الفنان يقف على جبل من الخلفيات والمرجعيات… التشكيلية العراقية روش بنيامين: الحريّة نظام من نوع آخر

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: حين تلمح يديها تتساءل كيف تستطيع تلك اليدان تحمل ثقل الفرشاة! وكيف تستطيع الدخول في معترك طويل مع اللون، وهي الفنانة الرقيقة التي تتحدث كما النسمة، وتعزف ألوانها بموسيقية تشدك إلى أنغام موتزارت وبيتهوفن.
روش بنيامين فنانة لها خصوصيتها المعروفة، ففي عام 1995 دخلت قاعة الرواق في بغداد لأجد لوحات ملؤها الإشراق والطمأنينة، حيث كانت الشمس وضوؤها، والأمل وإيقاعه، أهم ما ميز ذلك المعرض الذي أطلقت عليه في حينه «معرضاً نورانياً..»، إذ سعت منذ معرضها الأول؛ حسب ما يرى الناقد خضير الزيدي، لتكون لوحتها جامعة لمتخيل ذهني مع إحساس واقعي، ومثـل تصورات كهذه تنتـج عنها متخـيلات عديدة، بنائيـتها ليست مشيدة على تقديم الحرفة أو إعلاء الصنعة، بل تصعيد التعبير الداخلي بمهارة وذوق معروف سابقاً… هذه المؤشرات تكمن في رؤية السطح التصويري الذي انهمكنا به طويلاً، ونحن نبصر عمقه ومدلوله في لوحات الفنانة روش بنيامين فهي تنفذ على الكنفاس وبالزيت خطاً فنياً تبتعد فيه عن التشريح والتشخيصية، وتعلن انتماءها للصفاء الروحي كأنها تملي علينا شرط الانتماء للصورة الخيالية المعلقة بذهنية المكان ومنطق الانسجام معه:

■ لكل فنان أو مبدع انطلاقة معينة، يمكن أن يعدها نقطة البداية الحقيقية، فما بداية روش بنيامين؟
□ لم تكن لدي بداية واحدة، كنت مع كل لوحة فيها تجريب أنطلق من جديد، حيث كانت «الأشكال (الفكرات)» تتقافز واحداً تلو الآخر، وكانت المحاور الأساسية في كل لوحة تتغير، حتى بدأت بالابتعاد عن التشخيص، واستطعت في نهاية الأمر التخلص من «الفيكر» بشكل نهائي، وجعلت للون كياناً خاصاً، به يتجسد مرة، ويكون سرابياً مرة، وهلامياً مرة أخرى… عندها بدأت انطلاقتي الحقيقية، وشكلت من خلالها لمساتي الفنية الخاصة بي.
■ هل كان لفنان ما تأثير معين على خطوطك وألوانك؟
□ أنا لم أتأثر بفنان معين، لا أنكر أنني في بداية حياتي الفنية تأثرت بمايكل أنجلو، إلا أنني بعد ذلك ابتعدت عن أسلوبه الفني.. أنا غالباً ما ابتعد عما يؤثر بي، حتى لا أنقل منه، إلا أنني في الوقت نفسه أبحث وأتأثر بمستوى الجمالية عند بعض الفنانين، سواءً كانوا عرباً أم أجانب، لكي أستطيع الوصول.. أتأثر باللوحات التي تحتوي على ضبابية وشفافية، كضبابية كوربيه وبساطته.
■ إلا أنني ألاحظ غياب الخط في أغلب لوحاتك؟
□ لأنني بدأت بالخط وتأثرت به، فالخط يعد بداية كل فنان، لأن الانطلاقة الأولى ستكون منه حتماً، ألا تظن أن الفن بدأ على شكل خطوط؟ فلا أتوقع أن الرسام العراقي الأول، منذ ما قبل السومريين، عرف اللون وتقسيماته، لكنه بالتأكيد عرف الخط وتدرجاته وما يمكن أن ينتج عنه… أنا أعد الخط بداية واللون انتقالة، وهنا تكمن الخبرة والتفرد.
■ إذن هل تعدين التجريد فناً متقدماً على التجسيد؟
□ كلا، «الشكل» أيضاً فن متقدم، وله رساموه المبدعون، ومدارسه الخاصة، ويمكن من خلاله تقديم رسالة جديدة في كل مرة. لكن الفرق بين التجريد والتشخيص، أن الأول ينبع من العقل والدماغ والحواس الداخلية، والثاني واقعي، ولكل فنان ميول خاصة به… أنا أميل إلى التجريد لأنني وجدت نفسي فيه، ولأنني أرى نفسي مبدعة في لون كهذا من الرسم.
■ ولكن كيف تستطيعين استغلال اللون لتوضيح مفاهيم باتت شائكة، كالحرب، والسلم، والحلم، والحرية… وغيرها؟
□ للفرشاة حركة تمكن المتلقي من الإحساس بها، فالعنف الذي يظهر في ضربة الفرشاة ـ حتى إن لم أرسم اللون الأحمر المعبر عن الدماء- لا بد أن يشعر به القارئ، هذا فضلاً عن الانفعالات التي يصدرها الفنان في لوحته، فكما يستطيع الشاعر أن يصرخ في قصيدته، وهي المكتوبة بحروف صماء، يستطيع الرسام أن يفعل أكثر من ذلك ويريك مدناً مهدمة وأنهار دم بلون واحد، ولكن بانفعالات كثيرة.
لكنني غالباً ما أرسم السلم رديفاً للحرب في لوحاتي، فكما هناك بقعة دم، هناك شمس وسماء صافية، وهذا ليس تناقضاً، بل حتمية أدونها وأريد الخروج بها للعالم، فمثلما هنالك حرب، هنالك سلم، ومثلما هنالك كفر، هنالك إيمان.. ونحن نحمل المتناقضين ونستطيع أن نوظفهما معاً.
■ بعد معارض كثيرة أقيمت لك، كيف تقومين التطور بين معرض وآخر؟
□ أشعر بأن هنالك تطوراً ما أسير على هديه. أشعر بأن لوحتي بعد هذه المعارض اتسمت بالركازة والخصوصية.
■ هل لردة فعل المتلقي تأثير فيك؟
□ بالتأكيد، لكنني أعمل بطريقتي لأنني ما زلت في طور التجريب وما زلت أحاول.
■ لكل فنان عندما يشرع بعمل ما، خلفيات فكرية ومرجعيات يستند إليها، كيف توضحين ذلك؟
□ الفنان يقف على جبل من الخلفيات والمرجعيات، ولكل لوحة انطلاقة خاصة بها، ولكنني غالباً ما تأخذني العفوية، وأنطلق من اليوغا فالعودة إلى الداخل تشكل لديك لقطات تتصاعد تدريجياً حتى تصل إلى الذروة أو الاكتمال النهائي.. أنا غالباً ما أنظر لكل مسألة من وجهة نظر كونية، أبحث عن صفاء الروح، أندمج مع السماء وأتأمل ماذا كنت وما أنا عليه وما ستصبح لوحتي من بعد…
■ ألم يكن للحروب تأثير في هذه النظرة؟
□ للحروب تأثيرات في الجسد، حيث الخوف والارتباك والانزعاج، أكسر كل هذه السلاسل، أحاول التخلص من أي شيء حتى من أخطائي أنا، وفي بعض الأحيان ألغي جسدي وأبدأ روحاً طليقة عندما أمسك بالفرشاة.
■ روش المهندسة، هل بدأت تأكل من جرف روش التشكيلية؟
□ أحياناً…
■ وهل استثمرت المهندسة ودقتها في تشكيل اللوحة الفنية؟
□ عندما أتعب من الرسم أهرب إلى أعمالي الهندسية، حتى أهدأ وأعود مرة أخرى إلى لوحتي… كانت الهندسة هي التي ساعدتني بدقة حساباتي في اللوحة، فأنا أجمع بين دقة الهندسة وشفافية الرسم، والاثنان مرتبطان معاً.
■ هل اللوحة لديك، محسوبة كما العمل الهندسي، مع العلم إن الفني يعمل خارج العلم والمنطق؟
□ هناك قوانين صارمة في الرسم أكثر من العمل الفني، وهي كيف تصل إلى الجمالية؟ وهذا أصعب قانون… أما في مجال الهندسة فهناك أسس وعلاقات ثابتة يسير عليها المهندس، على الرغم من حساسيتها، إلا أنها، وبشكل واضح أسهل من الرسم.
■ هل يمكن أن يكون هناك نظام ما للرسم؟
□ للهندسة مقاييس، وللرسم حرية، وهي انضباط ونظام من نوع آخر.
■ كيف تنظرين إلى الأعمال الفنية ما قبل وبعد الحرب؟
□ كان هناك تخبط في المعارض والملتقيات الفنية، فلا نستطيع أن نتبين صورة واضحة للفن التشكيلي ما قبل الحرب، لكن هذا التخبط استمر حتى الآن، غير أني أتوقع أن الواقع الفني في العراق سيتغير قريباً، ونحن لا نخلو من مبدعين كبار وإن كانوا شباباً.
■ ومن المسؤول عن ضياع القيم الفنية؟
□ التربية بالدرجة الأساس، التربية الفنية والفكرية والسعي للوصول أسرع من الآخر، هذا كله يؤدي إلى الفوضى، الرديء يطرد الجيد ويستقر.
■ وأنتِ تنظرين إلى الفن العراقي، ما الأماني التي تخالجك؟
□ أريد تعاملاً شفافاً مع الفنان العراقي الذي غاب أو غيّب عن جميع الساحات المحلية والدولية، وذلك كله بسبب إهمال وسائل الإعلام له، نريد منها خدمة الفن العراقي، وتخليصنا من الرقابة والمؤسساتية التي دمرت الفن العراقي…

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية