القاهرة ـ «القدس العربي»: تتسع الصحراء لكثير من الحكايات والمعاني في البانوراما الإنسانية المهمة التي يصوغها المخرج الأردني الواعد ناجي أبو نوار في فيلمه الفلسفي التاريخي «ذيب»، ذلك الطفل المتجاوز بإدراكه المبكر حدود سنه، وهو البطل لأحداث تفوق وعي الكبار، لكنه يجسد باقتدار مأساة السجن داخل حدود الصحارى الواسعة والاغتراب في عوالم بدائية لا تزال رهينة الاكتشاف وقيد التحرر من عقدة النفي خارج الزمن الحضاري.
لم يطرح أبو نوار مشكلة المجتمع الأردني الراهن، وإنما يشير إلى حقبة تاريخية وقعت أحداثها في مطلع القرن الماضي إبان فترة الحكم العثماني، إذ يشير عبر حكاية «ذيب» البدوي البائس وشقيقه حسين إلى نوازعهما الملحة للخروج من طور الصحراء وإيقاعها إلى عوالم أخرى تسمح باستيعاب أفكارهما الاستكشافية العميقة في الزمن والماهية والبيئة والبشر، وبالفعل يشرع الشقيقان في الترحال، ويتخذان من الجمل وسيلة للسفر ويتسلحان بما يحميهما من غدر الوحوش الضارية وقطاع الطرق واللصوص، ويبدأن الرحلة الشاقة بصحبة جندي إنكليزي يظل دوره غامضا إلى حد كبير، فهو يحمل صندوقا خشبيا أشبه بالقنبلة الزمنية البدائية، ويركب جملا آخر مرتديا زيه العسكري الدال عليه وتتناقض علاقته بذيب وشقيقه الأكبر، فتارة تكون العلاقة حميمة، وتارة أخرى تبدو عليه إمارات العدوان والشراسة، خاصة إذا ما لمح فضولا من الطفل بما يحتفظ به من أسلحة غير تقليدية.
على أثر ذلك يتنامي الشك لدى المشاهد في أن يكون الجندي هذا جاسوسا ينتحل صفة غير صفته، ويبدي تعاطفا مع الشقيقين، بينما هو في واقع الحال مأجور عليهما لاقتناء أثرهما لاعتقاده بأنهما يبحثان عن كنز أو تنطوي سيرتهما على سر خطير. وتمضي الأحداث في جو مشحون بالترقب والإثارة إلى أن يفقد الطفل الصغير ذيب شقيقه حسين ويقتل الجندي المشكوك في أمره ويصبح وحيدا، إلا من رفيق الصحراء، وهو رجل مصاب بطلق ناري في ساقه تجمعهما المحنة ويتعاهدان على التعاون وعدم الخيانة وببراءة الأطفال يعطي ذيب الأمان للرجل المجهول. وبينما تتواصل الأحداث وتكمل المشاهد بعضها بعضا لتعطي الإحساس المطلوب بالوحشة والتوقع السيئ للعلاقة غير المتكافئة بين الحمل والذئب، تتكشف النواحي الجمالية والتأثيرية الأخرى في عالم الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم في «مهرجان فينسيا» فنرى التميز المتبدي في التكوين التشكيلي البديع للمشاهد والامتزاج المدهش بين الضوء والظل والأعماق الغائرة للمشاهد بدلالاتها الموحية وتوازيها المكمل للأحداث كمعان تضفي مصداقية على الجو العام وتلفت النظر إلى الأداء الاحترافي للأبطال، جاسر عيد وحسن مطلق وحسين سلامة.
بيد أن المختلف في الفيلم الأردني، الذي احتفت به الإدارة العامة للسينما التابعة لوزارة الثقافة المصرية، وعرضته في عدة عروض رسمية في قصورها الثقافية، هو خلوه التام من العنصر النسائي، بما يمكن أن يمنحه لقب الفيلم الذكوري، وهو بالقطع ليس امتيازا ينفرد به، إذ لم يكن عيبا، رغم القصدية ولزومية الضرورة الدرامية التي حتمت أو فرضت ابتعاد العنصر النسائي عن الحدث ولو بمجرد الإشارة، وهو ما يدل على عدم الاعتناء بالجانب التجاري والتدقيق فقط في المنظور الإبداعي وكنه العمل ذاته، بشخصياته ومآلاته ودواعيه.
نعود إلى مسيرة البطل الذي أصبح وحيدا لا يرافقه غير الرجل المصاب بطلق ناري في ساقه، حيث يذهب الأخير بالطفل إلى مكان ناء، للقاء ضابط يجلس وحيدا في شبه معتقل بدائي يناسب طقوس المرحلة التاريخية ومعماريتها، فيسلمه المقتنيات الثمينة التي يفهم أنه حصل عليها بعد مقتل الجندي الإنكليزي والشقيق الأكبر لذيب فيدرك ذيب أن من يلعب دور الصديق هو ذاته الخائن فيطلق عليه الرصاص ويرديه قتيلا.
وعلى طريقة النهايات المفتوحة لم يلق الضابط الذي تسلم الأشياء القبض عليه ويتركه ينصرف إلى حال سبيله فيركب ناقته ويتوجه إلى أي مكان ويعبر قضبان السكة الحديد ثم يمشي متوازيا معها معطيا ظهره للكاميرا، مؤكدا في مشهد بليغ على أن امتداد الصحراء هو امتداد المسيرة، وأن المشوار لا يزال طويلا فالمشكلة ليست في الرمال والكثبان والتضاريس المترامية، ولكنها في الخيانة وعدم وضوح الرؤية، وذلك الفراغ الشاسع بيننا وحولنا وأمامنا وخلفنا، إذ أن الصحراء الحقيقية هي حياتنا وما نشكوه من اغتراب هو اغترابنا في ذواتنا. أما تلك الخلفيات التاريخية المأساوية في مسيرتنا فليست إلا شماعات نعلق عليها همومنا منذ وقوعنا تحت وصاية الدولة العثمانية وحتى تاريخنا المعاصر، أما عجزنا فننساه في غمرة ابتهاجنا بفرح قصير ونذكره ذا ما فقدنا البوصلة وصرنا كبطل الحكاية الصغير نسير نحو لا شيء.
كمال القاضي