وأنا في عزلة، مع ذاتي. أراقبني وأتأملني. لا شيء يخفق إلا القلب. لا أدري هل هو الليل أم النهار. أقلب الحاسوب لعل سطراً لعنوان كتاب ما مختبئ هناك على أحد الرفوف الإلكترونية، يصطحبني لمكان آخر غير هذا الذي أنا هنا فيه… لا كتاب يجذب العين ويلهم الخاطر؛ فجأة تلوح أمام عيني وتستوقفهما تلك اللوحة المصاحبة لهذا النص. لوحة ملحاحة على النظر وحارقة للحلق لعلّه يخبر عنها. أما اليد فأطبقَت هذه اللوحة عليها سلطة الكتابة؛ إنك، وأكيد، لا تكتب إلا عبر تأمل شاذ وشاد، لا اختلاف بين الكلمتين إلا النقطة.
النقطة تشكيل وتصوف
وما النقطة؟ النقطة عند أصدقائنا المتصوفة، هي الأصل الذي لا ينقص ولا يزيد ولا يبيد. النقط أفكار الفهم (عند مولانا الحلاج) والواحد فيها حقّ وما سواها باطل. أما عندنا نحن أهل الفيزياء والحل (الكلام هنا عن الهندسة والجبر) فالمستقيم نقط لا تنتهي متراصة ومتسلسلة، في متتالية تزايدية لا نهائية، إنها أمة في مسار واحد.
أما النقطة الواحدة فدائماً مركزٌ لنقط تسبح في فلكها. وهي الأصل والمرجع والخِتام في دائرة. وما الدائرة؟ لا غريب عنه، يجيبنا الحلاج (ذلك المصلوب على مثلث كلمة): «وهيهات من يدخل الدائرة، والطريق مسدود، والطالب مردود. فالنقــط الفوقاني همته، والنقط التحتاني رجعه إلى أصله، والنقط الوسطاني تحيّره».
تحيّر يلعثمني وأنا أخيط ما أخيط من كلمات ـ ها هنا ـ في حقّ متصوّف باللون، زين العابدين الأمين. فنان تشكيليّ من أفق سرمديّ الاشتــغال، وأبديّ الاشتعال. وأليس بين الاشتـــعال والاشـــتغال نقــطة؟
من النقطة إلى الدائرة
غبيّ أنا، وأنا أسأل ذات مرة ما المعنى؟ أي معنى مرجو من لوحة؟ لا شيء ولا أحد أجاب. غير أني ـ وكم كنت أبله من ذي قبل لأغفل عن هذا ـ أنظر الدائرة المصبوغة بحِبكَة اللون ودقة الإبداع، وجمالية الرسم. الدائرة ليست إلا الدائرة عند فناننا زين العابدين. إذا بي أصل إلى فحوى قول ذلك المتصوف المذكور أعلاه، وهو ينزّل قوله شرحاً في معناها، وإظهاراً لسلطتها، يقول: «والدائرة ما لها من باب، والنقطة التي في وسط الدائرة هي معنى الحقيقة». وما معنى الحقيقة؟ هي شيء لا تغيب عنه الظواهر والبواطن ولا تقبل الأشكال، يقول. أي نعم، اللا شكل.
اللا شكل هو مفتاح ولوج المعنى والحقيقة في الآن، عند صديقنا الفنان، زين العابدين الأمين. اللا شكل أقصى جسد الحداثة التشكيلية. إنه المعبر إلى تجاوزها إلى ما بعدها (ما بعد الحداثة). فنان عاشق للون، ومجذوب إليه. أنيق دائم الحضور. وهكذا الفنان.
زين العابدين الأمين، فنانٌ لا تفارقه بسمة الحياة، متفائل إلى أقصى الوجود.
سعادة القلب، ودفء الاحتضان، هكذا يلاقيك، لا يبخل عليك من دعابات ومن فرح.
دنى من اللون، وتدلى من شرفة الصباغة، فكان قاب قوسين من الانفلات إلى الانفراد التام. أو أدنى من ذلك.
الأسود والأبيض
قد تتعدد ألوان صياغاته، غير أن الأبيض (الصوفي)، والأسود (الروحاني)، لونان يهيّمنان على أعماله، فما الغاية إن كان اللون هو الوسيلة؟ صعبة الإجابة. عكس التأمل السهل في اللوحة، غير أني سأحاول أن أجيب ـ عبثا مني ـ لأقول: لا أبيض إلا بياض القلب والخاطرة. ولا سواد إلا حزنَ القلب على العالم.
إنك وأنت المتلقي، ولك شرف ذلك، تلاحظ ملاحظة العين أن الدائرة عنده دائمة الحضور عبر هذين اللونين. أي نعم. فلماذا؟
سؤال لم أطرحه عليه قط. غير أنني سأحاول الإجابة، أيضا، أنه ـ وهذا عندي أكيد ـ حضور تصوفي بامتياز. وعمق فهم بليغٌ وركيز. فهم للون وما يحويه. للمعنى والغاية منه. وما الغاية، سوى طرح للأسئلة. أليست هذه غاية الفنان؟
من خشب وورقٍ وقماش.. إلخ. ولك كل الحق، أنت المشاهد، في العدّ والتنقيب في السند المتعدد لديه؛ أسناداً يهِبُها ويَهِيبُ عليها حياة اللون وقوة الوجود. فلا يسعني إلا أن أضع، حباً وطواعية، ما قاله عن هذه الأسناد (المادة) عنده، هو الفنان، في مقال شارح وبالغ، ذلك الناقد والفنان المرح والشغوف باللون، بنيونس عميروش: «تتنوع المادة من القماشة إلى الخشب المستعاد من طبيعته التجزيئية (قطعا طولية) والمتلاشية. هذه الأخيرة تخضع للمعالجة والتجمع المتجاور، في تواز رائق مع تحميل العلامات المنتصبة والممتدة نحو الأعلى، ضمن تناسلية تحيل إلى خصوبة ولودة، حيث الحياة تتعدى دلالة الإشارات الخطية الواقفة والمتكررة، لتشمل دينامية التشكيلية الموجهة بإيقاع حركي يستجيب لصدى الذات المحمومة، وهي تنقش أنفاسها عبر وقع الفرشاة العريضة والمتناغمة مع كل شهيق وزفير. بذلك تنطبع تجريدية الجسد المتراقص والمتماهي مع طقوس الحك والدعك، واللمسة المسترسلة والمراوغة ما يدفع بنا لاستدراك «الصور» الكامنة في عمق اللوحات، خصوصاً الدائرية منها. تلك هي ميزة الأسناد الدائرية عند الفنان زين العابدين الأمين». ما الفنان عند زين العابدين الأمين، سوى ذلك الانعزال الرهيف والابتعاد الصامت، عن تلك الجدالية التي لا تضيف رغيفاً ولا لونا ولا تصنع معرفة، عن أصل التشكيلي في عالمنا العربي وبداياته، ولا عن ثيماته التي تتناسل في خيمة الفضح (لا الفصح) عند غالبية الفنانين العرب، خيمة العربي هي؛ بعيدا عن الحديث الممل عن جماليات عافَ عنها التشكيل قبل الزمن. زين العابدين الأمين فنانٌ لا يبدأ من حيث انتهى الآخرون، ولا ينتهي عند مُنْتَهاهُم. إنه يبدأ وينتهي عند مشتهاه. وهذا هو الفنان المبدع.
اللون والدائرة وأشكال أٌخر
عودة منا للإيضاح، فكما المربع الأيقوني للوحة الدائم أيضا شكل ولا- شكل لأعماله، فالدائرة وإياه يشكلان فضاءً واسعاً وسديماً للألوان.ألسنا قد أخذنا من دروس الفيزياء النظرية أن السديم الكوني هو أصل الشموس؟ أليست الدائرة رامزة لها؟ فكأنه يحاول، هو الفنان، إضاءتنا على حقيقة، مختبئة، هنا وهناك. ما علينا سوى النظر بتمعنٍ خاص في و بـ»اللوحة» لندركها. وما هذه الحقيقة؟ لست فيلسوفا هنا لأجيب. لناقد آخر فساحة الورق للإجابة. بين الدائرة وأنصافها، والمربع واللا- شكل.. يرتحِلُ زين العابدين الأمين، ونحن إياه، ليجد لنفسه حقلا خاصاً بعيدا عن الهرج والمرج والصراخ، حقلا حيث هدوء اللون وشساعة الإنصات للوحة والإبداع داخلها. هذا عن الدائرة (المتخذة للأسود والأبيض ألوانا) المشتغل عليها هنا في نصنا. ولنكن منصفين ولو قليلا للوحات الأخرى التي تحمل ألوانا أخرى متعددة أو منفردة، «وأشكالٍ أُخَرٍ»، فأقول بحذر هشيش، لا أحاول أن أصيب عين المعنى، ولكن فقط لنضع تلك الحروف المتصوفة في مكانها.
من أصفرٍ ورماديّ (خليط الأبيض والأسود) والبرتقالي وأحمر وأزرق، وألوان أخرى.. لا يسعني الحبر لكتابتها بالكامل.. تتخذ اللوحات لنفسها حق الصباغة بها(وهو حقّ شبيه بذلك الذي صرخ به الحلاج في سكر صوفي). والتشخيصِ لشخوص مبهمة وغير واضحة الشكل والملامح. في تموجات للأصباغ، كأنه ينقل لنا تلك التعددية الديمغرافية التي تلتهم وتكاد تنهي وجودنا على هذا المكوك الفضائي الفلكي (الدائرة رامزة له هو أيضا) مسمى الأرض. أليس الفنان ابنا لهذه الأرض ومناضلا من أجل سلامتها؟ زين العابدين الأمين هو كذلك.
عزالدين بوركة