القاهرة ـ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: «شهرزاد» هو اسم استديو تصوير فوتوغرافي في مدينة صيدا، وصاحبه هاشم مدني يحتفظ بوجوه استسلمت لعدسته منذ خمسينيات القرن الفائت، أكثر من نصف قرن يحتفظ الرجل بهذه الوجوه وحيوات الأشخاص التي تحايلت على الزمن في لحظة التقاط الصورة، وخلّدت أصحابها في أكثر الأوقات صدقاً. وربما يبدو اكتشاف هذه الشخصيات وما يمكن رسمه من تفاصيل حياتية، تتقاطع وحياة صاحب الاستديو نفسه، وصولاً إلى حال المدينة وما وصلت إليه الآن. ربما كان هذا الحافز هو ما جعل المخرج أكرم زعتري يقدم فيلمه «ثمانية وعشرون ليلاً وبيتاً من الشعر» إنتاج عام 2015، الذي عُرض مؤخراً ضمن عروض ساحة «روابط» للفنون في القاهرة. زعتري هنا لا يبحث عن توثيق الأحداث الكبرى من حروب أهلية وما شابه، لكنه يكتفي بالحقيقي الباقي، ظِل هؤلاء الذين اختفوا من الحياة، ومنحتهم الصورة لحظة من الخلود.
بشر عاديون
ما بين أرشيف ضخم من الصور، ومصوّر فوتوغرافي يحتفظ في دقة شديدة وترتيب أدق بأهم اللقطات التي تناولتها عدسته، وآخر يفتش في هذا الأرشيف وذاكرة الرجل، محاولاً خلق عمل فني جديد، فيلماً توثيقياً لحال أهل المدينة منذ الخمسينيات وحتى وقت قريب. وعلى المستوى التقني، يبدو التباين، أي ما بين الفوتوغرافيا وكاميرا الفيديو والصورة التي أصبحت تتحرك، وفي الأخير فنون الفيديو آرت، التي حاول المخرج أن يكون هو الفن الذي يجمع الحكاية كإطار تقني عام. هنا تتجاور الأساليب والتقنيات في سبيل فيلم سنعتبره وثائقياً ــ الحدود النوعية للأفلام فقدت شرعيتها إلى حدٍ كبير ــ ليكن فيلماً ولتكن حكاية إذن. ووفق وجهة النظر هذه ــ المابعد حداثية ــ يصبح البحث عن سرديات صغرى، سرديات وقائع حياتية لا تهم سوى أصحابها، فلا وجود لحادث جلل، من المفترض اعتباره تأريخياً، ولابد من البحث من خلاله، حتى تتخلق القيمة أو المعنى، فالمعنى من وجود هؤلاء، ومن نمط الحياة الذي كان ولم يعد.
هكذا نريد أن نكون
لم تكتف لقطات هاشم مدني بأن تفصح عن لحظات مُختارة من قِبل أصحابها، بل امتدت لتفصح عن لحظات النزق والطيش والحلم، دون اعتبار لأي عادات وتقاليد أو أعراف اجتماعية تقيّد أرواح هؤلاء. هكذا أرادوا ولو للحظة، أن يتم تخليدهم وفق هواهم. حالات قليلة بالفعل، لكنها انتوت وفعلت، كالشاب الذي يسير على صراط ما بين الذكورة والأنوثة، وكان يطلب من المُصوّر أن يلتقط له عدة لقطات وهو يتمثل وضعيات أنثوية، كذلك صورة المرأة الوحيدة التي صادفها هاشم طوال رحلته في عالم التصوير، والتي أرادت أن تتعرى تماماً أمام عدسة الكاميرا ــ فكرة التعري هذه استحضرها أكرم زعتري، وجعلها الأساس لفيلمه الهام «هو + هي .. فان ليو» إنتاج عام 2010 ــ أي ثقة في النفس والجسد تجعل امرأة تتعرى وتحتفظ بومضات جسدها في صورة فوتوغرافية؟ مع ملاحظة أن عصر الديجيتال كان بعيداً وضمن عالم الغيب وقتها.
الحِس الرومانتيكي
تلعب أيضاً الذاكرة البصرية للمصوّر وصاحب الصورة دورها، كانت الذاكرة هنا عبارة عن الأفلام الرومانتيكية المصرية القديمة في ذلك العصر، فكان الرجل يجعل رواده يتمثلون وضعيات فناني السينما، من احتضان يد، أو قبلة على الرأس أو الخد. هذه الرومانتيكة تتحول بعد ذلك إلى التباهي المزعوم بالتقاط الصور، حيث يرتدي أصحابها ما يشبه ملابس الجيش، وأن يحمل بعضهم السلاح ــ رشاشات وبنادق ــ بالفعل في الصورة، وقد حل السلاح المتوفر لدى الجميع، محل باقات الزهور. ربما يعد هذا هو الملمح الوحيد للحال التي آلت إليها المدينة، وكأنها نغمة نشاز وسط الابتسامات والإيماءات لحالة من السلام والحب والتواطؤ بين الشخوص.
عصر الفيديو
لم يتخلف هاشم مدني عن العصر، بل واكب التصوير بكاميرا الفيديو، وبالتالي أصبحت الصورة المتحركة تمتد لتشمل حياة الناس العاديين، لم تقتصر الحركة على فناني السينما، بل أصبحوا يمتلكونها، وإن كانت اقتصرت كما هو الحال في الأعراس والولائم والمناسبات الاجتماعية، لكنها لم تمتد إلى الصورة الشخصية، وحالة الشخص أمام عدسة كاميرا الفوتوغرافيا، هذه الوحدة الجليلة التي يريد الشخص تخليد نفسه عبرها. إلا أن البحث عن شخصية تتحرك ويمكن الاحتفاظ بوجودها كذكرى بدوره كان فتحاً جديداً، وهو ما تواصل معه هاشم مدني، وخلق لديه أرشيفاً آخر من شرائط الفيديو للعديد من ساكني المكان، وبدوره يأتي أكرم زعتري ليُعيد صياغة حكايات الفوتوغرافيا والفيديو، عبر تقنية عصره هي/الفيديو آرت، وفي شكل يقترب من التوثيق، لخلق حالة جمالية جديدة، تعتمد لقطات من التلفزيون والسينما والأغاني من خلال اليوتيوب، ومن خلال أجهزة الموبايـــــل والصور التي تتـــم إعادة إنتاجها وتمثيل شخصــــيات أخرى لإعــــادة هذه الذكرى أو تلك. هنا يصبح هاشم شاهدا على هذه اللحظات من جديد، من خلال تقنية مغايرة، هاشم الذي أصبح لا يعيش سوى بين جدران الاستديو، في وحدة أشبه بوحدة بورتريهات شخصياته الفوتوغرافية بالأبيض والأسود.
الإيقاع السردي
رغم ما يحمله فيلم «ثمانية وعشرون ليلاً وبيتاً من الشعر» من فكرة وتقنية جيدة في سرد التفاصيل، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في إيقاع الفيلم، هناك إطالة كبيرة في بعض المقاطع السردية، خاصة في ألعاب التجريب البصري التي يقوم بها أكرم زعتري. على العكس من فيلمـــــه عن فان ليو، الذي كان أكثر إحكاماً. هنا تبدو الحكايات مشتـــتة ومتداخلة أكثر، والفقرات البصرية وإعادة إنتاجها عانت من الترهل الشديد، وهي سمة التوثيق الذي يريد أن يحكي كل شيء، في ظِل مادة أرشيفية غنية، فغاب عنه فعل (الإيجاز) وهو سمة تحويل الوقائع إلى فن.