الفوتوغرافي عمار عبد ربه يقتحم عوالم الجسد والرقابة المُجتمعيّة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: «الحقيقة العارية» عنوان جريء يختاره الفوتوغرافي السوري عمار عبد ربه، لمعرضه الذي يُفتتح هذا الأسبوع في «غاليري أيام» وسط العاصمة اللبنانية بيروت، وهو يخشى كما صرّح لـ«القدس العربي» من رد الفعل على المعرض في هذا الوقت الذي يشهد فورة أصوليّة متشدّدة في عموم المنطقة العربية.
عبد ربّه دمشقي المولد (1966) قضى طفولته بين لبنان وليبيا قبل أن يهاجر مع عائلته إلى فرنسا عام (1978) ليبدأ مهنة احترافيّة في التصوير الفوتوغرافي. وهو أحد المصوّرين السوريين القلائل الذين استطاعوا شقّ دربهم في هذه المهنة، التي لم يلحظها المجتمع السوري طويلاً في ظلال الرقابة متعدّدة المستويات التي خيّمت على الثقافة السورية طوال عقود. يُهاجم عبد ربّه هذه الرقابة المجتمعيّة، ونظيرتها الرسميّة التي اتخذت لنفسها مُسمّى «أخلاقيّة»، فقرّرت ما يُسمح للمجتمع بأن يراه وما لا يُسمح له برؤيته، ما يحق للفنان التعاطي معه كموضوع بحث وما يُمنع عليه المساس به، وهي المحرّمات الثلاثة الأشهر عبر التاريخ الثقافي الجمعي للمجتمعات على تنوّعها «الدين ـ السياسة ـ الجنس».
وإن كانت المجتمعات الغربية في عصر نهضتها قامت بمراجعة عميقة للنص الديني وفصلت في حكمه المجتمع والدولة عن الكنيسة وسائر الأديان، فإن المجتمعات العربية تغرق اليوم أكثر فأكثر في سواد الأصوليّة الأيديولوجيّة التي تلغي الفكر والتفكير لصالح تكفيريّة دمويّة لا تحترم الإنسان قبل أي شيء آخر. المرأة موضوع الجنس الماديّة في نظر تلك الأصوليّة، من حيث كونها جسدا لا أكثر ولا أقل، جسدا لمتعة الرجل/ المُجاهِدْ، ماكينة تكاثر ضرورية لاستمرار نسل هذا الذكر وتأريخ اسمه بإنجاب ذكور آخرين يمسكون بدورهم بمقاليد الحكم البطركية. المرأة التي تُكرّس الجماعات الجهادية من «بوكو حرام» إلى «القاعدة» وصولاً إلى «داعش» هذه الصورة النمطيّة عنها باعتبارها شيئاً خلقه الله لمتعة النبي آدم وكانت له شرّاً، لتضفي على «تجارتها للبشر» و»استرقاق النساء» المادي المحض بُعداً إلهيّاً يُبارك الوحشيّة، ليس جسد هذه المرأة هو موضوع معرض عبد ربّه «الحقيقة العارية»، بقدر ما هو الثقافة التي تحكم هذا الجسد، وتؤطره في سياقات فكريّة مُحدّدة اجتماعياً وثقافياً.
يحاول عمّار عبد ربّه عدم الوقوع في فخ الاستسهال الذي يمكن أن يثيره تصوير جسد امرأة عارٍ، أو شبه عار. مقدّماً تساؤلاً إلى كلّ متلق حول آليّة نظرنا إلى هذا الجسد، نحن المحكومون بثقافتنا الشرقيّة المُتأصلة عبر قرون من الرقابة والمنع. عبر تفاصيل عمله على بُنيّة اللوحة، فما هو حضور الجسد في فضاء اللوحة؟ ماذا يُكشف وماذا يُخبّئ من هذا الجسد؟
يعود عبد ربّه إلى مؤلفات عربية حاولت تقديم نظرة أخرى، أو ربما هي كرّست تلك النظرة النمطيّة لجسد المرأة من سبيل كتاب «الروض العاطر في نزهة الخاطر» أحد الكتب التعليمية الجنسيّة القليلة في الثقافة العربية لمؤلّفه «أبو عبد الله محمد بن محمد النفراوي» ويعود إصداره إلى القرن الخامس عشر، حيث يتعاون عبد ربّه مع الخطّاط السوري عقيل لصناعة كولاج فني يُقيم الكلمة حجاباً على الجسد، مُضاعفاً بهذا من مستويات القراءة والتلقي، خاصة أنّ الكتلة اللونية تغدو بدورها حجاباً حيناً وغواية حيناً آخر.

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية