«الفوضى الخَلاقَة» التي تصنع داعش وتعيد الخلافة

حجم الخط
13

لندن ـ «القدس العربي»: كان ممتطيا حصانه يسارع الزمن في منتصف ليلة 18 نيسان/إبريل عام 1775، قاطعا المسافات بين القرى في مستعمرة بوستون التي كانت تابعة في حينه للتاج البريطاني وإحدى الولايات الأمريكية لاحقاً، يدق على الأبواب صارخا «البريطانيون قادمون» ويحض الناس ان ينشروا الخبر لمن حولهم وللقرى المجاورة لأن «الأمر خطير». كان السيد بول ريڤير، قبل ساعات من ذلك قد سمع إشاعة، فقد أخبره أحد الأولاد في بوستن أنه سمع جنديا بريطانيا يهمس لآخر «غدا سنذيقهم عذاب جهنم». بعد التفكير وإستشارة شخص آخر فقط إستعار بول ريڤر حصانا وإنطلق تحت جنح الظلام، كان يشعر أن الأمر خطير وان الرسالة يجب ان تصل للسكان ولكنه لم يكن ينوي أن يشعل ثورة ضد البريطانيين، يريد تحذير الناس مما كان يعتقد انه حملة مداهمة وتفتيش عن السلاح سوف يقوم بها الجيش البريطاني في الصباح.
خلال ساعات من إنطلاقه كان الخبر قد انتشر كالفيروس، ينتقل من شخص الى شخص ومن قرية الى أخرى إنتشرت العدوى مسافات طويلة وحمل الناس السلاح ونظموا انفسهم في مليشيا محلية إستعدادا لقدوم البريطانيين، لم يعرف أحد التفاصيل فقط ان البريطانيين قادمون، وبسبب عتمة الليل وصراخ الناس وأسلوب بول ريڤر في نشر الأخبار وطريقة إنتشار «الخبر الفيروس» ساد الهلع والترقب والفوضى والإستعداد لمواجهة «الأمر الخطير». في التاسعة صباحاً عندما تحرك الجيش البريطاني وبدأ التقدم ليداهم مخازن السلاح باغتته المليشيا التي نظمها الناس في الليل، فاجأتهم شدة بأس مقاتليها وهزم الجيش البريطاني هزيمة نكراء زادت من ثقة سكان المستعمرات ومن جرأتهم على تحدي التاج البريطاني. من تلك الواقعة إنطلقت «الثورة الأمريكية» ضد الإمبراطورية البريطانية وهزمتها وكنستها من المستعمرات الأمريكية وأسست لقوة عظمى في التاريخ وهي الولايات المتحدة الأمريكية دون تخطيط مسبق.
لم يكن بول تريڤر يمتلك حساب «تويتر» لكي ينشر الخبر بسرعة بل كانت عنده القدرة على التلخيص، تلخيص أفكار وأحداث كبرى بعدد قليل من الحروف «البريطانيون قادمون»، تلخيص ناجع حتى بمقياس «تويتر» الذي لا يسمح بأكثر من 140 حرفا كحد أقصى لنشر تغريدة. لقد أوجز فأنجز، لم يطلب عقد إجتماع ولم يناقش المعطيات ولم يخبر أحدا عن مصادره ولم يقل أن مصدره كان «شاهد عيان» يافع يدعي انه سمع همس الجنود ولم يعقب أنه وفي ظل التحركات المريبة للجيش البريطاني في ميناء بوستون فانه يرجح ان الأمر خطير وعلى الناس ان تفكر وتتدبر. هكذا هي شبكات التواصل والإعلام الإجتماعي، تُفضل الإيجاز على الإسهاب، تختار ما يستوعبه عامة الناس بسرعة دون عناء التفكير والتحليل. وإن كانت هناك بيئة حاضنة ومناسبة تتلقف التغريدات تصبح قابلة للتحول لأفكار فيروسية يتناقلها الناس ويتصرفون بناء عليها بغض النظر عن النتائج المستقبلية. كانت البيئة التي نشر فيها بول تريڤر تغريدته «البريطانيون قادمون» مناسبة لنشر الفكرة فسكان المنطقة يعرفون بالضبط ماذا يعني قدوم البريطانيين وكانت كفيلة بنشر حالة من الفوضى بين السكان يمكننا الآن تسميتها الفوضى الخلاقة إن أعجبتنا النتيجة ولو كنا من أنصار التاج البريطاني في ذلك الوقت لسميناها الفوضى المدمرة.
بعد أشهر من نشر صور وتغريدات الرعب والعنف القادمة من سوريا بشكل مستمر على يد مقاتلي داعش وغيره من التنظيمات الجهادية خلقت البيئة المناسبة لنشر الحرب وتوسيعها لتشمل العراق وكان وابل التغريدات الموجه من داعش وأنصاره والتي تحتوي على تهديدات ومشاهد عنف كفيلا بإحداث حالة من الفوضى في صفوف الجيش العراقي والسكان أدت لسيطرة المقاتلين على الموصل خلال ساعات قليلة. بعد الموصل بدأت موجة أخرى من التغريدات والرسائل المختصرة مثل «قادمون يا بغداد» مختصر مفيد، يتضمن أفكارا كبرى ورسائل خطيرة مفتوحة على كل الإحتمالات تتلقفها كل بيئة حسب جهوزيتها وفهمها وإحتياجاتها الخاصة. فالمالكي إعتبرها تدشينا لكربلاء جديدة وفتح هو وغيره باب التطوع إستعدادا للحرب، ودول عديدة حول العالم تفاعلت وما زالت تتفاعل مع الفكرة الفيروس هذه وتبني استراتيجياتها وتحالفاتها حسب إيقاعها.
لم يمتلك بول تريڤر «آي فون» أو هاتفا ذكيا أو شبكة إنترنت لنشر الفكرة الفيروس على أوسع نطاق ليوصل صيحته لارجاء العالم، ولكنه لم يحتج لذلك فالمنطقة التي كانت تعنيه صغيرة جغرافيا ولا تتجاوز المسافة التي يستطيع الجيش البريطاني قطعها في يوم واحد حين يتقدم. وقد يكون صغر المنطقة التي انتشرت فيها فكرته الفيروسية خدمت انتشارها لو وصلت لندن مثلا او مناطق أخرى لاستطاع احدهم ان يرد عليها او ان يقوم بتوضيح وبالتالي الحد من انتشارها وطريقة تفاعل الناس معها. كذلك الرسائل الإعلامية والتغريدات التي تنشر على الإنترنت هي فعلا لا تجد صداها الا في جيوب معينةعبر الشبكة، فصحيح ان الانترنت تصل كل العالم بعضه ببعض وصحيح ان الباحث المتمرس يستطيع ان يجد أغلب ما يريد ولكن أغلب الناس فعليا تتواجد عبر شبكات التواصل الاجتماعي في غيتوات وتتواصل مع بعضها في حلقات منفصلة، فالمتدين المتشدد يتصل مع امثاله ويتابع حساباتهم ويشارك منتدياتهم وغالبا لا يتفاعل مع غيرهم الا ما ندر، ويبدو له ان كل العالم يفكر مثله ومثل من يتصل معهم، داخل هذه الحلقات والغيتوات التواصلية تتضخم الأفكار لانها كلما طرحت بين متشابهين تجد الصدى وتتكرس أكثر وأكثر.
التواصل المكثف والإتصال الدائم الذي وفرته الشبكة العنكبوتية وإنتشار الهواتف وأجهزة التلفزيون خلقت حالة سائلة وبيئة ناقلة للعدوى وإن القيت داخلها فكرة تتضمن القدرة على ان تتحول لفيروس لا يمكن التنبوء أي نوع من الفوضى ستخلق. منطقة الشرق الأوسط مفتوحة على كل الإحتمالات لا مطلق الأفكار الفيروسية ولا الجمهور يستطيع التكهن بالنتائج او التحكم بالعواقب. فكرة إعادة تأسيس الخلافة الإسلامية هي فكرة قد تتحول لفيروس يعدي شرائح واسعة من المجتمعات ويؤدي لتغيرات جذرية في المنطقة وعواقب مدمرة على سكانها ولكن هذا لا يعني أنها سوف تؤدي في النهاية لإنشاء قوة عظمى بل قد تؤدي أخيرا لقتل نفسها وإنهاء عقود طويلة من الرومانسية وحلم المسلمين بإعادة أمجاد ضاعت.

إياد بركات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية