خير ما يطبع النفوس على التذوق الفني استمتاعها برؤية الآثار الفنية وتطلعها إليها. وقديماً رأينا الصينيين يهيمون بجميع التحف الفنية في دورهم ويحتفظون بها في صناديق فاخرة، يخلون إليها في مواقيت معينة وفق طقوس مأثورة عن السلف، يتأملون ويتخيلون مؤمنين بأن الفرد كلما توفرت له تحف فنية مختلفة يجيل فيها بصره، توفرت عناصر الذوق وغلبت عليه، فإذا هم قد ملكوا بما فعلوا روحانية فنية سبقوا إليها الغرب بآلاف السنين فلم يحذ حذوهم إلا حديثاً، حتى أصبح من العسير أن نصدق أنه لم يكن ثمة متحف في أوروبا الحديثة إلا منذ مائتي عام فقط. فلقد كان توفير اللوحات المصورة والمنحوتات والآثار الفنية قديماً من العسر بمكان، وكانت تقوم بينه وبين ذلك حوائل كثيرة، إذ لم يكن الانتقال إلى الأماكن الأثرية يسيراً، كما لم تكن الطباعة قد أخذت سبيلها ولا الوسائل الحضارية الأخرى قد بلغت هذا الشأو من الرقي. وما من شك في أننا نملك اليوم من أدوات الاتصال والانتقال والطباعة ما لا يملكه السلف بالأمس، وغدا الفرد وهو مستلق في داره يستمتع بما هنا وهناك مطبوعاً أو مصوراً أو مرئياً على شاشة السينما أو التلفزيون أو الكمبيوتر دون أن يبرح مكانه، فأصبحنا بهذه الوسائل والأدوات أقدر على أن نهيئ لأنفسنا ما يُذكي فينا الذوق الفني ويطبعنا على الإحساس به، فإذا متاحف الفن التي لم تأخذ بالانتشار إلا خلال القرن التاسع عشر تغدو اليوم ذات شأن كبير في المعاونة على استيعاب الأعمال الفنية ودراستها والموازنة بين بعضها وبعض حتى غدت جزءاً من حياة الناس اليومية، وأصبحت تلك المعروضات الفنية تمثل شيئاً قائماً بذاته يضفي عليها مجتمعةً طابعاً جديداً. فقد كنا من قبل نرى المنابر والشماعد والطُرز عناصر أساسية ضمن مكونات المسجد، وكذلك كنا نرى التماثيل القوطية عنصراً أساسياً ضمن مكونات الكاتدرائية، كما كانت اللوحات الرومانية الكلاسيكية المصورة مرتبطة عضوياً بالمكان الذي أُعدّت من أجله، داراً كان أو قصراً أو بازيليكا، لا وجود لها مع غيرها من أعمال فنية غير متآلفة معها نظرةً وروحاً. وإذا المتاحف في العصر الحديث لا تكتفي بانتزاع العمل من منشئه فحسب بل تجمع بينه وبين ما يباينه، أي تجمع بين أعمال متفرقة أو متناقضة، وإذا هذه المباينة تقتضي اختلاف النظرة إلى العمل الفني نتيجة تلك المواجهة بين النقيضين. وهذا أيضاً ما انتهى إليه الأديب الكبير أندريه مالرو في كتابه الخالد «المتحف الخيالي» بما يضم من مستنسخات وصور فوتوغرافية تتيح لنا أن نعارض بين نقش بارز ورصيعة محفورة وأن نتبين الطراز الذي يجمع بينهما.
وقديماً تنبهت الكنيسة إلى أثر الفن في النفوس مصوراً أو منحوتاً أو منغوماً، فأمسكت زمام الفن بيديها حتى لا يكون إلا ما تحب وتهوى، وفرضت على رجال الفن رقابة قاسية مخافة أن يصدر عنهم ما يخلخل العقيدة وينحرف بالناس عن جادة الدين. وما نظن اجتماع مجلس الثلاثين (1546) كان إلا لهذا، ولإنقاذ الكنيسة الكاثوليكية من التداعي الذي تعرضت له بعد حركة الإصلاح الديني بزعامة مارتن لوثر. ولقد كان من أمر هذا المجلس أن أخذ في رقابة الفنانين بعد ما رأى خطر تأثير الصورة أو التمثال في النفوس، وفي اختيار الموضوعات التي لا تناقض العقيدة من قرب أو من بُعد، وتجمع الناس على احترام العقيدة والتعلق بالدين. غير أن كنيسة روما ما لبثت أن حاولت استرداد سلطانها الذي فقدته خلال عصر الإصلاح الديني بالمبالغة في الكشف عن ثرائها الدنيوي وتصوير أمجاد السماء التي تشد القلوب عن طريق تسخير الفنون لخدمتها من تصوير ونحت وعمارة وموسيقى تشيع البهجة في النفوس، فغمرت الكنائس بالألوان المتألقة والزخارف المفرطة التي تبدو لنا اليوم في جمال الديكورات المسرحية.
هجرت الكنيسة أسلوب عصر النهضة المنادي بتحكيم العقل في تحديد أثر العمل الفني، وآثرت في عصر الباروك ضخامة المباني المعمارية والألوان الصارخة في التصوير مع إبراز التأثيرات القوية للضوء والظلال، كأنما أراد هذا الفن بإبهاره المفرط تضليل العقل وإغراقه في بحار الوهم وزحزحته عن الاعتدال والتوازن إلى عالم الهوس المحموم. كما تبنت روح الباروك في مجال الموسيقى نفس الهدف، فحاولت تحريك مشاعر المستمع من خلال خصائص التعبير الفني كلها، واتضح أن أفضل الوسائل للوصول إلى هذا الهدف هو توجيه كل مقومات الموسيقى من ملودية وهارمونية وإيقاع نحو هذه الغاية.
وهذا الفنّ الذي حرصت الكنيسة على أن تجعل زمامه في يديها إيماناً منها بتأثيره المؤكد هو الذي كاد أهل بيزنطة يثيرون من أجله حرباً دامية خلال القرن الثامن والتاسع فيما يُعرف بحركة «تحطيم الصور». وهذا الذي خشيته الكنيسة من انطلاق الفن بلا ضابط، خشي منه أيضاً نفر من المسلمين فحالوا يوماً دون أن ينطلق الفن انطلاقته الحرة، الأمر الذي جعل الفن الإسلامي قروناً عدة مقصوراً على الزخرفة لا يعدوها. ومن هنا خصّ الفنّ الإسلامي في ظل التشكك الفنَ الزخرفي بالقسط الأكبر من جهده ودقته، فإذا هو يخلّف أروع ما يُؤْ ثَر من فن «الأرابيسك»، أي فن الرقش والتوريق المتشابك الذي غدا فن الإسلام الأصيل، وكان الفنانون المسلمون فيه مُعجزين حقاً لا يجاريهم فيه غيرهم. كان الفنان المسلم يستلهم في هذا أحاسيسه، فإذا خطوط الرقش الممتدة في شطحاتها إلى ما لا نهاية تشير إلى رؤاه الميتافيزيقية. وهذا الاقتضاب وذلك التحوير لم يكونا غير نتيجة منطقية لتجنب رسم الكائنات الحية على صورها استجابة لهذا الوازع. وكان الفنان المسلم إذا ما اضطر إلى ذلك شتت أجزاء تلك الكائنات أو كرر صفوفها لتكون أقرب إلى الحلية الزخرفية منها إلى شكلها الأصلي. ومن إشراقة نفسه أضفى على أشكاله آلواناً زاهية مشرقة ما تزال تبعث فينا الحنين والنشوة.
عن «الفن والحياة»، 1968
فنان الضباط الأحرار
كان الدكتور (1921ـ 2016) محارباً ثقافياً قديماً، ورائداً في النقد الفني وتاريخ الفنون، وفي تحقيق وترجمة أمهات الكتب. ولعل من واجب المرء، بادئ ذي بدء، أن يتذكر حقيقة تخص عكاشة، مركزية وفارقة ونادرة تماماً في تقديري: أنه بدأ حياته المهنية ضابطاً عسكرياً، بل كان في عداد الضباط الذين صنعوا ثورة 23 تموز (يوليو) 1952 في مصر، ولكنه جمع بين الجيش والثقافة (خرّيج الكلية الحربية، وكلية الآداب ـ جامعة فؤاد الأوّل 1951، والدكتوراه في الآداب ـ جامعة السوربون 1960). والأرجح أنّ العالم العربي لم يشهد ضابطاً مثله أسدى إلى ثقافة بلده خدمات كبرى تأسيسية وحاسمة، سواء من موقعه الرسمي في وزارة الثقافة المصرية (سنوات 1958 ـ 1962)، أو في عمله الفرديّ المستقلّ تأليفاً وتأريخاً وتحقيقاً وترجمة.
وقد يختلف المرء أو يتفق مع هذا أو ذاك من مواقفه وأفعاله خلال فترة حكم الضباط الأحرار، أو انحيازاته اللاحقة حين بدا مراجعاً لنفسه (وهذا حقّه الطبيعي) بصدد شخص جمال عبد الناصر والناصرية إجمالاً. وقد يقبل المرء أو يرفض طبيعة الدور الذي لعبه في تنظيم الإتصالات السرّية بين عبد الناصر وناحوم غولدمان، أثناء عمله ملحقاً عسكرياً في باريس أواسط الخمسينيات. لكنّ المرء لا يملك إلا أن ينحني لهذا الضابط الذي لم يرعَ الثقافة فحسب، بل دافع عنها وعن أهلها، وحارب فرض الرقابة عليها، أمام أعلى سلطة سياسية وأمنية وعسكرية في مصر: عبد الناصر شخصياً.
وثمة، بالطبع، مَن يأخذ على عكاشة أنه لم يكن منضبطاً تماماً في ما ينقل عن مراجع أجنبية، ولم يكن يراعي التقاليد العلمية والأكاديمية في إسناد معلوماته، حتى أنّ البعض اتهمه بالسرقة، خصوصاً في موسوعته الضخمة الفريدة «تاريخ الفنون في العالم»، والتي تغطّي الفنون القديمة المصرية والعراقية والإغريقية والفارسية والتركية والرومانية والبيزنطية والإسلامية والمغولية والهندية، وفنون عصر النهضة والعصور الوسطى والعمارة الإسلامية. ولكن كيف يمكن لهذه المآخذ أن تطمس حجم الإنجازات الكبرى في ميادين عامة عديدة، بينها مثلاً: إطلاق القطاع العام في السينما المصرية، الذي ندين لسنواته الذهبية بعشرات الأعمال الخالدة؛ وإنقاذ آثار النوبة ومعبد أبو سمبل ومعبد فيله، عند إنشاء السدّ العالي؛ وإنشاء قصور الثقافة، ومتحف محمود مختار، ومتحف مراكب الشمس؛ وتأسيس فرقة الموسيقى العربية في دار الأوبرا المصرية، والفرقة القومية للفنون الشعبية، والسيرك القومي، وفرقة باليه أوبرا القاهرة؟
ومن نافل القول إنّ هذه جميعها لم تكن إنجازات مصرية محلية فحسب، بل اكتسبت على الفور طابعاً عربياً وإنسانياً. أمّا في المنجز الشخصي فإنّ تثمين أعماله ليس فيه زيادة لمستزيد: هي ثروة متكاملة ثرّة، من موسوعة الفنون الكونية، إلى ترجمات جبران خليل جبران و»مسخ الكائنات» و»فنّ الهوى»، وصولاً إلى «المعجم الموسوعي للمصطلحات الثقافية».
ثروت عكاشة