عمان ـ «القدس العربي»: يؤمن الفنان والناقد التشكيلي محمد العامري أن الفعل الإبداعي هو فعل الحياة الذي يجلب البهجة، لذا لا يطمح إلى أي ألقاب، إنما يسعى إلى النهوض بالفنون التشكيلية الأردنية والتعريف بها في الخارج، وتغيير النظرة النمطية لمفهوم الثقافة وأثرها التوعوي والبناء في ظل التطرف الذي يعيشه العالم العربي.
أحدث العامري من خلال عمله في وزارة الثقافة الكثير من التحسينات على المستوى الفني التشكيلي، التي بحسب قوله وجدت طريقها نحو الفناء بعد قرار تقاعده من العمل الرسمي. يعود اليوم متفرغا لفنه ولوحاته، حيث أقام مؤخرا معرضين، أحداهما في عمان والآخر في دبي، حول مسيرته الفنية والمهنية ومشاريعه الحالية والمستقبلية، وكان لنا هذا الحوار.
■ بعد قرارك التقاعد من العمل الرسمي في وزارة الثقافة، ما هو الشيء الذي ستفتقده من هذه السنين الطويلة؟
□ تمنيت أن أحقق طموحي بإنشاء أكاديمية متكاملة من معهد الفنون، إلا أنه وبسبب ميزانية الوزارة البائسة لم أتمكن من ذلك. إلا أنني اعتز بإيجاد قسم خاص بالزخرفة والتهذيب، أغلب رواده من الإناث وللاسف الشديد وصلني أنه تم إلغاؤه. بينما سأفتقد صالات الرسم والموسيقى، حيث كنت أعمل بعض التمرينات مع الطلاب والأساتذة في مجال الرسم وسماع البروفات الموسيقية. إلى جانب الإشراف على ترتيبات الحفل وبالدرجة الأولى سأفتقد جزءا من الإيقاع اليومي مع زملائي، الذين ما زلت أتواصل معهم بقدر المستطاع.
■ هل سيؤثر دمج مجلتي «فنون وأفكار» على تغطية الفنون التشكيلية؟
□ مجلة «فنون» من أهم الضرورات للارتقاء بالفعل التشكيلي في الأردن وأنا كنت من الأوائل الذين أعادوا تشكيلها حتى صدرت في ثوب جديد ومدهش. لكن تداعيات هذا القرار، له علاقة بعدم وجود أولوية للفعل الثقافي في الحكومية الأردنية، لذلك نجد أن ميزانية وزارة الثقافة أدنى ميزانية في الوزارات، علما بأننا نواجه مسألة مهمة وخطيرة «التطرف». ومنذ تسعة أعوام كتبت «أن الفعل الثقافي بوزارته لا ينفصل عن وزارة الدفاع، كونه يسهم في بناء فرد قوي وواع لا ينجر إلا الأفعال السلبية. في تصريحات الصحف والتنظيرات حول التطرف والإرهاب، يتم القفز عن الجملة الأولى التي لا بد من الحديث فيها «إعادة بناء الفرد العربي أو الأردني» من خلال المنهاج التربوي والفعل الجمالي في الجامعات وإشاعة الثقافة والأنشطة الثقافية بشكل علمي ومحوري في الأطراف، ومتابع النتائج حتى نستطيع أن نحاصر التطرف ونشيع فكرة الحوار، لأنه غير موجود، كله عبارة عن مباراة لإقناع الطرف الاخر برأيه، لا بد من التدريب على الحوار وممارسة الفعل الجمالي وبناء الإنسان بناءا ثقافيا قويا. فالبندقية والفعل الأمني فقط، لا يستطيعان مواجهة الإرهاب، التطرف دخل إلى البيوت الأردنية من بوابة الفقر والجهل، وهذا أمر خطير جدا.
هنالك تجفيف ثقافي، خاصة من قبل وزارة الثقافة التي أوقفت «التفرغ الإبداعي في الوقت الذي أصبح فيه كرسي الوزارة لإرضاء الأقليات في الأردن مثلا تعيين وزير من الشراكسة أو غيره، وزارة الثقافة مجرد تكملة عدد من بين باقي الوزارات. وطالما نحن بصدد الحديث عن الثقافة الحقيقية، كانت لنا تجربة ناجحة في هذا المجال، حيث تعاونت مديرية تدريب الفنون في الوزارة مع مراكز الإصلاح من خلال تدريب بعض النزلاء الموهوبين ودعم مجلة «النزيل» وإقامة ورشات في النحت والزخرفة وعرض الأعمال في المركز الثقافي الملكي. هذه وسيلة ثقافية لمساندة أشخاص عاندتهم الظروف القاسية والاستثنائية وأجبرتهم على ارتكاب الخطأ، وبهذه الطريقة نساندهم للخروج من المركز كأشخاص أسوياء إيجابيين وفاعلين.
■ هل شعرت بأن العمل الوظيفي كان حاجزا ومعيقا عن الإبداع الفني، ولماذا؟
□ كنت أتعامل مع الوظيفة كمهمة ثقافية وليس كموظف، من خلال تقديم خدمات ثقافية لعينات من الجمهور الأردني كالرسم مما ساعدني على كسر نمطية الوظيفة. لكن الوظيفة في الغالب، تعيق التأمل والإنجاز لدى الفنان في مشروعه الإبداعي، بينما اختلف الأمر الآن. فخلال الشهرين الماضيين عملت معرضين مهمين في الأردن ودبي، ولدي كتب بصدد نشرها، كما تحررت من فكرة سلطة الوظيفة وبدأت أفتش عن مشاريعي المجمدة في جهاز الحاسوب. وهذا يحيلنا إلى أهمية تفرغ المبدع، بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لأن هنالك نعوت كثيرة ليس لها علاقة بالإبداع، فنحن نرى أوهام الكثير على الفيسبوك وغيره، يلقبون أنفسهم بالمبدعين والمؤلفين ويطالبون بحقوق الكتاب، فيما أصبحت معايير الإبداع مختلفة وتقاس بعدد اللايكات. وهذا بسبب أن الفعل النقدي متراجع وغير جريء، فالنقد يحتاج إلى وعي وفروسية وحيادية، لا أجد للنقاد عذرا في الكشف عن النصوص المهمة والقوية والكشف أيضا عن ضعف النصوص الضعيفة حتى تضع الإنسان في مكانه الطبيعي، ولكن للأسف هنالك قضايا رفعت ضد مثقفين برأي نقدي، حيث أصبحت المسألة قبلية، فمن ينتقد لوحتي أو قصيدتي كمن يشتمني.
■ ما الذي أضافه لك تكريم غاليري الدغليس للفنون التشكيلية؟
□ لقد كان اقتراحا من أصدقائي في قسم الفنون، سواء الطلاب أو المدرسين أو الموظفين، بعد أن لاحظوا أن ايا من المؤسسات لم تقم به. وفي التكريم أشرت إلى أن أهميته تكمن في كونه يأتي من مؤسسة خاصة وفنانين، وتمنيت عليهم أن لا يتوقف هذا الفعل عند محمد العامري ويصبح تقليدا لكل مبدع أردني يتميز بإنجاز معين، سواء في الشعر، الرواية، القصة، الموسيقى أو الفنون التشكيلية، حتى يشعر المثقف بأن هنالك من يقدرون إنجازاته وأعماله.
وهنالك مشكلة أخرى مهمة يعانيها المثقف، تغييبه عن الكثير من المعارض المهمة التي تحدث في الخارج، حيث تختار الوزارة من تبتعث من العشرة المرضي عنهم، من يقولون آمين عن كل شئ. والفنان الحقيقي برأيي يجب أن يكون ضد الصنمية وتوثين أي مؤسسة.
ومن خلال مشاركاتي في الكثير من المعارض والملتقيات التي تعقد خارج الأردن لا وجود للأردن وهنالك دول بدأت في العمل التشكيلي خلفنا بعشرين عاما، إلا أنها سبقتنا في وجود المتاحف والمزادات والمنشورات. أذكر أن معرضا في المتحف البريطاني أقيم تحت عنوان «الكتابة بالرسم» وكان متاحا للأردن أن يشارك بشكل كبير، إلا أنه لم يشارك إلا بفنان واحد، بينما شاركت فلسطين بـ12 فنانا، والعراق 24 فنانا ومعظمهم مقيم في الأردن تركيا 18 فنانا وإيران 24 فنانا.
ما زالت الشخصنة والشللية تسيطر كثيرا في هذا المجال، حتى أنها تطرقت إلى الصحافة الفنية واختيار الاشخاص المسموح الحديث عن أعمالهم، وهذا يعتبر جزءا من تزييف الحقيقة وتوجيه المثقف للتغييب، في الوقت الذي أصبح فيه العالم مفتوحا إلكترونيا ويستطيع أن يرحل عملك من خلال كبسة بسيطة ويستضيفك أي جاليري في العالم بمعزل عن كل هذه المؤامرات البعيدة عن الفعل الثقافي. بينما هنالك مؤسسات فنية انتصرت للفعل الاحترافي بعيدا عن فكرة الأصحاب وغيره، مثل «دارة الفنون» التي قامت بطبع كتاب مهم عن مقتنياتها العربية. ولكن من باب الموضوعية أيضا هنالك بعض المثقفين ممن يظلمون أنفسهم، ففي اجتماعات التخطيط التي تعقدها الوزارة مع الوزير والأمناء العامين، كنت أقدم رأيي كمثقف بشكل واضح، بينما يتواطأ بعض المثقفين ويتراجعون في إبداء آرائهم خوفا على مصالحهم الوظيفية.
■ كيف تصف تجربتك في الاشتغال على شعر محمود درويش في معرض «أشقاء في الصورة – تحية إلى روح محمود درويش»؟
□ بدأت هذا العمل في عام 2008 بوجود محمود درويش، الذي لم يسعفه القدر لحضور المعرض، وفي هذا العام أنتجت أعمالا جديدة نقلتها إلى البحرين ودبي، كما قدم أخي جهاد العامري أعمالا غرافيكية عن قصيدته «أحد عشر كوكبا»، سميته «أشقاء في الصورة»، لأن المبدع الحقيقي بغض النظر عن جنسيته شقيق في الإبداع، وأقل تحية ممكن يقدمها المبدع للمبدع هو مثل هذا المعرض، أن نستذكر قامة كبيرة بإعادة إنتاج نصه الأدبي بنص بصري.
■ لماذا أثر الفراشة؟
□ «أثر الفراشة» سحرتني فيها الألوان وخفة الحزن الذي أعادنا إلى زمن الطفولة، وقت ما نمسك الفراشة ونتركها بعد أن تخلف على أيدينا مثل طحين الماس أو طحين الفضة، حينما اتأمل الفراشات، جنة صغيرة من الألوان المتحركة، ودلالاتها كثيرة فهي بالطيران مرتبكة لا تطير بشكل منتظم.
■ كيف تخدم الألوان المصنعة من الطبيعة مثل القهوة وأوراق الشاي عملك الإبداعي كما هو في معرضك «فضاءات»؟
□ اللون ثيمة أساسية كونية في معظم أعمالي والألوان الطبيعية التي صنعتها حققت شفافيات واثرا كبيرا داخل العمل الفني، لم تحققه الأعمال المصنعة. في عام 2006 أقمت معرضا بعنوان «ملاحة بصرية» اعتمدت فيه على رحلاتي في وادي الفحيص والغور. وضمت اللوحات فخا للمشاهد من أجل أن يركز على نقطة معينة في العمل، ومن ثم يتحرك بالنظر في شكل دائري أو قطري. فكل بقعة لونية ومساحة وخط له وظيفة بصرية دقيقة جدا.
■ ما محتوى كتابك الجديد ومتى سيصدر؟
□ بصدد نشر كتاب «بكاء خشن» ويجسد رحلتي ما بين بيروت وعمان، استكمالا لكتاب «شجرة الليف» وهو عبارة عن سيرة الطفولة ومن ثم ذهابي إلى بيروت مبكرا في مرحلة التوجيهي ومفارقات وصدمات حضارية وذكريات معينة وعودتي إلى عمان، وهنالك أيضا كتاب أصدرته باللغة الألمانية عام 2004 عن مشروع «رواة المدن» عن طريق معهد «غوته»، حيث كتبت عن مدينة ميونخ التي تضم نهر «ايزار» ويشبه نهر الأردن تماما بأشجاره، وانعكاسات الظلال والجسور عليه. والآن النسخة العربية «دع كل شيء واذهب إلى النهر» ستصدر من خلال دار نشر «فضاءات».
الأمر الجديد والذي لم أفصح عنه من قبل، هو الإعداد لتصوير فيلم من «شجرة الليف» من اخراج زيد القضاة، وبدأنا كتابة السيناريو وسيشارك في مهرجان الفيلم القصير في الأردن.
للأسف بعض الفنانين الضعفاء بالعمل الفني، يتكلم عن طقس الإبداع أكثر مما يتكلم عن لوحته، والناظر إلى اللوحة لا يجد ذلك الطقس الإبداعي والأثيري الذي تحدث عنه الفنان. لأن أدواته عاجزة عن تحقيق وتنفيذ يعوضه بالكلام عن ظروف العمل وملابساتها وكل هذا لا علاقة له بالشرط الجمالي.
آية الخوالدة