الفنان محمد بكري ينقل احتجاج فلسطينيي الداخل: إسرائيل تعتبرنا مذنبين حتى نثبت براءتنا والعرب يعتبروننا يهودا حتى نثبت عروبتنا

حجم الخط
2

الناصرة ـ «القدس العربي»: يعبر الفنان الفلسطيني محمد بكري عن خيبة أمله من أوساط عربية واسعة ما زالت تتعامل معه ومع زملائه من داخل أراضي 48 بجهل وتهميش دون مبرر، مؤكدا أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة فعلا. ويقول محمد بكري ذلك رغم حيازته على جائزة أفضل ممثل ضمن مهرجان دبي السينمائي في الأسبوع الماضي هو ونجله الفنان صالح بكري عن دوريهما في فيلم «واجب». وبعد حملة التحريض على بكري لزيارته بيروت في الشهر الماضي تجددت الحملة مؤخرا وانضم لها المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، إلى الدعوى القضائية التي قدمها ضابط إسرائيلي ضد الفنان بكري حتى يكون شريكا في الدعوى القضائية المقدمة ضده بخصوص فيلم «جنين جنين» والمطالبة بتعويض مادي قيمته 600 ألف دولار. ويؤكد أن ملاحقة المؤسسة الإسرائيلية تجدد بمساندة وسائل الإعلام العبرية. ويستذكر بكري في حديث لـ «القدس العربي» ان لقائه الأول مع العالم العربي كان عام 1983 من خلال فيلم عالمي شارك في بطولته وهو «حنا كي» من إخراج كوستي غابرا وذلك ضمن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وأضاف «سافرت حاملا كل أحلامي وآمالي في الزيارة الأولى للقاهرة التي كنت أعارض زيارتها قبل ذلك رفضا للتطبيع مع إسرائيل والاحتلال. ذهبت إلى هناك وكلي آمال وطموحات أنني سأصبح نجما في العالم والقاهرة أيضا وهي حلمنا الثقافي حيث تربينا على أفلامها وشعرائها وأدبائها من نجيب محفوظ حتى أم كلثوم وبقية الكلاسيك المصري في كل الفنون والمجالات. حينما وصلت القاهرة أخذتني الصدمة لأنهم أولا طلبوا مني لا تقول إنك من إسرائيل، وخبأ حقيقة حملك الجواز الإسرائيلي ولا تذكر كلمة إسرائيل في الصحافة، فكنت أقول: أنا هكذا ولكنني قادم من هناك فما العمل؟ مرة واحدة وقعت أحلامي ومرت من وقتها 35 سنة ولم أعمل في أي فيلم مصري».
○ وكيف أثرت عليك الحادثة؟
• أثرت تلك الحادثة جدا علي وعلى وعيي، فقد كنت شابا حالما وبانيا آمالا لممثل عالمي. أول ممثل عالمي بعد عمر الشريف هذا كان العنوان في «الجمهورية». كتب هذا العنوان الراحل سمير فريد رئيس رابطة النقاد السينمائيين وهو مثقف كبير ومعادي لإسرائيل فاستبشرت خيرا بهذا العنوان وانتظرت بعده أن أصبح نجما في القاهرة فاتضح لاحقا أنني كرمت هناك قبل أربع سنوات فقط بعد كل هذا المشوار الفني الطويل وكان المبادر للتكريم هو عمر الشريف. بعد ذلك لم تحصل أي مشاركة وكان هناك نوع من المقاطعة وذنبي الوحيد أنني أحمل جواز سفر إسرائيليا. المفارقة أنني من مناهضي التطبيع لكنني أدفع الثمن وهذا موجع جدا. في هذه الفترة شاركت في ثلاثة أفلام إسرائيلية فقط بينما شاركت في عشرات الأفلام العالمية وحصدت جوائز دولية في مهرجانات كبيرة مثل دبي وروما والأرجنتين. ظلم ذوي القربى أشد مضاضة فعلا. لاحقني الإسرائيليون على أفلامي ومواقفي وإعلامهم يعتم علي وهذا غير مفرح ومفهوم لكن غير المفهوم هو التجاهل العربي. هاجمني الإسرائيليون خلال زيارتي الأخيرة لبيروت ولم يهمني وكان هذا متوقعا ومفهوما ولكن أن يقال عني مشارك في التطبيع من قبل عرب وفلسطينيين؟
○ لماذا في رأيك هوجمت؟
• لا أعرف لماذا هذا الهجوم علي لكنني أظن أن مرد ذلك عدة أسباب منها الجهل وعدم معرفة وعدم فهم مشواري الفني وعدم متابعتها منذ بداياتها وبناء مواقف بناء على قيل وقال وبدون مسؤولية ولا تعمق. نحن متهمون هنا وهناك أيضا:
في إسرائيل متهمون ونعتبر طابورا خامسا ويتعاملون معنا باعتبارنا مذنبين حتى نثبت براءتنا وهكذا نحن لدى العرب متهمون ويهود حتى نثبت عروبتنا.
شاركت مرة في مسلسل سوري بعنوان «عرب لندن» عام 2011 وهو عن حياة العرب في بريطانيا ومع ممثلين بارزين وبعضهم ربطتني بهم صداقة ممتازة ومن وقتها لم تتكرر التجربة على نفس الخلفية، هوجم مخرج الفيلم من قبل أوساط فنية عربية معروفة لأنه أخذني لدور في هذا الفيلم. لا يوجد مخرج عربي لا سوري ولا مصري ولا عراقي يجرؤ على التعاون معي عدا تونس. في تونس حزت على أربع جوائز ذهبية على أفلام وعلى مسرحية وفعلا صدق محمود وهو يقول كيف نشفى من حب تونس؟ حب فلسطين هناك كبير. تونس الحضن الدافئ الوحيد حضاريا وفنيا وسياسيا شعبا وحكومة وأكثر من كل العالم العربي. التوانسة يحترمون فلسطين ويقدرون الفن كثيرا. والقيادة الفلسطينية كرمتني في عدة دول بمبادرة السفارات الفلسطينية التي كانت ترعى فعاليات ثقافية بمشاركتي خاصة «المتشائل». أهم جائزة في حياتي جائزة فلسطين للسينما عام 1987 وأشعر باني معتبر ومحترم جدا من قبل مختلف الجهات الفلسطينية خاصة بعد أفلامي مثل «جنين جنين».
○ تلقيت دعوات لزيارة الجزائر وسوريا ولم تتم لأسباب تقنية لكن زيارة بيروت كانت الأولى وصاخبة؟
• هذه الزيارة كانت أولى وتاريخية وكنت مطمئنا لأن الجهات التي دعتني مسؤولة ومنظمة ضمن أسبوع محمد بكري. عرضت «المتشائل» في بيروت مرة واحدة واشتعلت القاعة حماسا بعد عرضها والفنانة الكبيرة نضال الأشقر مؤسسة مسرح المدينة دخلت القاعة وعانقتني ومنحتني مفتاحا كبيرا وقالت أمام الجمهور: هذا مفتاح بيروت وهي لك وبيوتنا كافتها مفتوحة لك. المفارقة أنني عندما عدت تغلبت في مطار عمان دون سبب وخلت أنني في مطار بن غوريون الدولي وسئلت كيف خرجت من هنا؟ وحينما فتشت موظفة حقيبتي سألتني عن المفتاح فقلت: هذا مفتاح حق العودة. عندما وصلت المعبر الإسرائيلي توقعت اعتقالي بعد موجة تحريض كبيرة خلال تواجدي في بيروت. ليس فقط أنهم لم يحبسوني بل لم يسألونني عن المفتاح. بيروت صرح ثقافي كبير وتسير في شوارعها كشارع الحمرا فتتذكر أنه بهذا المقهى كان يجلس محمود درويش وهناك كانت تزور فيروز وترى مقر ياسر عرقات ومقر قيادة جورج حبش وصلاح خلف فتمتلأ انفعالا، فالمدينة مشبعة بالتاريخ وغنية بالفن. بالحمرا انفعلت كثيرا لكن الدمعة فرت من عيوني في المخيمات في شاتيلا وبرج البراجنة ومار الياس وصبرا وهي في قلب بيروت. لم أعلن زيارتي للمخيمات وعمدا لم أتصور في المخيم لئلا يقال إن محمد قدم لهنا كبعض الأشخاص لالتقاط الصور.
