الفوتوغراف باعتباره فِعلا مقاوما للفَقْدِ

حجم الخط
0

■ من عكا إلى يافا، ومن حيفا إلى طبريا، وصولا للقدس العربية، يوظف أحمد محسيري كاميرته في كل مرة يزور بها فلسطين التاريخية المحتلة؛ لتوثيق وطن مسلوب بكل ما فيه من جبال، وبحار، وآثار، وأسواق، وبشر، وحجر، وحارات، وبيوت لا تزال تنتظر عودة من غادروها أطفالا.
بيوت ذابلة بعد أن سكنها الغرباء الغزاة، تحاور عدسته النوافذ؛ التي يعشش على حوافها الحزن لغياب أصحابها، ويبحث عن مشاهد من خلال أقواس الباحات، ومن أمام الحواكير والبيارات التي طال انتظارها لعودة أصحابها.
يقوم محسيري من خلال معرضه «عرش التراب»، الذي أقامه عشية ذكرى النكبة الفلسطينية، في غاليري متحف محمود درويش في رام الله، بمقاومة ذلك الإحساس الثقيل بالفقد في حضرة المشهد، ويحاول في الوقت نفسه، استعادة ما هو مسلوب من خلال تصويره.
ما الذي يدفعنا لتصوير مكان ما أو مشهد ما، بعيدا عن المتطلب الوظيفي؟ هل هي رغبتنا في اللاوعي بامتلاك ما راق لنا فيه؟ أم هي الرغبة بتجميد اللحظة لاستعادتها في أي وقت؟ هل هو ذلك البحث المحموم تاريخيا من قبل البشر، منذ جلجامش وحتى يومنا هذا، للعثور على شكل من أشكال الخلود؟ أم هي، في الحالة هذه، الرغبة في استعادة امتلاك المكان من خلال تصويره؟
تقول سوزن سونتاغ في كتابها المعنون بـ «حول الفوتوغراف»، الصادر عام 1977، «أن تُصور هو أن تقوم بامتلاك ما تم تصويره، وهو ما يعني أن يضع واحدنا نفسه في علاقة محددة مع العالَم الذي يُشعَرُ به كالمعرفة – وبالتالي يكون مثل القوة». يركز محسيري، ابن قرية بيت محسير المهدمة والمهجرة عام 1948، التي تقع غرب مدينة القدس المحتلة، في معرضه على المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948، بالإضافة للقدس، لترسيخ الخطابين الرئيسيين للمعرض، وهما خطاب العودة، وخطاب التأكيد على (فلسطين التاريخية) من النهر إلى البحر، ناهيك عن الدلالة الواضحة لتوقيت الافتتاح.
اتسم البعض من صور معرض «عرش التراب» لمحسيري، بالعفوية والبساطة المشهدية؛ من حيث زوايا التصوير والمضمون، وتقسيمات المساحة ما بين الكتلة والفراغ، حيث لم تحمل هذه الصور في مشهديتها شيئا استثنائيا ومختلفا، إلا أنها محمولة وجدانيا بهوية الأمكنة وما يراد قوله من خلال توثيقها.
كمثال على ذلك؛ ما نجده في صورة جامع البحر في يافا، حيث لم يكن في الصورة توازن بصري بين الكتلة الرئيسية في المشهد (المئذنة)، والفراغ (السماء والبحر)، ولم تكن في المشهد إضافة مختلفة عن الذين صوروا المشهد ذاته في ما مضى، وهو عكس ما نجده في البعض الآخر من صور المعرض، ومثال على ذلك ما هو في صورة حيفا، التي يظهر على يسارها طريق صاعد إلى قمة الجبل، الذي شكل مرتكزا بصريا جاذبا للذهن والعين من حيث المعنى والمبنى.
في أسفل يمين الصورة نفسها، نرى مدينة حيفا ملاصقة لخط الأفق والبحر، وهي صورة حملت مشهدية بانورامية جميلة وناجحة، من حيث انتقاء زاوية التصوير ومن حيث التوازن البصري ما بين طرفي الصورة وزواياها، مع معالجات لونية ضمن الحدود، التي في حال تجاوزها المصور، قد يتسبب بالتشتيت على هوية الصورة كفوتوغراف. وهو تماما ما حدث من حيث المعالجة اللونية في صورة «باب قديم من يافا»، حيث أن المعالجة الرقمية وتكثيف الألوان وإضافة التطبيقات الجمالية، بما يتجاوز الحدود المقبولة فوتوغرافيا، أخرج الصورة من كونها فوتوغرافا بالمفهوم والتعريف الكلاسيكيين.
إن الإشارة للأمور التقنية والفنية في معرض وجداني كهذا قد يكون أمرا غير اعتيادي، إلا أنه ضروري من حيث الأمانة النقدية في عرض الصور الفوتوغرافية والحديث عنها، مهما كانت رسالة المعرض.
أعمال كهذه، لا شك في أنها تحمل جماليات بصرية ولونية تشكيلية معينة، وثمة فن كهذا موجود وله المشتغلين فيه وجمهوره، ولكنه لم يعد ممكنا تصنيفه كتصوير فوتوغرافي مع كل هذه التغييرات والإضافات الجمالية الرقمية، حتى إن كان أساس العمل صورة فوتوغرافية، حيث أن الفوتوغراف هو انعكاس الواقع كما هو من حيث المضمون والشكل، ومن حيث اللون إذا كان تصويرا ملونا، وهو ما سأقدمه مفصلا في مقالة مقبلة.
لقد قام محسيري بتقديم أعمال فوتوغرافية تلامس شغاف القلب، وتشعل الحنين في الروح، «محتفيا بالمكان بصريا» على حد تعبير المصور. متجولا في أحياء ومدن الوطن المحتل مقاتلا لا سائحا، حاملا بين يديه كاميرته، مسلحا بالتمسك بالثوابت والتاريخ، وهو المصور الذي يستمد شرعيته وقوته من خلال هويته أولا، ومن خلال عدسته ثانيا. يقول المصور أحمد محسيري بأنه اختار هذا الاسم للمعرض، «عرش التراب»، للتأكيد على سمو ورفعة تراب الوطن، ومؤكدا في الوقت ذاته على مقدرة التصوير الفوتوغرافي أن يكون فنا مقاوما للفَقْدِ والغياب.

٭ فوتوغرافي فلسطيني ـ أردني

الفوتوغراف باعتباره فِعلا مقاوما للفَقْدِ
«عرش التُراب» للفلسطيني أحمد محسيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية