الفيلة الحمراء: شجرة الضر!

حجم الخط
42

كنت اقوم بكنس حينا المهدم من القصف،وانا ارتدي ثوبي الفلسطيني المطرز الطويل، وفي اذني حلق جميل اهدتني اياه ام جورج جارتي الموصلية : مكتوب عليه (اياكم والانبياء الكذبة)!!، وفي عيني كحل امي العربي، وسوسو ابنة جيراننا تقفز كالفراشة خلفي لتمشط خصلة من شعري الذي خرج سهوا من الشال، و سعيد واخوه مصطفى الولد الغزاوي المقطوع الرجلين ذو الستة اعوام جالسا على كرسيه المتحرك بالقرب مني يمسكان بيديهما مصحفا أخضر كالربيع، كنت اكنس واحفظهما سورة الرعد وهما يرددان خلفي حتى يحفظا:( اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الضار) !!، تنهدت بغضب وقلت له:( أعد يا سعيد، (اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار !!) بالدال مش بالضاد يا سعيد، حتى في القرءان بتحكي غزاوي !، زهقتني خلص روح احرس الحي من عصابة ( مسي !!).
في ذلك الوقت كان السيد ذنب وهو صحافي لديه هواية جلب صور من الحي الغربي وتعليقها في حينا الشرقي المعروف بحي( الحرية الحمراء)و المليء بالبؤساء والارامل والايتام ومعاقي الحرب، يقوم بتعليق صورة لامرأة فاتنة اتى بها من هناك، وكتب تحتها» ترقبوا زيارة مس ليبرتي»!! كنا متحمسين جدا لزيارة مس ليبرتي و تابعنا الكنس بنشاط لاستقبالها،…. انا وسكان الحي وجاري العزيز الموصلي ابو جورج، وكل من جارتي سنية وضرتها انعام، الارملة التي قتل زوجها في قصف حي بابا عمرو وتزوجها جارنا وربى ايتامها، كنا جميعا نجهد لنزيل نفايات تراكمت على كراسي حدائق الحي والتصقت بها القتها جارة عدوانية اسمها miss messyمس ميسي !!!فيما فرات يعلق مبتهجا بالمهرجان لوحة ترحيب كتب عليها وللحرية الحمراء….
لم تكن مس ليبرتي بالجمال الذي يدعيه السيد دنب !! و كفيلة حمراء ثقيلة الدم،احتلت هي ووفدها، الباحة التي كنا نقوم بكنسها دون حتى ان تلقي علينا التحية، وقع منظرها علينا كالصاعقة،كانت سمينة جدا ولا تشبه حسناء الصورة ابدا نظرت إلى قامتي الشاهقة بازدراء وغيظ،وهي ترتدي فستانها الاحمر القصير، وبدت شفتاها ملطختين بلون زيت اسود غريب !!يبدو انها شربته،و ارتدت في قدميها حذاء احمر بكعب عالي لتغطي على قصرها البالغ، اما شعرها الابيض الذي لا تشوبه شائبة شباب واحدة، فقد حاولت تغطيته بقبعة عصرية لتغطي على شيخوختها،وسرعان ما بدأت تهوي بمروحتها الفاخرة بغرور، على وجهها الابيض المليء بتجاعيد السجل الاحفوري للثورة الفرنسية، وعلى عينيها نظارات سوداء كتب عليها: لا يمكن ان ترى من خلالها الا القرون الوسطى !
(هل هذه الفيلة الحمراء ثقيلة الدم هي مس ليبرتي الرشيقة، التي دوشنا فيها (ذنب) في جريدته، صرخ فرأت اليتيم العراقي الذي بتر القصف الامريكي للفلوجة يده اليمنى محبطا بصوت عال، نظرت اليه محذرة، وانا اكاد انفجر ضحكا وعضضت على شفتي كي لا تسمعه الضيفة، اما ابو جورج فصاح ( يا عدرا ) ليعبر عن دهشته من سمنة مس ليبرتي، التي تخيلناها اجمل عارضة ازياء في العالم.
توقفنا فجأة عن الكنس، امام المشهد كمن اصابته صعقة كهرباء أو كشريط علق في الفيديو وتوقفت صورته امام الوفد الذي صاحب مس ليبرتي في رحلتها إلى حينا،،كنا مصدومين تماما فهؤلاء سيسكنون حينا ثمنا لخدمات مس ليبرتي لنا.