○ ربـمـــا أنك تدفع ثمن «المتشائل» فبعض خصوم إميل حبيبي تهاجمه من خلالك؟
• لن أندم على ما أؤمن به ولا أحاكم إميل حبيبي لخطأ ارتكبه أو خطأين وجل من يسهو. بالنسبة لي ما زال حبيبي منارة من منارات شعبنا وقمة أدب المقاومة ومن ناحية ما قدمه لشعبه بالأدب. بالنسبة لي إميل حبيبي هو أديب لا سياسي. نعم هناك شيء من الحقيقة بهذا التشخيص لأنني استمرار لإميل حبيبي. لا حبي لحبيبي ليس أعمى. ولا أقوم بتأليه أحد رغم أنني أحبه. نعم كان يحبني بقدر ما أحبه وهذا ما كنت أشعر به. كان يحب محمد ويحب أبي ويحبني كفنان ومقدم للمتشائل وقد شاهدها مئات المرات وكان له ملاحظات حول المسرحية. أحببتها فعرضتها أكثر من ألفي مرة. قرأت روايات كثيرة محلية وعربية وأجنبية وهي من أجمل ما قرأت.
○ لا تتفق معه كسياسي؟
• لا أتفق مع كل السياسيين ولو كنت اتفق معهم لكنت سياسيا.
○ متى ولماذا غيرّ العالم العربي معاملته مع فلسطينيي الداخل؟
• وجود أشخاص مثل محمود درويش واميل حبيبي وسميح القاسم ومحمد بكري وآخرين في الداخل حسن صورة عرب 48 بعيون العرب عامة والفلسطينيين خاصة. هذا ملموس وأنا أحسسته وهناك ناس بالخارج تحلف برأسنا خصوصا أكثر الناس بحالة مزرية وهم لاجئو لبنان الذين يرون بنا أملا وضوءا ومرجعية وبوصلة وكذلك المثقفين العرب الذين يعرفوننا ويشعرون تجاهنا بنفس الشعور. من تجربتي الشخصية أتحدث طبعا. هناك مثقفون مثل الطاهر وطار، ويوسف القعيد وأدونيس وغيرهم أحسست بقوة بالتقدير الذي يكنوه لنا. كنت شاهدا كيف قام مثقف مصري كبير بإمساك قبعة إميل حبيبي وقبلها أمام كل الأدباء في برلين عام 1987. كان ذلك تعبيرا لدور الرجل بعدما شاهد المتشائل. ولكن هم أيضا وبضغوط الرأي العام ينتقدون إميل حبيبي.
○ عوامل أخرى؟
• اعتقد أن يوم الأرض الأول عام 1976 كان نقلة نوعية بنظرة العرب والفلسطينيين لنا. كذلك موقفنا من حرب لبنان الأولى وخروجنا بمظاهرات احتجاجية. كذلك نحن تغيرنا وباتت هويتنا الفلسطينية أكثر وضوحا وبلورنا جيلا منتصب القامة وأنا أتحدث عن زبــدة مجتـمــعنا وهم لا يواجهون سؤال الهوية وليسوا تائهين رغم وجود قطاعات ضائعة ولكن أمثال هؤلاء موجودين بكل مجتمع.
○ دور الإعلام؟
• نوعا ما نعم ولكن ليس للعمق. ساعدت بعض الفضائيات بنقل صورة إيجابية عنا. لكن ما زالت جيوب وأوساط عربية تجهلنا جهلا مطبقا. ما يتعلق بالعرب هذا يختلف من مكان لآخر. الحب الكبير لفلسطين يتجلي لدى النخب وفي الشارع شاهدته في تونس وهذا لم ألمسه في مصر وغيرها. المغرب العربي هو الأقرب لفلسطين من كل العرب.

الفنان محمد بكري ينقل احتجاج فلسطينيي الداخل: إسرائيل تعتبرنا مذنبين حتى نثبت براءتنا والعرب يعتبروننا يهودا حتى نثبت عروبتنا

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية