هانوفر – «القدس العربي»: حين ودّع آخر فنان مسرحي، فضاء المركز الثقافي «البافيون»، الذي شهدت عرسه الثالث «اللقاء المسرحي العربي» مدينة هانوفر، قالت داكما كوسلوفسكي مسؤولة الاستعلامات في المركز «الآن أصبح المركز ومعه المدينة يعيش تحت ثقل صقيع ثلوج يناير/كانون الثاني بعيداً عن تلك الحياة التي منحها المسرحيون العرب لهذه الفضاءات لقرابة أسبوع كامل».
ويرجع هذا الاحتفاء إلى تميّز الاختيارات الفنية والتنظيمية، كما صرّح بذلك مدير اللقاء، المسرحي المغربي عبد الفتاح الديوري، بأنه «لقاء التجارب المسرحية العربية في ما بينها من جهة، ومع الألمانية من جهة أخرى، بعيداً عن أجواء التنافس والتوتر سعياً وراء الجوائز، فكل المشاركين في هذا اللقاء هم فائزون باحتكاكهم مع الآخرين، وبثراء مضاف إلى مسيرة تجربتهم الذاتية والإبداعية».
هذا اللقاء الذي ينظمه المركز الثقافي لمدينة هانوفر اعتبرته الصحافة الألمانية «خطوة جريئة وضرورية في الوقت نفسه، من أجل تقريب المنظور الفني والثقافي العربي إلى الجمهور الألماني، الذي يعرف تحولات اجتماعية وسياسية في المرحلة الراهنة». هذا اللقاء الذي اختتمت فعالياته في الخامس والعشرين من يناير الماضي، ولم يزل صداه يتردد في الأوساط الثقافية، فأعدت محطة DW الألمانية حلقة خاصة مع مدير اللقاء، كذلك نوّهت وزيرة العلوم والثقافة في ولاية ساكسونيا السفلى كبرييلة هاينن ـ كليياجيك، في الرسالة التي بعثتها إلى منظمي اللقاء بأهميته وقيمته قائلة «تمثل اللقاء في إظهار الكثير من المسارح العربية ومكانتها المتميزة، فتبدو كمقياس لزلازل الأحداث الجارية، التي اكتسبتها بكفاحها. فهم كانوا وما زالوا وبشكل يثير الإعجاب، على قدر من تحمل المسؤولية الفنية، التي تتطلبها هذه المكانة الرفيعة، وينسحب ذلك خاصة على التحديات المتمثلة في تفاعل الإبداع الفني مع التجارب الحياتية وحالات اللجوء».
إبداعات المرأة العربية
جاء شعار اللقاء في دورته الثالثة تحت عنوان «الملاذ»، ورغم أن شعار الدورة السابقة في عام 2014 جاء بعنوان «المرأة والإبداع»، إلا أن لقاء هذا العام أقل، فمن بين عشرة أعمال من ستة دول عربية، التي شاركت في هذه الدورة، بالإضافة إلى ألمانيا، والتي أسهمت بعملين، كان نصيب مشاركة المخرجات العربيات فيها النصف.
حبيبة الجنذوبي
فمن تونس جاءت المخرجة حبيبة الجنذوبي بمسرحية «الطين»، هذا العمل التعبيري الذي استغنى عن اللغة ليترك المجال للغة الجسد المخلوط بالطين الطري، حيث تميل بنا الجنذوبي في هذا العمل إلى عوالم تقارب أجواء المسرح الفقير لجروتوفسكي. إنه الصراع الدائم بين الإنسان وذاته، والإنسان والإنسان بشقيه الذكوري والأنثوي من أجل البقاء والسيطرة على الآخر.
لينا أبيض
ومن لبنان مسرحية «ألاقي زيك فين يا علي»، التي أخرجتها المخرجة لينا أبيض، حيث تحكي لنا الممثلة والكاتبة رائدة علي طه، جزءاً من سيرة أسرتها الفلسطينية المتوزعة بين الوطن والمهجر، من خلال استشهاد والدها علي طه وتبعات استشهاده على الأسرة. فهو عمل يتراوح بين التسجيلي والحكائي الميلودرامي، مع توظيف تقنية الصورة الجدارية لتوثق لنا ما تم الافصاح عنه.
ليلى سمعان
كما قامت المخرجة الألمانية ذات الأصول الفلسطينية ليلى سمعان بتقديم مسرحية «أفهم شخص في الفيسبوك»، اعتمدت في طرحها على رسائل إلكترونية من سوريا لعبود سعيد ، إنه حوار بين عوالم غير متكافئة، بين جيلين، الابن الذي من خلال الإنترنت خلق لنفسه عالما يطل به على المحيط الخارجي خلف الحدود، والأم التي ما زالت في مناخها القديم. هنا لجأت سمعان إلى الإشارات الإنترنتية لتجعل منها خلفية سينوغرافية، فيتحول الفضاء المسرحي من القاعة إلى شاشة كمبيوتر شاسعة تعتمد رموز الفيسبوك وتويتر.
أسماء الهوري
أما من المغرب فقد كان للجمهور لقاء مع مسرحية «الدموع بالكحل» من تأليف عصام اليوسفي وإخراج أسماء الهوري، تسرد المسرحية أحداث أربع شخصيات يتم التداخل بينها أحيانا، والتنافر أحيانا أخرى، لتشكل كلها معا شخصية واحدة بعدة وجوه وحدثا واحدا ذا تعبيرات متباينة. فمن خلال الخلفيات المؤثثة للفضاء المسرحي هناك الإشارات الجدارية، التي هي الأخرى توحي بوحدة الزمان والمكان، ووحدة المصير.
فوق الصفر
على الجهة المقابلة قدّم خمسة من المخرجين أعمالهم، فمن سوريا المخرج أسامة حلال، الذي جاء إلى هانوفر بشتات من الممثلين المتوزعين في لبنان، سوريا، تركيا وفرنسا، ليقدم عمله الصامت «فوق الصفر»، عمل يحـمل في طياته ويلات الحرب، التشرد، العنف، والخوف والتجرد من الإنسـانية. فقد اعتمد المخرج في بناء أوديسيته السورية على أشعار الحـرب وتجربة الخوف الإنساني، كأشعار الشاعر الألمـاني برتـولد بريـخت، التي تصبح قصائد مغناة على لسان الموسيقيين المرافـقين للعـمل أو تعبـيرا جسـديا.
3X1
اسم العمل الفلسطيني للمخرج إيهاب زاهدة، الذي حاول الاعتماد على الاختزال في الفضاء المسرحي، حيث تنتقل المشاهد بين محطات متعددة الدلالات وحكايات تجري أحداثها بين الشارع، الفضاءات العامة أو الحميمية منها، حيث تسقط هناك الستائر والأسرار. إنه عمل يتحدث عن مجتمع الخليل وموقفه تجاه الفن المسرحي في علاقته مع المحرّم، ويطرح أسئلة من قبيل.. لماذا يختفي الحب؟ ولماذا الكل بطل؟ ومع ذلك فالكل يعاني؟ وهي أسئلة تبقى دون إجابة.
الضربة القاضية
ومن المسرح الوطني التونسي جاء المخرج نعمان حمدة بمسرحية « ك» أو «الضربة القاضية» ليقدم لنا عملاً عن علاقة امرأة تسقط ضحية عنف لفظي وجسدي، فتستنجد بملاكم سابق منعزل في سرداب معتم ليعلمها العنف، حتى يمكنها الدفاع عن نفسها فيرفض. غير أن إصرارها يفتح أمامنا كوّة نطل من خلالها على حاضر وماضي تونس القريب، عن الأمل والخيبة، ففي غليان الحلبة يسعى كل منهما إلى نسيان الواقع وأزمات الزمن. وما بين تعاقب الضوء والظلام، الحركة والسكون، الحوار المباشر والمنبعث من مكبر الصوت، جاء العمل ليوحي بالكثير من الأجواء التأملية.
أخذ الكلمة
قدم المخرج محمود الشاهدي من المغرب العمل الفردي باللغة الفرنسية للكاتب عصام اليوسفي، الذي يتناول ذكريات صحافية تتحدث عما هو شخصي وما هو اجتماعي وسياسي. فهذا الحكي يضع المشاهد أمام خيارات مصيرية ويقدم رؤى عن السلطة والمجتمع والفن ومعاناة الفنانين والصحافيين. فقد حوّل الشاهدي في طرحه لكل هذه التداخلات إلى حافظة للصور العائلية، فمن خلال بث الصور على الجدار يتم استحضار تاريخ ذكريات الشخصيات وكأنها تستحضر تاريخها الذاتي.
مسافر ليل
وهي مسرحية صلاح عبد الصبور، التي قدمها المخرج المصري إبراهيم السمان، التي وإن كُتبت سنة 1968 فدلالاتها الفكرية باقية حتى الآن، حيث بروز السلطة بكل أجنحتها السياسية والاجتماعية والدينية، والصراع المتواصل بين الإنسان والمجتمع من ناحية، وبين الإنسان والسلطة من جانب آخر. إنها أحداث مجتمع بفصائله العليا والسفلى تختزلها رحلة على متن قطار آخر الليل. فعن طريق الحكي والحكي المشخص حاول إبراهيم سمعان تجسيد عمل عبد الصبور كشكل من أشكال الكوميديا السوداء، التي تعتمد على خفة الحركة ومنولوجات هزلية مضافة إلى النص الأصلي.