناتنا ومأساتنا» بهذه الكلمات بدأت أبو آمنة حوارها الصريح مع «القدس العربي» لتبوح بما يجول في خاطرها تجاه ما تراه اليوم على الساحة الفنية الغنائية، وتفسر كيف تنظر لمفهوم النجومية، وتفاجأ القارئ بشخصيتها، حيث سيجدها تسير جنبا إلى جانب الفن في طريق العلم والبحث، فالدكتورة دلال تقضي أيضا ساعات طويلة في مختبرات طبية، لتجري تجارب على فئران علها تستطيع أن تجد علاجا لمرضى التصلب اللوحي والزهايمر، كونها باحثة في علم الدماغ والأعصاب، مما يحقق لها الإتزان النفسي بين جانبين متناقضين: طلب العلم ونجومية الغناء.
وكان الحوار التالي:
○ ماذا تعني «الحنونة» لدلال أبو آمنة؟ وكيف ترى مشاركتها في حراس الذاكرة؟
• نعتز بجمعية الحنونة لانها بالفعل حارسة للذاكرة الجماعية فهم محاربون محافظون على التراث مجددين له لإيصاله إلى الجيل الجديد، فكانت مشاركتي معهم بعملي الأخير بألبوم «عن بلدي» وهو ألبوم حارس للذاكرة وبالوقت نفسه مجدد لها بإبداع فلسطيني جديد، فمشاركتي في هذه المهرجانات هي التي تمثلني كما يقول المثل «طنجرة ولقت غطاها». ففي هذه الأماكن أجد نفسي لأتغنى بجمال فلسطين وتراثها بطريقة ايجابية فيها أمل بالحياة والحب وليس فقط أن نتذكر معاناتنا ومأساتنا».
○ كيف بدأت مسيرتك الفنية وانتقالك بين الغناء الوطني الفلسطيني والطرب القديم؟
• بدأت مسيرتي الفنية في الغناء الوطني والتراث الفلسطيني ومع الوقت اقترح بعض الفنانين أن أغني للطرب القديم وللسيدة أم كلثوم في مهرجانات كبيرة مثل دار الأوبرا في مصر وأغني «افرح يا قلبي» إلى جانب أن نتذكر معاناتنا ومأساتنا في فلسطين، هذا الخلط تجلى في البوم «عن بلدي» الذي حكيت فيه عن بلدي وعن النكبة وكل بيت تهجر، وحكيت فيه عن قصة العشق بيني وبين بلادي والحب على الطريقة الفلسطينية لنؤكد أننا شعب له حضارة ويطمح الى الحرية في الحياة والعشق ولنمارس كل حقوقنا الطبيعية.
○ تسيرين على خط الغناء الملتزم.. هل يشكل ذلك عائقا في الوصول إلى النجومية؟
• أنا أدرك ان ما أقدمه من نوع غنائي، لن يجلب لي الشهرة والنجومية التي يعيشها الفنانون، ولن يجلب لي الحفلات الكثيرة، ولن يقرب مني الإعلام؛ لكن برغم ذلك كله أرى نفسي، أسير في خط غنائي متناسق مع تربيتي وثقافتي وشخصيتي، كما أرى انه سيأتي ذلك اليوم الذي يقال فيه أن دلال أبو آمنة قدمت شيئا مميزا لجيلها.
فالفنان الحقيقي والذي لا يغريه شيء يتعارض مع مبادئه، لا يتنازل عن قناعاته، فقد عرضت علي عقود انتاج ورعاية من شركات انتاج عربية مهمة، كي تتبنى موهبتي ولكنني رفضت، لانني لا أريد ان اقدم أغنيات اليوم، التي تخلو من الطرب والكلمة واللحن، فضلا عن تقديم تنازلات على مستوى الملابس والمستوى الأخلاقي، فانا ضد ثقافة «اللحلحة»، لذلك أرفض أن اتنازل وأصر على النجاح بمفهومي الخاص.
○ يصفك البعض حين تغني بأنك تجسدين روح أم كلثوم تارة وروح فيروز تارة أخرى.. ماذا صنعت دلال لنفسها؟
• أنا شخصيا مشبعة بالفن المصري والفن اللبناني متجذر في عروقي كما هو الحال للفلسطيني، هذا الوصف يحملني مسؤولية كبيرة، واعتقد ان التشبيه أتى لان تربيتي الموسيقية بدأت على طرب أم كلثوم، فضلا عن سماعي لفيروز، وهذا ما كون خلطة بصوتي بين فيروز وأم كلثوم، وهذا الخليط صنع لي حالة خاصة، أمام الجمهور فانا أقدم أغنيات فيروز وأم كلثوم باحساسي والجمهور يقبل التجربتين بنفس الروح.
○ هل أضاف الوضع الإقليمي شيئا على صوت دلال؟
• أكيد حاولت أن أخلط بين الأعمال المشبعة من أفكار الملحنين من لبنان ومصر والناصرة وغزة ليظهر البوم لا يشبهه أي البوم آخر، وبشكل حسي غير مقصود ولأننا في فلسطين لدينا ثقافة واسعة على مستوى العالم ولأننا شعب غير منغلق على نفسه، غنيت لغزة في تهليلة «نامي نامي» أهديتها لأطفال غزة وإلى كل من تسلب طفولتهم منهم، هذه الكلمات لأخ يغني لأخته قبل النوم، مستوحاة من الصورة المؤلمة لطفلين أخوين استشهدا في الحرب الأخيرة على غزة، والتي أقول في مطلعها
(نامي نامي خيتا نامي .. نامي يا فرحة أيامي
بكرة الضحكة عنا تحكي .. والجنة تحقق أحلامي)
○ تصرين على أن للفن رسالة، هل بقي للفن رسالة في ظل الوضع الراهن؟
• طبعا.. الرسالة لا تموت عند كل فنان حقيقي، لكن للأسف الفن الآن يركض وراء التجارة، وعلى الرغم من وجود فنانين حقيقيين لكنهم مغيبون إعلاميا، فمعظم الإعلام يركض وراء فقاعات الصابون وجزء من إعلامنا موجه يبحث عن أشياء تجذب الجمهور، والإعلام يعرف ان الفنانات اللاتي يتحدثن عن الفضائح يحققن انتشارا أكبر من اللاتي يبحثن فقط عن تقديم أعمال فنية من أجل الفن. وللاسف أيضا لا يوجد جمهور يعاقب هذا النوع من الإعلام برفضه وعدم متابعته، وأنا شخصيا عندي أمل بالجيل الجديد الذي صار يعرف الصحيح من الخطأ. وباعتقادي في ظل انتشار الفن السخيف، سيبحث الجمهور عن الأصالة لاننا شبعنا من الإبتذال.
طارق الفايد