بدأ العرض: بشابات عاريات الصدور كتبن على اجسامهن عبارة جسدي ملكي،كن يهتفن بقوة،ولم نفهم ولا كلمة لا انا ولا غيري، الا انني كدت اضرب ابو العينين احد زعران الحي المعروف هو وشلته بمكنستي على رأسه ليتوقف عن النظر،كان مذهولا وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما، في حين قامت شابة معاقة منغولية اسمها ساذجة اصابتها العدوى بتقليدهن فخلعت قميصها بحماس واحمر وجهها وهي تكافح من اجل تحرير صدرها من القفل الذي بدا ملتصقا بظهرها، ما ان فكت ساذجة القفل وحطمته حتى علا التصفيق و صرخت الفتيات بصوت واحد ثانية( جسدي ملكي، لقد حررت ساذجة ( صدرها من ضغط السوتيان)،كاد يغمى علي،اما ابو جورج فغطى عينيه كطفل بريء وهويصلي ويتمتم بآيات من الانجيل : (ان تقلع عينك خير من ان تنظر إلى امرأة ليست لك)، بينما ابو العينين وشلته يشاركون بالتصفير وهربوا وانا اضربهم بالمكنسة،واعلن اسفي على استدعائهم لحفل الاستقبال هذا، احمر وجهي اكثر وسوسو تقفزبفرح وتقول لي» هيه لقد كسرت ساذجة القفل!!، ياي امي قريبا ستفعل مثلها وتكسر قفل سجن المزة، وسيصفقون لهامثل ساذجة)، شددت على أسناني غيظا و طلبت من سوسو العودة على الفور إلى المنزل،نشف ريقي من هذا الحفل الفضيحة ،وكاد يغمى علي و سعيد يركض لاهثا من بعيد،بعد ان سمع الضجيج وقال بانفعال وريقه ناشف : مس شو صار تحررت الضفة؟
بعدها بدا شابان بتبادل القبلات على المنصة وقلدتهما فتاتان، ثم اشهر الشابان ورقة زواج مدني بينهما وقالا كل ذلك بفضل مس ليبرتي، لقد كنا منبوذين واليوم حصلنا على حقوقنا، استفرغت سوسو، وكادوا ينقلوني انا وابو جورج إلى المستشفى بعد ان اغمي علينا،واسعفتنا كل من انعام وضرتها سنية بالبصل،ونحن نلعن الساعة التي وافقنا فيها على الاحتفال، في حين اعتلى رجل المنصة وعرف اسمه في المهرجان على انه السيد جاك ،قال لنا بفخر: انا اشكر مس ليبرتي على اتاحتها الفرصة لي لأمارس حريتي في (الحب).
بعد انتهاء العرض تقدمت ليبرتي وقد لبست زي القضاة وقالت بصراحة نحن اتينا إلى الحي للقبض على رئيسة البلدية وليس فقط للاحتفال واشارت الي بحقد :
انت متهمة باهانة المرأة عبر السماح للرجل بالزواج باربع نسوة في حيكم وهذه اهانة غير مقبولة للمرأة، كادت انعام تقتلها فازحتها بالقوة ونظرت بسخرية إلى جاك وقلت ساخرة : ( لا والله !!!!)
تابعت : بالحجر على حريات المثليين، ضربت سنية على صدرها وقالت : قصدك الشواذ يعني ؟!،اما ابو جورج فقال غاضبا : شو بدك ايانا سدوم وعمورة يا ليبرتي !!!ولا بدك ايانا ننقرض، و متهمة بان قانون حيك الاجرامي يقطع الايدي، صرخ فرات:بل طيران مس مسي اللي قطع ايدي وقتل امي وابي كم تشبهين مس مسي القبيحة التي كانت تشفط البترول بالمصاصة من البير وسرقته كله، وموتتنا من الجوع انت فيلة سمينة تشبهينها تماما ولون ثيابك عليه اثار دم وفمك اسود من الشرب كفمها!
حكمت علي مس ليبرتي بالباسي ثياب المجرمين الداعشيين وقتلي صلبا على خشبتين وصفق ذنب للحكم ايضا!، بينما ابو جورج يبكي بحرقة علي لأنه رأى في ميتتي شبها بالمسيح على الصليب،سألتني ليبرتي صحيح ما اسمك ؟قلت لها :الانسة إسلام رئيسة البلدية المنتخبة!
هاج الحي برمته وانقضواعلى ليبرتي ووفدها، و انطرحت مس ليبرتي ارضا كان فرات يقفز في كرشها ويصرخ ايتها الفيلة الحمراء ساقتلك كم تشبهين مسي المجرمة، بينما قامت انعام وسنية بشد شعرها، فخرجت الباروكة في ايديهماوبدت صلعاء تماما !! اما سعيد فصرخ بعد ان اكتشف الحقيقة : )يا الهي انها مس مسي، هيا يا اولاد والله لتموتي متل شجرة الضر،بالقباقيب يا اولاد ) وكانت المرة الوحيدة التي لم اصحح فيها لسعيد لهجته الغزاوية من الضاد إلى الدال فهو فعلا لم يخطىء هذه المرة،انها فعلا الفيلة الحمراء وشجرة الضر !

كاتبة فلسطينية

غادة الشاويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية