أفرطت في الـكلام عن الـفن التشـكيلي من دون عقـد قـران القـول علـى الفـعل!
أتكلم عن الفن و كأنني أتكلم عن الكنز المفقود. أفرطت في هذا الموضوع حتى بدأت أرى كتاباتي من دون تنوع. و التنوع خضاب الادب. رغم ولعي بالرسم تركته لصالح الكتابة.
الكتابة يتذوقها و يفهمها كل شرائح المجتمع و لها سوق. يفهمها المثقف و الأمي. يفهمها الأكاديمي و الهاوي. تصل الكلمة للمتلقي من دون حواجز أمنية.. اما الرسم فهو للنخبة.
حكر على طبقة معينة. لا تستسيغه عامة الناس و لا تحتاجه. خصوصا في البلاد العربية و الفن الحديث. وهذا ليس ذما. كما أنه ليس مدحا. الفن هنا الذي أعنيه ليس فقط في مضمار اللوحة المعلقة على الحائط. بـل في كل مـكان، كل شـيء محـسوس يمكن تجميله بالشكل و الـلون. والعـربـي ما زال يتهـجى ألـف باء الفـن.
فكيف لي ان أغامر وأصرف ما تبقى من عمري اكتشف الألوان و الأشكال و علاقاتها ببعضها. و أنا على دراية بأنني لو طورتها وتطورت لن أبقى أكثر من تلميذة من حيث التصنيف ومن دون تقدير شعبي لي. أما في الكتابة فانا أجود بالموجود. من لا شيء أصنع شيئا. ففن الكتابة خلق لعنترة، أبي نواس، البحتري الجاحظ…
فن الكتابة له وزنه بوزن الذهب وقدره في التراث العربي حتى اليوم له جلاله واحترامه و موقعه على الخريطة الفكرية ومن قبل كل شرائح المجتمع العربي ينحنون أمامه إعجابا. لذلك تفرغت له على حساب صنوه الفن التشكيلي.
تفرغت له بعد أن أرهقتني أسئلة السائلين. مثل ماذا تعني هذه اللوحة؟ حتى لو كانت صحن فواكه. لا يفك رموزها المتفرج و لا يقتنيها و لا يثمنها. لذلك تفرغت للكتابة لأن الفن لغة تواصل.
الفن مثل الزواج لا شرعية له من دون الإشهار… وأنا مللت من الاعتكاف في المركز كأنه زنزانة الإعدام. و لا أرضي بتضحيتي بحريتي هذه أحدا ولا حتى نفسي. فبدلا من أن افرض أنا قوانين اللعبة على المجتـمع هو الـذي فرضـها علـي.
لكن ماذا أقول؟ وأنا أمسك الفرشاة و أمزج الألوان مع بعضها و أتأمل عملي و أفكر باللون الذي ويحاور الآخر هذا الحوار يحييني و يرد لي الروح. و إن كما قلت في البداية إن خيار الرسم مغامرة، أفلا تستحق حتى الحياة الرتيبة ثمة مغامرة؟ خصوصا من هذا النوع الذي تلتئم بفضلها فيه الجروح؟
وانالا أقصد هنا المغامرة تلك الفوضوية العشوائية إنما المغامرة التي فيها الهدف واضح أمامنا وما علينا سوى إلقاء أنفسنا في معركة الحياة حتى ندافع عن أفكارنا.
لا المعركة التي لا نجني منها سوى متعة المجازفة. فالمغامرة شيء والمخاطرة شيء آخر.
سلافة الماغوط